قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كتب حلمي موسى : أدخلت العمليات الاستشهادية الأخيرة كلا من اسرائيل والسلطة الفلسطينية والوساطة الأميركية، على حد سواء، لحظة مواجهة الحقيقة. ومن النافل القول إن هذه اللحظة كانت مطلب هذه القوى الثلاث لحسم الصراع أو للتظاهر بحسمه، إن لم يكن على المدى البعيد، فعلى الأقل، في المستقبل المنظور، إن لم يكن استراتيجيا، فعلى الأقل، من الناحية التكتيكية.
وأرييل شارون الذي وصل الى سدة الحكم على بساط ريح وعوده بجلب الأمن بات أكثر من سواه بحاجة لفترة تهدئة. إذ إنه استخدم الجيش وأجهزة الأمن الاسرائيلية الى الحدود القصوى على قاعدة أن ما لا يمكن تحقيقه بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة. ولكن قاعدة التعامل هذه، المفضلة طوال الوقت عند شارون، استنفدت أغراضها ووجدت نفسها مرة أخرى أمام قاعدة فلسطينية عنيدة تقول بعكس ذلك: إن ما لا تستطيع اسرائيل تحقيقه بالقوة لا يجوز السماح لها بتحقيقه باستخدام المزيد من القوة.
ويمكن ملاحظة الآثار السلبية لسياسة شارون من تصرفاته هو نفسه. فقد آثر قبل بضعة أسابيع عدم التوجه للولايات المتحدة مبررا ذلك بعدم رغبته في ترك اسرائيل في ظروف أمنية صعبة. ولكنه قبل أيام اضطر للسفر الى نيويورك بعد ساعات قليلة من عملية العفولة وفي ظل أكبر كمية من التحذيرات حول إمكانية وقوع عمليات كبرى في اسرائىل. بل ان عملية القدس الاستشهادية المزدوجة لم تدفع الى قطع زيارته والعودة ولكن عملية حيفا دفعته والرئيس الأميركي جورج بوش الى تغيير جدول أعمالهما وعقد اجتماع قصير ليلة أمس تمهيدا لعودة شارون المبكرة الى اسرائيل.
ويمكن معرفة الأثر النفسي لعمليات اليومين الأخيرين على ارييل شارون وحكومته، من خلال مراجعة تصريحات شارون قبل وقت قصير من عملية العفولة والتي تبجح فيها بعثوره على السبيل الناجح لمكافحة الارهاب. وهذا ما دفع شارون الى الكف عن الكلام تقريبا في رحلته الجوية والى التزام الصمت بعد ذلك مما دفع الصحافيين المرافقين له الى الشروع في تحليل شخصيته وتقاطيع وجهه. وتحدث وزراء من حزبه عن مخزون الغضب الهائل الكامن في صدره.
وعقد المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر اجتماعا طارئا برئاسة نائب رئيس الحكومة شمعون بيريز. وكالعادة انقسمت الأجواء الرسمية الاسرائيلية، حتى في ظل غياب شارون الى عناصرها الأولى: مدارس تختلف في النظرة الى الواقع والى الآفاق التي ينبغي لإسرائيل أن تتطلع إليها. وتم اتخاذ جملة من القرارات التكتيكية الاحترازية من دون اتخاذ مواقف حاسمة.
ونبع ذلك في الأساس من عدة اعتبارات:
غياب رئيس الحكومة واجتماعه المقرر في واشنطن مع الرئيس الأميركي.
عدم قدرة الوزراء الاسرائيليين على الحسم بين الاتجاهات المتناقضة للعمل ضد الفلسطينيين.
رؤية الاتجاهات المختلفة داخل الحكومة للأحداث من زوايا متناقضة تدفع الى تبني وسائل عمل متناقضة.
وهكذا تقرر التريث وانتظار عودة ارييل شارون اليوم الى اسرائيل لعقد اجتماع موسع بهدف تحديد صورة الرد الاسرائيلي.
تعاطف أميركي ولكن!
وفي الوقت الذي كانت فيه اسرائيل تحاول كسب الوقت، اندفعت الولايات المتحدة الى الصورة. فحمل الجنرال أنطوني زيني نفسه الى ميدان الانفجار، ووضع باسم الحكومة والشعب الأميركي إكليلا من الزهور للتعبير عن التعاطف مع الاسرائيليين. ولم يقف عند هذا الحد، بل ذهب الى أبعد من ذلك بالحديث عن التماثل مع معاناة الاسرائيليين والتوحد معهم لمواجهة <<أدنى سلوك>> يمارسه الارهاب الفلسطيني. وذهب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد حد المقارنة بين حركة حماس وأسامة بن لادن، فيما انصبت الادانات الأميركية كالقذائف على السلطة الفلسطينية. وطلب الأميركيون من رئيس السلطة بذل ليس فقط مائة في المائة من الجهود، وإنما كذلك تحقيق مائة في المائة من النتائج.
وأشعر الأميركيون السلطة الفلسطينية أن مصيرها بات موضع نقاش، وان الكرة باتت في الملعب الفلسطيني الرسمي. بل ذهب الأميركيون الى حد اتهام الاسرائيليين أنهم بصدد التعامل مع عرفات على طريقة تسليم <<المسدس المحشو>>. وحسب المراسل العسكري للقناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي فهم الاسرائيليون من الأميركيين أنهم بصدد <<وضع مسدس محشو على الطاولة أمام عرفات، وذلك لتوجيهه إما الى رأس حماس أو الى رأسه>>.
ومن غير المستبعد أن الخطوة الأميركية الكبيرة هذه تهدف الى تهدئة الاسرائيليين، على الأقل في المرحلة الأولى. إذ بدا واضحا أن الغرض الأساسي لمهمة زيني قد ضاع أمام تسابق الاسرائيليين والفلسطينيين الى التصعيد المىداني.
ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية لم تغير سياستها بين عشية وضحاها. فقد أرسلت زيني في مهمة واضحة ترمي إما الى تحقيق وقف إطلاق النار وفي ذلك مصلحة لإسرائيل، وإما الى تهدئة الوضع بعض الشيء لكسب المزيد من الوقت تمهيدا للخطوة التالية في <<محاربة الارهاب عالميا>>، سواء عبر ضرب العراق أو اختيار أي هدف عربي آخر. ومن المشكوك فيه أن تكون عمليات القدس وحيفا قد غيرت من هذا الموقف، وبشكل أساسي. وهكذا، من المنطقي الافتراض أن الإدارة الأميركية سوف تنضم الى المدرسة السياسية الاسرائيلية التي ترى بضرورة ممارسة الضغط على السلطة الفلسطينية بوصفها الشريك الوحيد المتوفر لأي عملية سياسية.
ارتباك فلسطيني رسمي
حال وقوع العمليات المتزامنة في القدس، ثم في حيفا وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في وضع بالغ التناقض. فالسلطة العاجزة عن الرد المباشر على الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة ليس فقط على الشعب الفلسطيني وانما كذلك على عناصر الشرطة وأجهزتها، من المنطقي أن تبتهج لكل رد فلسطيني يتصدى للاعتداءات الاسرائيلية. غير أنه محظور على السلطة الابتهاج من ناحية ومطلوب منها كذلك تأدية الدور الذي اختيرت من أجله للشراكة في العملية السياسية: أي الوقوف على الأقل كمصدة بين الشعب الفلسطيني واسرائيل.
والحال ان السلطة الفلسطينية في الآونة الأخيرة استشعرت أكثر من أي وقت مضى بعجزها. فهي من جهة في نظر نفسها وفي نظر إسرائيل جزء من الشعب الفلسطيني، وبالتالي تتعرض لما يتعرض له هذا الشعب وقواه الفاعلة. ومن جهة أخرى وبالنظر الى اعتبارات النشأة والدعم والأفق تجد نفسها في موقع وسط بين الشعب وإسرائيل، الأمر الذي لا يتيح لها التصرف باستقلالية او بشكل مباشر ضد إسرائيل.
وللسلطة الفلسطينية منطقيا غايتان: احداهما المحافظة على ذاتها كنظام قائم، والثانية، تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني حسب رؤيتها. وقد اوقعت هاتان الغايتان السلطة الفلسطينية مرارا في تناقض مع قوى عديدة في الساحة الفلسطينية. وبعد تجارب مريرة تعرفت السلطة على حقيقة بسيطة تفيد بأن تناقضها مع الاحتلال الإسرائيلي يتقدم على أي تناقض داخلي في الساحة الفلسطينية. ولذلك استخدمت السلطة مرارا موقعها كطرف وحيد شريك في العملية السياسية، لكسب المزيد من النقاط السياسية في مواجهة إسرائيل وأميركا.
ومعلوم ان إسرائيل في الشهور الأخيرة دأبت على انتهاج سياسة <<حافة الهاوية>> مع السلطة الفلسطينية. وتقوم هذه السياسة على العمل وكأن إسرائيل تريد حقا وفعلا تقويض السلطة الفلسطينية. ورغم ان هذه السياسة لم تنجح في اقناع عرفات بتغيير مواقفه، كما لم تنجح في دفع الأميركيين والأوروبيين الى تبني هذا الموقف، فإنها نجحت في ترهيب عدد من القادة الفلسطينيين الذين باتوا يتحدثون بشكل انتقادي عن إدارة عرفات للانتفاضة. وصار بعض هؤلاء يلمحون الى المصاعب التي تواجه الانتفاضة كوسيلة للمطالبة بوقفها.
الخيارات الإسرائيلية
كما سلف، تحكم السياسة الإسرائيلية مدرستان، احداهما ترى منذ وقت بعيد ان اتفاق أوسلو وكل نتائجه، بما في ذلك وجود السلطة الفلسطينية، خطيئة يجب التكفير عنها بالقضاء عليها، والثانية لا ترى في الأفق أي شريك سوى السلطة الفلسطينية. وقد حكمت هاتان المدرستان كل السلوك السياسي الإسرائيلي تجاه السلطة. ومن الجائز ان حكومة الوحدة الوطنية الحالية اختارت طريقا ثالثا بين الاثنين: شن حرب غير معلنة ضد السلطة من ناحية والاستمرار في التعامل معها كحقيقة واقعة من ناحية أخرى.
وهكذا، في اجتماع المجلس الوزاري طالب وزراء اليمين الأقصى، مثل ليبرمان وبني ألون باعلان السلطة الفلسطينية عدوا، والتعامل معها على هذا الأساس. ورد بيريز ووزراء حزب العمل بضرورة استغلال الاحداث الراهنة لدفع الولايات المتحدة وأوروبا لتكثيف الضغوط على السلطة الفلسطينية لوقف الانتفاضة.
والحال ان وزراء اليمين الإسرائيلي يتمسكون منذ وقت طويل بفكرة التخلص من عرفات سواء بطرده من الأراضي الفلسطينية او بتصفيته جسديا، ومن ثم القضاء على السلطة الفلسطينية. ويمني هؤلاء أنفسهم بفكرة إقامة أربعة عشر كانتونا في الضفة والقطاع يكون لكل كانتون زعيمه المحلي الخاص الذي تستبدل به إسرائيل القيادة الفلسطينية. ويرى أنصار هذه الفكرة ان تقديم حوافز اقتصادية للفلسطينيين كفيل بجعلهم يتقبلون هذه الصورة، خاصة ان ترافق ذلك مع استخدام واسع ومكثف للقوة العسكرية الإسرائيلية. ويشير معارضو هذه الفكرة وما شابه الى حقيقة ان إسرائيل جربت عمليا كل البدائل والخيارات، ولم يعد هناك من خيار حقيقي وجدي، سوى الخيار الفلسطيني.
وإجمالا، فإن الحكومة الإسرائيلية وفي ظل الوضع الدولي، ورغم دعوات متجددة من جانب اليمين لإحداث تغيير جوهري في صورة التعامل، مضطرة للمحافظة بشكل او بآخر على شكل التعامل القديم.
ومن الوجهة العسكرية الميدانية يمكن القول انه من غير المنطقي ان يكون بوسع الجيش الإسرائيلي فعل أشياء لم يكن يفعلها في السابق. وقد دللت على ذلك طبيعة الخطوات التي سارع الجيش الى اللجوء اليها: حصار، أطواق، حظر تجول، اعتقالات. والشيء الأخير الذي يمكن ان يخطر ببال الجيش الإسرائيلي هو اللجوء الى احتلال المناطق الفلسطينية بشكل شامل.
وفي حساب بسيط، تفقد إسرائيل باحتلالها المناطق الفلسطينية فرصة إلقاء التهمة على طرف كالسلطة الفلسطينية، وتضع نفسها في وضع أسوأ من ذلك الذي كان عشية اتفاقات أوسلو. وبتقديرات متواضعة، تضطر إسرائيل إذا عادت لاحتلال المناطق الفلسطينية الى التخلي عن فكرة الفصل السياسي والجغرافي من ناحية، والى فتح معتقلات تتسع هذه المرة لمئات الآلاف، وليس عشرات الآلاف كما في الماضي.
استنتاجات أولية
أثبتت عمليات العفولة والقدس وحيفا ان البعبع الأمني الإسرائيلي لا يخيف المقاومين الفلسطينيين الذين برهنوا على قدرتهم على اجتياز كل العوائق النفسية والالكترونية والمادية الإسرائيلية. وأكدت هذه العمليات قدرة الفلسطينيين على تحقيق ردع متبادل مع الإسرائيليين، وعلى افشال نظرية الردع الإسرائيلية.
دفعت العمليات الكثير من الإسرائيليين الى الشروع في الحديث عن انهيار الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أمام وطأة العمليات. ويتحدث مسؤولون إسرائيليون بلهجة أخف فيشيرون الى ان الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تمددت الى حدودها القصوى وليس بوسعها فعل أكثر مما تفعل.
من المحتمل ان يحمل شارون معه بعض درجات الحرية في العمل ضد الفلسطينيين، ولكن السؤال الجوهري هو: هل كان شارون مقيدا قبل ذلك؟
الحملة التي شرعت السلطة الفلسطينية بشنها على حماس والجهاد الإسلامي لا ترضي إسرائيل التي ترى انها مجرد حملة خداعية ترمي الى وقف الرد الإسرائيلي لأسبوع او عشرة أيام، تعود الأمور بعدها الى ما كانت عليه.
أخيرا، ورغم الحديث عن احتمالات اعلان إسرائيل ان السلطة الفلسطينية باتت عدوا، فإن حكومة شارون لن تقدم، على الأقل في هذه المرحلة على شيء من هذا القبيل. إذ تكتفي حكومة اليمين، حتى الآن، بمضاعفة الضغوط الأميركية وبامتلاك مزيد من الحرية على الأرض. ولكن، ليس بوسع أحد ان يضمن ما الذي ستكون عليه الحال في الأسبوع القادم.
كل ما يمكن قوله: الجميع يريد الآن تخفيف ارتفاع اللهيب غير ان أحدا لا يأمل انتهاء الصراع.(السفير اللبنانية)
&