طائفته دينية صغيرة تجتاز اليوم أخطر مرحلة وجود
لقاء مع رئيس طائفة الصابئة المندائيون الشيخ ستار جبار

الشيخ ستار جبار
حاوره موسى الخميسي: لم تكن حيرة هذا الرجل وحزنه بالشيئ الجديد علينا، إنهما يكرران وضعية نعرفها عن كل من تحمل عبء مسؤولية دينية لطائفة الصابئة المندائية، ومنذ عقود طويلة. فطائفته الدينية الصغيرة تجتاز اليوم اخطر مرحلة وجود في حياتها وتدلف وتساق قسرا الى احرج اختناقة في تاريخها الحديث وربما القديم كله الذي يمتد الى عمق التاريخ كونها أول ديانة توحيدية بشرية في الشرق الاوسط. هناك إبادة في مكان العراق ومكانته، ولكن الى اسفل والى وراء، نراها جميعا رؤية العين ولكننا فيما يبدو متفاهمون في صمت على ان نتعامى عنه كاعلاميين ومثقفين عرب وعراقيين، ونتحاشى ان نواجه مثل هذه المحنة العصيبة التي تمر بها هذه الاقلية الدينية المسالمة.

االشيخ المندائي ستار جبار الرئيس الروحي للطائفة المندائية في العراق يمتلك خوف كبير على من تبقى من ابناء المندائية، بعد ان تشتت وتشردت المئات من العوائل الى دول الجوار في سوريا والاردن واقليم كردستان ودول اوروبا واميركا وكندا واستراليا . يناشد الجميع بمراجعة للنفس على ان تكون امينة وصريحة، بلا تزييف او تزويق، بلا غرور او ادعاء، فلم يعد العراق هذا اليوم كدولة ومؤسسات واحزاب ورجال دين ومرجعيات وهيئات اسلامية، ليمتلك ترف الاستخفاف والاستهتار تجاه عملية قلع جذور طائفته نهائيا من ارضها العراقية.

قبل الانصراف الى تلمس ابرز مظاهر اقتلاع البشر التي تجري للاقليات الدينية العراقية، يطرح الرئيس الروحي لهذه الاقلية الدينية، هذا السؤال على الجميع : ولكن الا يعني الصمت في الاعلام العراقي والعربي والعالمي عن محنة البقاء والوجود للاقليات الدينية العراقية التي تتعرض للابادة انغلاقا وتشبثا عنصريا ازاء محنة العراق ككل؟ السمة الاكثر سلبية والمرض المدمر حقا انما هو تردي الاوضاع بداخل العراق التي تحولت الى استبداد الاخ الكبير وطغيانه ضد الاخ الصغير الذي يمثل اقليات مسالمة لاحول لها ولا قوة، فالطائفية هذا اليوم من وجهة نظر هذا الرجل هي النقطة السوداء والشوهاء، وهي منبع كل السلبيات والشوائب التي تتوغل يوما بعد اخر في الجسد العراقي المنهك.

اللقاء بهذا الرجل، هو الفات نظر الجميع الى واحدة من الفواجع التي يعيشها عصرنا بصمت. انها شهادة من اجل صحوة الضمير الانساني في زمن التردد والتخلي عن القيم الانسانية .

كما تعلمون بان التهجير القسري للمندائيين لم يعد حوادث متفرقة، بل امسى حالة منتشرة في عموم مدن العراق. ما هي الاجراءات التي قامت وتقوم بها طائفتكم ومجلسها الروحاني واتحاد الجمعيات المندائية في المهجر؟

على ضوء انعدام فكرة المواطنية التي تشكل قاعدة الديمقراطية وتضمن احترام الاقليات ومساواة الجميع امام القانون، وعلى ضوء استفحال الشقيق الآخر الذي تلبس النزعة العدائية والهيمنة والغطرسة تجاه اخوة الامس من ابناء الاقليات العراقية، وعلى ضوء ممارسة الارهاب بكل اصنافه وانواعه، اعتداءات على العرض واغتصاب النساء ومصادرة الاملاك والاموال والاستيلاء على البيوت، واغتيال الابناء والاباء في محلات عملهم، وارغام العديد من العوائل على تغيير عقيدتها الدينية بقوة السلاح والابتزاز الرخيص اللااخلاقي، فقد خلق هذا الوضع المتوحش اللاانساني حركة تعبئة عند اغلب العوائل المندائية والمسيحية من اجل الخلاص بارواحهم بعد ان تهدمت كل صيغ التعايش التي عشناها، ولم تكن لدينا كمؤسسات دينية ومدنية اية امكانية مادية او قتالية لوقف ارقاء الدماء، فكاد ان يتبدد حلمنا كأقلية دينية مسالمة بان ينهض العراق من وسط الركام ليعيد بناء نفسه على اسس جديدة مدنية وحضارية، الكل ، طوائف متناحرة وقوات احتلال عملوا على تحويل عراقنا الى حرائق وانقاض. لقد نزح اغلب العوائل وهي تساعد بعضها البعض هروبا من العنف الاعمى والفاحش.

ماهو دور منظمات الهجرة والمهجرين للامم المتحدة وكذلك المؤسسات الحكومية والانسانية العالمية والعراقية وادارة الحكم الذاتي في كردستان ، في تقديم المساعدة الممكنة للنازحين المندائيين؟

لقد كان رهاننا بان نرى حقا من يمد يده لتوسيع رقعة التعايش والتبادل بين الاخوة، وان يقدم المساعدة والعون ويدافع عن وجودنا ويوقف الآت تدميرنا وابادتنا وابعادنا عن وطننا. لقد تفاجئنا باستدارة الوجوه عن محنتنا للحد الذي وجدنا انفسنا عزل بكل ما للكلمة من معنى فقط مع ايمان قلوبنا، ولم نتخل عن الامل حتى اللحظات الاخيرة ونحن نرى ابنائنا يذبحون بالسكاكين. فالعديد من عوائلنا المتبقية في داخل العراق تعيش الفاقة والبؤس، وعوائل كثيرة في كل من الاردن وسوريا استنفذت كل مداخيرها وتعيش متعففة على صدقات ومساعدات اخوتهم من المسيحيين والمندائيين والمسلمين. لقد فتحت لنا حكومة اقليم كردستان ابواب التعاطف فقط مع محنتنا ، اما المؤسسات الحكومية والهيئات الدولية المختصة فلم تمد يدها لمساعدة احد. ما نحتاجه الان هو دعم عوائلنا ماديا والاعتراف بحقيقة المصير المظلم الذي ينتظرنا، والاحساس بالمسؤولية، واجراء الحوار والمداولة، من اجل بناء ما تحتاج اليه ثقافة السلام من خلق الفضاءات والتوسطات والقيم المشتركة.

هناك اشارات كثيرة في وسط المهاجرين المندائيين عن آمال لهم بالخلاص من محنتهم من خلال ايجاد فرص يسعى اليها المجلس الروحاني واتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، ما هي طبيعة هذه التحركات ان وجدت؟

اقليم كردستان غير مستعد لاستقبالنا، والحكومتين السورية والاردنية تبذل كل ما في وسعهما لمساعدة اللاجئين العراقين بدون تفريق، ونحن كعوائل مهجرة نحتاج اكثر مما يرسمه التضامن والتعاطف الاخوي بعيدا عن اللعب السياسية والبرلمانية، بل في استخدام ما توفره الدولة العراقية للاخرين، نحن نعاني الفوضى وعدم الانضباط من المؤسسات الحكومية العراقية التي ادارت بوجهها عن محنتنا. لنا حضور وانا اشدد على جوانبه الانسانية وليس السياسية. اننا نعيش مفارقات بعضها يقف على حق والاخر على باطل، يجب النظر الى محنتنا باننا نعيش تجربة اقتلاع بالمعنى الفيزيقي والروحي، عن التربة الاصيلة التي شهدت ميلادنا منذ الآف السنين. بصراحة لم نوفق للان بالحصول الا على وعود وقسوة تزداد يوما بعد اخر.

هل تشعرون حقا بان ثمة استثناء في الاعلام العراقي والعربي والعالمي ازاء محنتكم العصيبة؟

ثمة وضعا محرجا وصلت اليه حال الاقليات الدينية العراقية وخاصة طائفتنا التي لايوجد لها احد يساندها ويدعمها في الخارج، كما هو الحال مع اخوتنا المسيحيين او اخوتنا المسلمين. وفي يقيني فان ان الامر يتمحور حول الضمير الانساني ، فنحن ومنذ منتصف عام 2005 نلاحظ عمق الهوة بين محنتنا وتوجهات الاعلام في داخل الوطن والاعلام العربي، ونتساءل ما الذي حدث لكي لاتعمل ماكنة الاعلام المأمولة بنزاهتها ودفاعها عن الانسان وحقوقه المشروعة بالعيش، بان تمتلك مثل هذا الصمت والا اباليه عن ابناء هذه الاقلية الدينية التي يراد لهم الابادة.

ما هو موقف المرجعيات والهيئات الدينية العراقية لما يحدث لابناء الطائفة المندائية؟ هل عاودتم تجديد قنوات الاتصال بها من جديد؟

لقد عانيننا على مر التاريخ من الفتاوى الدينية، وراح منا الآف الابرياء. لقد حققنا زيارات للمرجعيات الدينية وعلى رأسها السيد علي السيستاني والراحل الشهيد محمد باقر الحكيم، كما التقينا بهيئة علماء المسلمين والسيد مقتدى الصدر ،وعدد من قادة الاحزاب الدينية والسياسية في البلاد، والكل كان متجاوب مع محنتا، ولكن للان لم تخرج اي فتوى تحرم قتل ابنائنا والاعتداء على اعراضنا ونهب ممتلكاتنا والاستيلاء على بيوتنا، واجبار ناسنا على تغيير عقيدتهم الدينية، والقيام بعمليات ختان لابنائنا قسرا. ليس من الصعب ان يلاحظ المرء الى اي مدى اصبحت حالنا مزرية والتي نستجدي من الاخرين فقط الآمان والسلام المفقودين.

ما هو بتقديرك المطلوب من قوات الاحتلال والحكومة العراقية عمله لوقف هذا النزف الذي تعاني منه مجموعتكم الدينية؟

كل اللقاءات التي تمت مع سلطات الاحتلال ورئاسة الحكومة العراقية والمسؤولين ، عدم التجاوب الفعلي لحمايتنا والحد من العنف المسلط على رقابنا والعمل على احترام معتقداتنا الدينية وضمان سلامتنا في وطننا، في الوقت الذي اكدنا ولا نزال على التزامنا بتكريس انفسنا لمواصلة السعي المشترك من اجل وحدة العراق وشعبه، والسعي من اجل ايجاد مناخ يوفر العيش سوية للاجيال الحاضرة والمستقبلية، في ظل الثقة والاحترام المتبادلين. اصبحت لنا عادة الاستماع الى الوعود.

القتل على الهوية، التهدير القسري، الاختطافات، الاغتيالات، الاعتداء على اعراض النساء، حملة ختان الذكور عنوة، وغيرها من الاساليب اللاانسانية. هل هناك امل يراود المندائيين بالعودة الى وطنهم وعراق آمن ديمقراطي مستقر؟

ندعو كل السياسيين ورجال الدين المسلمين في العراق الى العمل من اجل انتقال عادل وآمن نحو الديمقراطية مستلهمين في ذلك المعاني السامية لكلمات الرسل والانبياء. ان ارض العراق مقدسة في كل الكتب السماوية، ولهذا فان على اتباع الديانات السماوية احترام قدسية هذه الارض التي لايجوز ان يسفك الدم على اديمها الطاهر. كلنا امل بالعيش من جديد سوية كعائلة واحدة، تنظر بعين الاحترام والاجلال لكل القيم الاخلاقية والدينية الموروثة لكل فرد فيها، وندعو الجميع الى ادانة ونبذ ثقافة التحريض والكراهية وتشويه صورة الاخر الضعيف.

كم هو العدد التقريبي للمهاجرين المندائيين خلال الثلاث سنوات الاخيرة؟

كان عدد المندائيين قبل احداث عام 2003 ما بين 35 الى 40 الف مندائي. الان ما تبقى في العراق لايتجاوز الخمسة الآف مندائي. كان عدد رجال الدين الذين يقودون الشعائر والطقوس ويحتلون مناصب كهنوتية عليا 29 كهنوتيا ، اما الان فعددهم ستة فقط. وكان عدد مساعديهم 31 اما الان فتقلص هذا العدد الى سبعة.

كيف تعاملون المرأة التي يتم اغتصابها او الرجل او الصبي الذي يجري ختناة بالقوة من قبل بعض افراد الملشيات الدينية المسلمة المتطرفة؟

مثل هذه الحقائق تبو بعيدة التصديق في عصر التغيرات والتبدلات والديمقراطية وحرية الانسان وحقوقه المشروعة في العيش وممارسة عقيدته وافكاره ، فنحن نعيش في القلق والتعثر، اذ لايمكن ان تقتل انسانا وتغتصبه لانه لا ينتمي الى دينك، لقد اعتدوا على اعراضنا في داخل الاسرة وفي البيوت واماكن العمل والدراسة، ونحن نشعر بالحياء من هكذا افعال خسيسة ودنيئة. انه موت وعار يشق السماء، فلا العقل ولا الوجدان ولا الضمير الانساني، لايستطيع ان يبرر او يعقلن هذاه الدناءة. نحاول مساعدة من اغتصب بكل التقاليد الانسانية والاخلاقية الرفيعة التي يامرنا ديننا المتسامح على اعتبار ان من اصابه السوء ، هو ضحية تحتاج الوقوف الى جنبها لاعانتها على الوقوف لمواصلة مسيرة الحياة.

لماذا انت كرئيس روحاني للطائفة المندائية في خارج العراق؟

اشعر بمسؤولية تاريخة كبيرة في هذا الظرف العصيب ، فانا لست خارج العراق بشكل دائم، اذ يتحتم واجبي الديني بالتنقل ، لذا تراني اتنقل من مكان الى آخر من اجل اطلاع المؤسسات العربية والعالمية على اوضاع ابناء طائفتي بعد ان فقدنا القدرة على مصداقية الادعاءات، لكننا لم نفقد القدرة للان على الشعور بانتمائنا الوطني وامكانية تحقيق التعاون.

ورد اسم طائفتكم الدينية في القرآن الكريم ثلاث مرات كتوحيدين، الا تشفع لكم هذه الشهادة الالهية بحماية الارواح والممتلكات؟

كنا ولا نزال نمني انفسنا بان تترجم هذه الآيات الكريمة التي جاءت بالقرآن الكريم الى واقع عادل في التعامل معنا على اساس اننا نؤمن بالله واليوم الآخر ونؤمن بالحساب والعقاب، وان الابرار منا يذهبون بعد الوفاة الى عالم النور وان المذنبين يذهبون الى عالم الظلام، ونحن ننزه الله سبحانه وتعالى غاية التنزيه. ان الدين الصابئي دين قديم يعتقد معتنقوه انه من اقدم الاديان ان لم يكن اقدمها، فنحن ننسب كتابنا المقدسquot; كنزه ربهquot; الكنز العظيم الى آدم عليه السلام.