مذكرات بريماكوف عن حرب لم تكن لتندلع في الخليج عام 1991(3/4)
صدام أطلق مبادرة 12 أغسطس التي أصبحت سكينًا في خاصرته

زيد بنيامين من دبي: تحوّل الحديث بيني وبين الرئيس العراقي بعد ذلك للحديث حول النتائج التي قد يعيشها الجميع بسبب رفض العراق سحب قواته من الكويت، وردة الفعل العالمية على أزمة الكويت وكنت حريصًا على فتح هذين الموضوعين لأنني أدركت أن صدام حسين لم يمتلك الصورة الكاملة لما يحدث في الخارج (كانت التقارير التي تأتيه كما يبدو إيجابية، من قبيل كيف يقوم الشارع العربي بدعم العراق وكذلك التظاهرات التي يشهدها الغرب ضد الحرب وكذلك الحديث عن وجود إختلافات داخل التحالف العسكري ضد العراق، أما الأخبار السيئة فناقلها كان سيتلقى عقابًا قاسيًا).

لكنني قلت للرئيس العراقي متجاوزًا نظرته للازمة quot;ان لم تسحب قواتك من الكويت فإنك ستكون هدفًا عسكريًا، عليك ان تكون مسؤولاً تجاه الحرب التي ستندلع في هذه المنطقة واعتقد الان انك تعي ان الغرض من مهمتي هذه ليس تخويفك، ولكن لأقول لك انه ما من مخرج لهذه الازمة سوى سحب القوات العراقيةquot;.

كان رد الرئيس صدام غير واضح، فقال انه في حال اللجوء الى الخيار العسكري فإنه سيعتمد على كل الطرق المتاحة لنقل الحرب الى كل دول المنطقة وخصوصًا إلى إسرائيل quot;حتى لو كان علي الركوع على ركبتي والاختيار بين الاستسلام والقتال فساختار الخيار الاخيرquot;.

وفي الوقت نفسهقال صدام حسين (انقل انا هنا ما قاله بدقة) quot;كشخص واقعي اعي تمامًا من يقول لي الحقيقة، لكنني اقول لك انني لا استطيع حل قضية الكويت من دون ان تكون مرتبطة بالقضايا الاخرى في المنطقة، لأنني سبق لي وان اعلنت الفكرة في مبادرة الثاني عشر من اغسطس لذلك اريد ان اوضح شيئًا ما ((وهنا كان صدام يتراجع بشكل واضح عن مبادرة 12 اغسطس)) مسألة الوقت والعملية التي ستقودنا الى حل القضية الفلسطينية ستتم مناقشتها في مفاوضات!quot;..

عدت الى موسكو التي وصلتها في السادس من اكتوبر وقد اطلعت الرئيس غورباتشوف على تفاصيل المحادثات وحالما سمع شهادتي طلب مني وضع مقترحات لإتمام مهمة السلام هذه وقد قدمت اقتراحاتي في الثامن من اكتوبر.

كان المقترح يحاول ان يوازن بين (تقديم ثمن) و (انقاذ مياه وجه صدام حسين) بحيث سيقوم الاخير بسحب قواته من الكويت مقابل تجنيبه الخيار العسكري ونتائجه الخطرة.

كنا نعتقد ان الامور ستجري على هذا النحو، العراق سيعلن انه سيسحب قواته من الكويت ثم ينفذ ذلك، في المقابل ما ان يسحب صدام حسين قواته فإن عملية سلام لإنهاء النزاع الاسرائيلي العربي ستنطلق وسيكون مجلس الامن محورًا لهذا التحرك.

بقي امر واحد ربما لم نستطع الاجابة عليه في المقترح وهو المطالبات الحدودية والاقتصادية التي ستنشأ بين العراق والكويت، وقد فكرنا ان نضع هذه المطالبات في اطار عربي ولكن بعد انسحاب العراق من جميع اراضي دولة الكويت المثبتة قبل الثاني من اغسطس.

فكرنا ايضًا في مخاوف الدول المجاورة للعراق خصوصًا بعد ان ثبتت النيات العدائية الواضحة للعراقيين خلال السنوات العشرة الماضية وتنامي القوة العسكرية للجيش العراقي كما ان صدام حسين كان بنفسه انسانًا شكاكًا، فما بالك ان اعتقد انه سيبقى في وجه المدفع وامام خطر المواجهة حتى لو انسحبت القوات العراقية من الكويت!

كان من الواضح ان من اهم العوامل الحصول على نظام امني عربي يقلل مخاوف العرب من صدام حسين هو حل القضية الفلسطينية الاسرائيلية ومن دون هكذا الحل، فإن حدود الدول المجاورة للعراق ستظل مستباحة وقد حاولنا اجمالاً ان نضع كل هذه المخاوف في حساباتنا في حال اعلن العراق الانسحاب، في النهاية هذا سيحدث بعد انسحاب الرئيس العراقي من الكويت ولا يعني ان هذه الامور ستكون متعلقة بهذا الانسحاب كي لا يكون انسحابًا مشروطًا.

انتقلت الى البيت الابيض في الثامن عشر من اكتوبر للحديث مع المسؤولين الاميركيين وكنت ارى كم كان الاميركيون تواقون لهذه اللقاءات، وذلك من اجل تبادل وجهات النظر، وكان هذا الشغف مبنيًا على ان واشنطن لم يكن لديها اي اتصال مباشر مع صدام منذ بداية الازمة، وكانت كل المعلومات التي تلقوها عن الازمة قادمة من مصر والسعودية وتركيا.

التقيت خلال زيارتي هذه اولاً بوزير الخارجية جيمس بيكر، بوجود دينيس روس وهو مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية واحد الخبراء في الشرق الاوسط، وما لاحظته خلال هذه الاجتماعات انه اثناء انهماكي في رواية التفاصيل لجيمس بيكر كان دينيس روس يستمع الينا وإلي تحديدًا ولشرحي بطريقة معاكسة ان لم اقل بطريقة سلبية، فحالما قلت ان على العراق ان يفهم انه حال سحبه لقواته من الكويت سنكون على استعداد للحديث حول الصراع الاسرائيلي العربي ، جائني رد فعل سلبي تمامًا من روس الذي قال quot;اسرائيل لن تقبل بهذا الحلquot;. ابدى روس سلبية تجاه هذا الخط الفاصل بين تقديم جائزة لصدام تعني انقاذ ماء وجهه و ما وجدناه ضرورياً لضمان خروج العراق من الكويت.

كان هناك القليل من المعلومات الجديدة التي نتحدث فيها في اللقاء الذي جمعنا برينت سكوكروفت ونائبه روبرت غيتس، كان سكوكروفت اكثر ميلاً واهتماماً لتحليلنا للوضع في العراق ورؤيتنا للخروج من الازمة، واصبح الجو اكثر حرارة بحضور الرئيس جورج بوش الاب غير المتوقع حيث قرر تبديل طريقه لدقائق معدودة للحضور والحديث معنا وكانت ملابسه مبللة بسبب المطر المنهمر بغزارة في الخارج، سلم بوش علينا قائلاً quot;كان علي الحضور، بعد ان علمت انك هنا مع سكوكروفتquot; وكانت تلك الخطوة الانسانية من الرئيس الاميركي قد جعلتني احب الرئيس الاميركي اكثر والذي اضاف quot;انا انتظر لقائي بك غداً صباحاًquot; قال هذه الكلمات وغادرنا.

صبيحة يوم التاسع عشر من اكتوبر ذهبنا الى البيت الابيض وكان يتواجد هناك وزير الخارجية بيكر وسكوكروفت ورئيس هيئة العاملين في البيت الابيض جون سنو والعديد من مساعدي الرئيس المقربين وتسأل بوش ان كان من الصحيح وصف الرئيس صدام بانه (واقعي) في ما يخص موضوع استعداده الانسحاب من الكويت، وكان بوش يبدي اهتمامًا بالجانب النفسي للرئيس العراقي صدام حسين وتاريخ علاقاتي انا معه.. طرح بوش خلال اللقاء العديد من الاسئلة وكانت محددة ومباشرة، وكان يكتب ملاحظاته مباشرة اثناء ردي عليها، كان واضحًا ان العديد من احكامي ورواياتي لا يناسب قناعات الرئيس بوش، فمثلاً كان الرجل يشك في وجود دعم متزايد للرئيس العراقي في العالم العربي.

في الجانب الاخر، كان واضحاً ان الرئيس بوش متردد في اتخاذ قرار الحرب، فقد اراد الرئيس الاميركي ايصال نقطة واضحة في اجتماعنا الثاني مع صدام حسين وتتعلق بـ (موقع الولايات المتحدة الغير قابل للمنافسة في هذه الازمة) مضيفا quot;يجب ان تأتي الاشارة الايجابية من الرئيس صدام وسنسمعها حتمًا في الولايات المتحدةquot;.

انتهى الاجتماع الذي دام ساعتين مع الرئيس الاميركي قائلاً انه تعرف إلى العديد من المعلومات من خلالنا، كان هناك عدد جديد من الافكار والمعلومات التي قدمناها ولكنه قال انه سيستشير مساعديه في شأنها متسائلاً quot;هل تخطط للبقاء في واشنطن؟quot; فقلت له انني مستعد للبقاء لو كانت هناك حاجة لذلك فقال بوش quot;ساقدم لك اجابة في خلال ساعتين او ثلاث ساعاتquot; وودعنا بحرارة. بعد 54 دقيقة قال غيتس لي quot;لقد طلب مني الرئيس بوش لاخبرك بانه يمكنك تحديد الوقت الذي يمكنك فيه المغادرةquot; ففهمت انه ما من فائدة لمواصلة المحادثات.


في الحلقة الرابعة:
تاتشر حذرتني من مغبة التدخل وتحويل الدفة من الحرب الى السلم!
قرار الامم المتحدة بالسماح بضرب العراق انهى المحاولات الدبلوماسية لانهاء الحرب.