محمد الحمامصي من القاهرة: ربما لا يذكر الكثيرون منا هذا الرجل الذي ألقي بجسده ليحمي الرئيس المصري الراحل أنوار السادات من الطلقات التي اغتالته ، هذا الرجل رحل عن دنيانا أخيرا عن عمر يناهزrlm;89 rlm; عاما بعد صراع مع المرض ، إنه فوزي عبد الحافظ كاتم أسرار والسكرتير الشخصي وأحد الأصدقاء المقربين للرئيس السادات والأوفياء له بعد رحيله حيث قدم الكثير من الوثائق والتسجيلات والأفلام التسجيلية المهمة التي تخص الرئيس السادات من أجل مشروع موقعه الإلكتروني ومتحفه والذي يجري الإعداد له بمكتبة الإسكندرية برعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك وتحت إشراف الدكتور خالد عزب ، وقد نعت المكتبة الرجل كاشفة أن واقع سجلات ذاكرة مصر التاريخية يحمل الكثير من تاريخ الرجل الذي عمل مع الرئيس السادات لمدة 27 عاماً حتى تم اغتياله في حادث المنصة يوم 6 أكتوبر عام 1981، وكانت هذه اللحظة التي جسدت مشاعر الحب والوفاء التي يكنها كاتم الأسرار حين ألقى بجسده على الرئيس السادات ليتلقى بدلاً منه الطلقات الغادرة في محاولة لحمايته وأصيب إصابة بالغة نقل على إثرها لمستشفى القوات المسلحة ثم نقل للعلاج في مستشفى البحرية الأميركية.
ومن واقع سجلات ذاكرة مصر التاريخية والتي ستطلقها مكتبة الإسكندرية خلال الأشهر القليلة القادمة، تظهر مواقف عديدة تؤكد وفاء هذا الرجل الذي فاق الوصف، فحين لفظ الرئيس السادات أنفاسه الأخيرة، لم يجرؤ أحد أن يخبر عبد الحافظ بنبأ وفاة الرئيس بعد تحذير الأطباء من ذلك حتى لا ينهار، ومنعت عنه الجرائد والمجلات، وكان الزائرون يبلغونه أن الرئيس بصحة جيدة، حتى أنه يوم الاستفتاء لاختيار رئيس الجمهورية الجديد أغلقت الستائر حتى لا يشعر بشيء مريب وبتحركات الناس في الشوارع. وكان يقول لزوجتهquot; أكتر شيء أسعدني أنني فديت الريس وهو سليم، أنا كده راضي عن كل شئ وأقدر أطلع معاش دلوقتيquot;.
| السادات خلال زيارته التارخية للقدس وخلفه عبد الحافظ سكرتيرة الشخصي |
وتذكر أنه بعد حادث المنصة كانت تهاتفه يومياً وكانت حالته النفسية سيئة جداً وكان يبكي الريس فين؟، وتقولquot; طبعاً ذهبت لزيارته خصيصاً وكنت أرتدي ملابس الحداد السوداء وقمت بارتداء شال ملون وحاولت تهدئته وطمأنته على الرئيس وأبلغته بأن الرئيس أرسلني للاطمئنان عليه، وبعد زيارته انهمرت دموعي وكنت في حالة من الانهيار، ولا أستطيع أن أقول أنه كان إنساناً رائعاً وأباً لأولادي وكان محل ثقة كل أفراد الأسرة لدرجة أن أبنائي كانوا يقولون له quot;عمو فوزيquot; لشعورهم بمدى حبه لهم ولوالدهمquot;. ومن الذكريات الطريفة التي تذكرها السيدة جيهان أيضاً أنها دائماً ما كانت تقول له الصاغ فوزي، ولما أصبح على درجة وزير وقالت له يا سيادة الوزير فوزي، فقال لهاquot; إنت بتشتميني ولا إيه؟quot;.
وصرح عمرو شلبي المسؤول عن متحف وموقع الرئيس السادات بمكتبة الإسكندرية، بأن عبد الحافظ كان من أبرز المساهمين في المشروع، الذي قدّم للمكتبة عدداً كبيراً من الصور والوثائق الخاصة بالرئيس الراحل، وقد كان في غاية السعادة حينما عرض عليه المشروع وقرر التعاون مع المكتبة بكل السبل فأهدى لها مجموعة من أندر المواد التسجيلية عن السادات لتحميلها على الموقع الإلكتروني الخاص به، من بينها اللقاء الذي أجرته معه المذيعة الأميركية الشهيرة باربرا والترز، أشهر المذيعين الأميركيين في السبعينيات، وتسجيل مع المذيع الأميركي والتر كورنكيت، الذي أعلن فيه أنه على استعداد للسفر للقدس، في بث مباشر مع مناحم بيجين. وأيضاً فيلم وثائقي عن حياة الرئيس السادات أعده الصحافي الأميركي بيتر جينس 1975 سجل خلاله لتفاصيل الحياة الشخصية والعائلية له، وهو من أفضل الأفلام التسجيلية التي تحدث فيها السادات عن حياته، ومن اللقطات المؤثرة في الفيلم عندما قال quot; أريد أن يكتب على قبري عاش من أجل المبادئ .. ومات من أجل السلامquot;. كذلك أهدى عبد الحافظ مجموعة من أندر التسجيلات الإذاعية للسادات في فترة الستينات والتي يتحدث فيها عن علاقة مصر بالدول العربية وعن الاشتراكية وعن المؤتمر القومي. أيضاً أهدى شريط فيديو يسجل زيارة الرئيس أنور السادات لسجن مصر العمومي عام 1962 برفقة عائلته، كما أنه سجل بكاميراته الخاصة وقائع الاحتفال بالوحدة بين مصر وسوريا وهي تشتمل على خطاب الرئيس جمال عبد الناصر بسوريا.
|
| مع الرئيس |
ويشير شلبي إلى أن عبد الحافظ أهدى لمكتبة الإسكندرية الخطاب الذي أرسله له الرئيس الأميركي في ذلك الوقت رونالد ريجان يشكره فيه على موقفه الشجاع ومحاولته الجريئة لحماية الرئيس السادات، وذلك بعد علمه بوجوده في المستشفى. ويذكر عبد الحافظ أنه خلال وجوده في أميركا استقبله الجنود بترحاب شديد مقدرين موقفه البطولي وكانوا يأتون إليه بالصور التي يظهر فيها إلى جوار الرئيس على صفحات الجرائد ويقولون له هذا أنت أيها البطل.
وأكد شلبي أن الراحل عبد الحافظ كان يحرص كل عام على قضاء شهر أغسطس بشاطئ المعمورة مع عائلته كما كان يقضيه مع الرئيس السادات في استراحته الخاصة، ليسترجع لحظات ومواقف عديدة جمعته به.
ويكشف عمرو شلبي أنه من المعلومات التي لا يعرفها أحد عن عبد الحافظ أنه بعد حريق القاهرة في فبراير 52 عين عبد الحافظ في لجنة حصر أماكن الحريق بالقاهرة. في سنة 54 عين كضابط حراسة للسيد قائم مقام أنور السادات خلال محكمة الثورة، ومن هنا بدأت علاقته بالسادات، وقام بأول رحلة طيران خارج البلاد مع السادات عندما كان يشغل موقع سكرتير عام المؤتمر الإسلامي وقام معه بأداء فريضة العُمرة. وفي عام 1956 طلب منه السادات أن يعمل معه كسكرتير ويترك حرس الوزارات، وعين بعد ذلك مدير مكتب أنور السادات في المؤتمر الإسلامي و جريدة الجمهورية التي كان السادات قد أسسها بنفسه.
وفي أغسطس رفع اسمه من عداد ضباط الشرطة بالقرار المصري رقم 1248 نقلاُ للأمانة العامة لمجلس الأمة ثم مديراً لمكتب رئيس مجلس الأمة السادات. ثم عين مديراً لمكتب الرئيس أنور السادات حينما كان نائباً لجمال عبد الناصر رئيس الجمهورية، وعقب وفاة جمال عبد الناصر تم انتخاب السادات رئيسا للجمهورية وتم تعيينه مديراً لمكتب الرئيس وتمت ترقيته لدرجة وزير برئاسة الجمهورية سنة 1980 حتى أحيل للمعاش عام 1982 .
يذكر شلبي أن عبد الحافظ قد تحدث معه عن زيارته للقدس حيث سافر عبد الحافظ بنفسه ضمن وفد لبحث الترتيبات الخاصة بزيارة السادات لإسرائيل، حيث ذهب لمعاينة الفندق والأماكن التي سيزورها الرئيس وذكر انه لاحظ حالة الفرح والغبطة في الشارع الإسرائيلي بزيارة السادات، وذكر عبد الحافظ أن من أسعد اللحظات التي عايشها مع الرئيس السادات الصلاة في المسجد الأقصى.
وفي احدى الجلسات التي التقى فيها عبد الحافظ مع عمرو شلبي قال له أن كل الوقائع التي تضمنها كتاب quot; 15 مايو quot; للكاتب الصحافي موسى صبري، صادقة وأنه كان شاهداً على مواقف كثيرة جاءت في الكتاب . فقد كان عبد الحافظ يوقع على الكتب التي تسجل تاريخ مصر في تلك الحقبة بتوقيع خاص quot;أشهد بأن ما جاء في ذلك الكتاب صحيحاًquot;. ويذكر عبد الحافظ أيضاً أن السير وراء الرئيس السادات كان بالأقدمية فكان هناك رئيس الديوان ثم فوزي عبد الحافظ ثم كبير الياوران.
ويقول عمرو شلبي quot; لقد وجدت خلال لقائي بعبد الحافظ الإجابة على سؤال محير هو ما الذي جعل السادات يتمسك به طوال 27 عاماً ككاتم أسرار، فهو بالفعل عملة نادرة ومنبع لم ينضب من الوفاء والإخلاص، فهو يعرف أسرار كثيرة جداً كانت أصغرها كافية بأن تدر عليه الملايين ولكنه لم يفعل بل كان دائماً ما يقول ليquot; لقد آليت على نفسي ألا أتحدثquot; رغم العروض الكثيرة التي كانت تنهال عليه من الداخل والخارج ليتحدث عن حياة السادات.
| فوزي خلال مراسم استعادة العريش وهو يقبل العلم الذى يحمله الرئيس السادات1979وإلي جواره الرئيس مبارك |
| إلى جوار الرئيس دائما |
ومن الجدير بالذكر أن الراحل فوزي عبد الحافظ كان متزوجاً من السيدة كوثر مخلوف وهى أخت الشيخ حسنين مخلوف من كبار رجال الأزهر الذي عاش أكثر من مائة عام، وفى ذات الوقت يعد والد الشيخ مخلوف خال السيد فوزي عبد الحافظ، كما أن السيدة كوثر مخلوف تعتبر خالة الدكتور كمال أبو المجد .
ويذكر شلبي أنه حتى اللحظات الأخيرة في حياته كان فوزي عبد الحافظ محافظاً على القراءة فكان يقرأ الجرائد كل يوم، فكان منزله لا يخلو من الجرائد المتنوعة والتي يداوم على قراءتها يوميا منها الحياة والمصري اليوم والأهرام كما أنه كان متابعا يوميا لكافة الكتب الجديدة خصوصا التي تتحدث عن فترة السادات فتجد أن مكتبته زاخرة بمجموعة كبيرة من الكتب والتي تتحدث عن تلك الفترة. كان عبد الحافظ يوقع على الكتب التي تسجل تاريخ مصر في تلك الحقبة بتوقيع خاص quot;أشهد بأن ما جاء في ذلك الكتاب صحيحاًquot;.
ومن الأشياء الجديرة بالذكر أن منزل عبد الحافظ يحتضن ضمن لوحة الأوسمة والنياشين الخاصة به والمعلقة في المكتبة قلم مقسوم إلى نصفين قسمة غير مكتملة في وسط الأوسمة والنياشين، لهذا القلم مكانه خاصة لدى عبد الحافظ تفوق كل أوسمة ونياشين العالم!! فهو يقول عنه quot;أن هذا القلم كان في جيبي يوم الاغتيال وهو الذي أنقذني من الموت لأنه عندما أطلقت الرصاصات أصابتني رصاصة في ذلك القلم كانت من المفترض لولا عناية الله أن تصيبني في قلبي فأنحرف مسار الرصاصة ليصيب الرئة بدلا من القلب فأنا أعتز بهذا القلم كثيرا . هذا هو الوسام الحقيقي الذي حصل عليه بعد 27 سنة من خدمة السادات ، لأنه وسام الوفاء، وسام دفع فيه دم ، وسام حقيقي وليس مجاملة.
الشيء الجميل أن العلاقة بين أسرة فوزي عبد الحافظ والسيدة جيهان وأسرتها لم تنقطع وهي علاقة قوية جداً، وكان عبد الحافظ يحرص كل سنة على حضور الذكرى السنوية لوفاة السادات وستكون الذكرى القادمة بأكتوبر المرة الأولى التي يتغيب عنها كاتم الأسرار.
وقد أدى واجب العزاء في الراحل فوزي عبد الحافظ السيدة جيهان السادات وعائلتها، وفضيلة شيخ الأزهر، والدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، والسيد محمود عثمان وإسماعيل عثمان، والدكتور عبد العزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق، و المهندس أحمد نوح أول وزير للطيران المدنى فى عهد السادات، وعبد الأحد جمال الدين، وكمال أبو المجد، والدكتور علي السمان، وإبراهيم فوزي، ومحمد صلاح ، و المحامى رجائي عطيه، ولفيف من الشخصيات العامة.
يذكر أن فوزي عبد الحافظ ولد في 12 ديسمبر 1920 في مدينة ملوي بمحافظة المنيا، حصل عام 1933 على الشهادة الابتدائية من مدرسة ملوي، وفي عام 1938 حصل على الشهادة العامة من مدرسة شبرا الثانوية، وفي عام 1941 حصل على الشهادة العامة قسم العلوم من مدرسة شبرا الثانوية، وفي العام نفسه التحق بكلية الزراعة بجامعة القاهرة لسنة واحدة، ثم التحق بكلية الشرطة عام 1942 وفور تخرجه من كلية الشرطة التحق بالعمل في مديرية قنا بعد ذلك انتقل إلى مكتبة عربان وجه بحري ببنها عام 46 ورقي إلى رتبة اليوسباشي عام 1951 . ثم انتقل إلى القاهرة في مايو 1952 وألحق بفرقة حرس الوزارات.




التعليقات