عبدالله بن سالم بن حمد الحارثي
&
««المقدمة««
العلاقات في حد ذاتها هي نتاج لتواصل بين جانبين قد يؤدي ذلك التواصل إلى مزيد من الارتباط والوحدة والتكامل أو إلى الخصام والاصطدام وقد تكون العلاقات بين فئتين تحمل مشاعر الود والتعاون في فترة عن الزمن تتلوها مشاعر الارتباك والمواجهة وهذا ناتج من التوافق في المصالح أو التنازع عليها.
لقد بدأت العلاقات عبر التاريخ بين البشرية متواضعة وبسيطة ومصالح الناس لم تكن تتعدى قوتا يبقي الإنسان على قيد الحياة ولهذا عاش عديد من الأجيال في أمن وسلام نظرا لما تملكه من موارد تكفيها للتعامل مع الحياة وقد تركزت الحياة غالبا حول الأنهار الكبرى كنهر النيل ونهر الصين ونهر دجلة والفرات عاش الناس حولها حياة مثالية حالمة ولكنها قد تتنغص من حال إلى حال بسبب رغبة الإنسان الذي تسيطر عليه الأنانية والأطماع في الاستيلاء على ما في يد الغير فتقوم الحروب والصراعات، ولكن مع تطور الحياة وتشابك المصالح وزيادة عدد السكان في الكرة الأرضية والتطور التكنولوجي والتنوع العرقي والديني والعقائدي والمذاهب الفكرية وتضارب المصالح على موارد الأرض والتباين الجوهري بين أنظمة الحكم وتعقد التفسيرات حول الحقائق المشاهدة وتراكمات الأحداث التاريخية أخذت العلاقات بين البشرية تتشابك حيث لم تشهد البشرية ألوانا من التعاون والتكامل والصراع على الموارد والحروب كما شهدته في القرن العشرين إلى يومنا هذا. إنك تجد نفسك بين كفتين كفة تثير الشفقة على ما آلت إليه البشرية بسبب عدد الضحايا وكفة تثير الإعجاب بسبب التعاون والتبادل الهائل بين البشرية. إن المستوى الذي آلت إليه العلاقات العراقية الأمريكية هو أكبر دليل على ذلك فقد كان العراق صديقا للولايات المتحدة الأمريكية دعمته في حربه ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية إعلاميا وسياسيا وعسكريا ثم أصبح عدوا عندما دخل في حرب مع الكويت وازدادت عداوته عندما لم يتجاوب بشكل ايجابي مع مفتشي الدمار الشامل وعندما تعقدت المصالح الاقتصادية بين البلدين وساد الولايات المتحدة خوف مما يسمى بالإرهاب الدولي إلى أن وقعت الحرب ولا يدري الإنسان ماذا سيكون العراق في المستقبل في عين صانع القرار في الولايات المتحدة وماذا ستكون الولايات المتحدة في عين صانع القرار في العراق، إنها ظروف لن تتقدم بالايجاب أو بالسلب إلا نتيجة للتوافق في المصالح أو التضارب عليها.
لقد ارتأيت من المهم أن أبدأ بهذا التمهيد فكما أن العلاقات السلبية تؤدي إلى الدمار والخراب فإن العلاقات الايجابية ما هي إلا مشاعر تبقى متوهجة وجميلة ينعم بها الأطراف على مر الزمان. إن منظومة التشابك الذي أوردته هي التي تقود إلى مزيد من التعاون والتكاتف والخلل في تلك المنظومة تقود إلى الصراع والحرب. إن العلاقات بين الشعبين العماني والعراقي هي درس يمكن أن يستفيد منه المفكرون الباحثون عن وسائل منع الصراع وتحقيق الحوار بين الحضارات فعلى مر الدهور ظلت العلاقات بين هذين الشعبين ناضجة تسودها المحبة والتعاون وهي علاقات عريقة وخالدة تمتد في أعماق التاريخ حفلت بألوان من التعاون والتكافل والأحاسيس المشتركة وهناك تماثل مشترك بين هذين البلدين في الدين واللغة والامتداد الجغرافي والمشاعر القومية. إن العماني الذي يشاهد المسلسل الذي يبث حاليا في قناة MBC عن البطل العراقي العربي المسلم صلاح الدين الأيوبي لا يدخله تشويش أن ذلك قائد عراقي فحسب وليس للعمانيين دخل في إنجازاته بل هو رمز لكل المسلمين وعندما يقرأ العراقي عن الملاح العماني المسلم أحمد بن ماجد لا يعتقد العراقي أن هذا الرمز محصور على العمانيين بل يمثل الأمة العربية والإسلامية إن كلا الطرفين يتيهان افتخارا ويقولان في قرارة نفسيهما هؤلاء آبائي وهذه انتصاراتهم وبطولاتهم وعلينا أن نسير في نهجهم وإذا قدمت العراق أو عمان عالما أو تفوقا في أي مجال من العهد القديم إلى يومنا هذا آمن الطرفان أنهما حازا ذلك التفوق. إن الألم والمعاناة التي يتكبدها الشعب العراقي في الأمس أو اليوم أو في الغد يشعر بها العماني كأنها تتزلزل على رجل أي عماني وتدليلا على ذلك أستحضر ما ورد في الأدب العربي الكاشف لبعض هذه الأحاسيس:
إذا أن في العراق جريح مسك الشرق قلبه في عمان
كل هذه المشاعر رموز تكشف حقيقة العلاقات والتقارب الذي يجمع بين هذين الشعبين العريقين. إن الحديث عن العلاقات العمانية - العراقية ليس حديثا عابرا بل حافلا بجذور عريقة وشامخة ومتشابكة هو حديث عن تعاون بين حضارتين عريقتين يمتدان في عمق التاريخ إنه حديث عن شعبين شهدا ألوانا من التعاون والتكافل والتبادل التجاري والعلمي والاقتصادي. في السطور القادمة سوف تنار اضاءات مشرقة من العلاقات بين الشعبين العماني والعراقي على مر الدهور.
&
علاقات البلدين قبل الإسلام
عندما نعود للماضي نجد أن المواطن في شبه الجزيرة العربية امتداد لأربع حضارات رئيسية وهي الحضارة العراقية واليمنية والحجازية والعمانية. لم يعرف أبناء هذه الحضارات الحواجز بل جعلوا من الصحراء في مختلف البلدان مسكنا لهم وموقعا لتبادلهم التجاري ومرعى لحيواناتهم ولهذا السبب تجد القبيلة العربية الساكنة اليوم في اليمن لها امتداد في اليمن وفي عمان والعراق والحجاز وترى النمط المعماري المتمثل في القلاع والحصون والمنازل لها ما يماثلها في بقية المناطق من شبه الجزيرة العربية وترى نفس البيت الشعري أو القول المأثور الذي قيل في العراق أو في عمان يردد في كلا البلدين وترى حكاية السندباد التي يرويها العماني يرويها العراقي في نفس الوقت.
إن هذه الحضارات مثلت تجانسا يصب في حضارة واحدة متكاملة بسبب التوحد في العديد من أوجه الهوية. لقد بدأت الحضارة في العراق عام 4000 قبل الميلاد وهي حضارة تسبق الحضارة الرومانية والإغريقية وقد عرفت بالحضارة السامرائية. وقد تميزت بقربها من مصب دجلة والفرات وهذا ليس بغريب حيث أن الحضارات في السابق نشأت على ضفاف الأنهار. قدم العراق للبشرية أول تشريع قانوني كتدليل للتنظيم والمستوى الحضاري الذي وصل إليه هذا الشعب وقد كان ذلك في عهد حمورابي الذي حكم خلال الفترة من (1792- 1750 قبل الميلاد) وقد عرفت هذه الفترة بالفترة البابلية. أما عمان فهي موطن قديم يعود إلى آلاف السنين وقد تم العثور على آثار منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في المنطقة الواقعة بين ولاية بهلاء وولاية بدية. إن العلاقات العمانية العراقية في فترة ما قبل الإسلام متواضعة تعكس مستوى التقدم وعدد السكان الموجودين في ذلك الوقت والمستوى الفكري الذي وصلت إليه الإنسانية وقد تمثلت العلاقات بين البلدين في تبادل بعض السلع التجارية والثقافية والتنقلات البدوية حيث أشارت كتب التاريخ أن حضارة مجان كانت لها صلات قوية وتعاون مع حضارات منطقة ما بين النهرين- أي العراق- وهي السومرية والأكادية والبابلية والعلامية. كما تم اكتشاف لوحات ترسم صورة سفن عمانية ترسو في مرفأ أكاد العراقي وهذا يدلل أن العمانيين منذ ذلك الوقت اشتغلوا بالتصنيع كما تشير بعض المراجع أن عمان لعبت دور الوسيط بين الحضارة الهندية والحضارة العراقية التي كان يطلق عليها حضارة ما بين النهرين وقد تبين أن الاحتلال الأجنبي على حضارة ما بين النهرين في عام 1500 قبل الميلاد أثر على التبادل التجاري بين عمان والعراق.
العلاقات العمانية - العراقية في ظل الدولة الإسلامية:
فتح الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه العراق عام634 ميلادي وأدخلها للإسلام ونجح الصحابي عمرو بن العاص في اقناع أهل عمان بالدخول في الإسلام قبل ذلك التاريخ بعدة سنين ليشكلا ملحمة للتعاون والتكامل في عزة الدين الإسلامي المكين. وقد مثلت حقبة الإسلام هوية جديدة لأبناء البلدين كما قوى هذا الدين من عرى التلاحم والتكامل وعاش البلدان في مناخ دولة واحدة تحت راية الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وقد كانت العراق القلعة الحصينة للدين الإسلامي في شمال الجزيرة العربية ومثلت عمان القلعة الحصينة في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
وباعتبار قرب العراق من مركز الخلافة الإسلامية فقد شهد العراق مدارس فكرية ساهمت في نشر ظلال الحق والفضيلة والنور إلى مختلف الدول الإسلامية وكان من بين تلك المناطق عمان. حيث رحل المتعلمون إلى مدن العراق لينهلوا من معين العلماء والفقهاء والمتخصصين شتى فنون المعرفة. وكان من بين أولئك الإمام جابر بن زيد الإمام الروحي للمذهب الإباضي الذي اعتنقه أغلب أهل عمان ومثل هوية هذا الوطن حيث استقر في البصرة ونهل العلم من الصحابة والتابعين وقد بلغ مكانة مرموقة في علم الفقه والحديث وقد اعتبره علماء الحديث أنه من الأئمة البارزين وأجمعوا على ثقته كان لهذا الرجل الفضل في تأليف أول كتاب فقهي في التاريخ الإسلامي عندما ألف كتاب «الديوان« الذي قيل عنه أنه كتب في عشرة أجزاء. وقد نال هذا الإمام شهادة كبار علماء عصره أمثال عبدالله بن العباس وأنس بن مالك وعمرو بن دينار وغيرهم من العلماء. ومن العلماء أيضا الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي الذي ألف أول كتاب في الحديث عرف ب«الجامع الصحيح« وهو المرجع الرئيسي في علم الحديث للمنتسبين للمذهب الإباضي. كما كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أبلغ علماء اللغة العربية وهو معروف بتآليفه المهمة ككتاب «العين« أول قاموس في اللغة العربية وكان هذا العلامة أستاذا لسيبويه مرجع علم النحو. هذا من الناحية العلمية أما من الناحية السياسية فقد كان من بين تلاميذ الإمام أبوعبيدة الجلندى بن مسعود الذي أسس الدولة الإباضية في عمان عام 134 هجري حيث درس هذا الشخص مع عدد من علماء العراق وكان من ثمرة تلك التعاليم الفكر الذي حمله إلى بلاده لإقامة دولة ذات هوية إسلامية عريقة. لقد كان العراق حلما يراود كل صاحب طموح يسعى إلى تطوير قدراته وإمكانياته فكانت قبلة للمتعلمين والمفكرين من أبناء عمان. ولكن عندما تولت الدولة الأموية مقاليد الحكم واتخذت من بغداد عاصمة لها ونظرا لأن عمان تقع على الأطراف ولتصميم أهلها بعدم الإنقياد للدولة الأموية فقد تحفظ العمانيون على طبيعة القيادة في ذلك الوقت وحدث العديد من المعارك وكانت الأمور بين كر وفر وعندما جاءت الدولة العباسية ظلت العلاقات متوترة بين أهل عمان وعاصمة الخلافة ليس بهدف أحداث انشقاق ولكن بسبب التعاليم الرئيسية التي أخذها أهل عمان عن علماء العراق وسيرة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين حول نظام الحكم، لذا فضل العمانيون أن ينأوا بأنفسهم ويخوضوا تجربة مستقلة ولكن لم يرض هذا التصرف القيادات العباسية وقد خاض الجانبان معارك أدت في نهاية الأمر إلى تسليم الولاة المعينين من العباسيين بأن يمنحوا العمانيين رغبتهم في اختيار من يشاؤوا لإدارتهم. وقد حكم العمانيون أنفسهم وتفهم العباسيون لهذه الرغبة. إن هذه الاختلافات لم تحد من التواصل الفكري والعلمي بين أهل عمان وأهل العراق فقد كان العمانيون يذهبون للتعلم على يد العراقيين وقد شاع مثل عربي يحكي قصة هذا التواصل (باض العلم في المدينة وفقس في البصرة وطار إلى عمان) نعم عمان التي تعتز وتفتخر بعلاقتها العريقة بالعراق تلك العلاقة التي اتسمت بالفكر والعلم والنور.
عندما نعود للماضي نجد أن المواطن في شبه الجزيرة العربية امتداد لأربع حضارات رئيسية وهي الحضارة العراقية واليمنية والحجازية والعمانية. لم يعرف أبناء هذه الحضارات الحواجز بل جعلوا من الصحراء في مختلف البلدان مسكنا لهم وموقعا لتبادلهم التجاري ومرعى لحيواناتهم ولهذا السبب تجد القبيلة العربية الساكنة اليوم في اليمن لها امتداد في اليمن وفي عمان والعراق والحجاز وترى النمط المعماري المتمثل في القلاع والحصون والمنازل لها ما يماثلها في بقية المناطق من شبه الجزيرة العربية وترى نفس البيت الشعري أو القول المأثور الذي قيل في العراق أو في عمان يردد في كلا البلدين وترى حكاية السندباد التي يرويها العماني يرويها العراقي في نفس الوقت.
إن هذه الحضارات مثلت تجانسا يصب في حضارة واحدة متكاملة بسبب التوحد في العديد من أوجه الهوية. لقد بدأت الحضارة في العراق عام 4000 قبل الميلاد وهي حضارة تسبق الحضارة الرومانية والإغريقية وقد عرفت بالحضارة السامرائية. وقد تميزت بقربها من مصب دجلة والفرات وهذا ليس بغريب حيث أن الحضارات في السابق نشأت على ضفاف الأنهار. قدم العراق للبشرية أول تشريع قانوني كتدليل للتنظيم والمستوى الحضاري الذي وصل إليه هذا الشعب وقد كان ذلك في عهد حمورابي الذي حكم خلال الفترة من (1792- 1750 قبل الميلاد) وقد عرفت هذه الفترة بالفترة البابلية. أما عمان فهي موطن قديم يعود إلى آلاف السنين وقد تم العثور على آثار منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في المنطقة الواقعة بين ولاية بهلاء وولاية بدية. إن العلاقات العمانية العراقية في فترة ما قبل الإسلام متواضعة تعكس مستوى التقدم وعدد السكان الموجودين في ذلك الوقت والمستوى الفكري الذي وصلت إليه الإنسانية وقد تمثلت العلاقات بين البلدين في تبادل بعض السلع التجارية والثقافية والتنقلات البدوية حيث أشارت كتب التاريخ أن حضارة مجان كانت لها صلات قوية وتعاون مع حضارات منطقة ما بين النهرين- أي العراق- وهي السومرية والأكادية والبابلية والعلامية. كما تم اكتشاف لوحات ترسم صورة سفن عمانية ترسو في مرفأ أكاد العراقي وهذا يدلل أن العمانيين منذ ذلك الوقت اشتغلوا بالتصنيع كما تشير بعض المراجع أن عمان لعبت دور الوسيط بين الحضارة الهندية والحضارة العراقية التي كان يطلق عليها حضارة ما بين النهرين وقد تبين أن الاحتلال الأجنبي على حضارة ما بين النهرين في عام 1500 قبل الميلاد أثر على التبادل التجاري بين عمان والعراق.
العلاقات العمانية - العراقية في ظل الدولة الإسلامية:
فتح الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه العراق عام634 ميلادي وأدخلها للإسلام ونجح الصحابي عمرو بن العاص في اقناع أهل عمان بالدخول في الإسلام قبل ذلك التاريخ بعدة سنين ليشكلا ملحمة للتعاون والتكامل في عزة الدين الإسلامي المكين. وقد مثلت حقبة الإسلام هوية جديدة لأبناء البلدين كما قوى هذا الدين من عرى التلاحم والتكامل وعاش البلدان في مناخ دولة واحدة تحت راية الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وقد كانت العراق القلعة الحصينة للدين الإسلامي في شمال الجزيرة العربية ومثلت عمان القلعة الحصينة في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
وباعتبار قرب العراق من مركز الخلافة الإسلامية فقد شهد العراق مدارس فكرية ساهمت في نشر ظلال الحق والفضيلة والنور إلى مختلف الدول الإسلامية وكان من بين تلك المناطق عمان. حيث رحل المتعلمون إلى مدن العراق لينهلوا من معين العلماء والفقهاء والمتخصصين شتى فنون المعرفة. وكان من بين أولئك الإمام جابر بن زيد الإمام الروحي للمذهب الإباضي الذي اعتنقه أغلب أهل عمان ومثل هوية هذا الوطن حيث استقر في البصرة ونهل العلم من الصحابة والتابعين وقد بلغ مكانة مرموقة في علم الفقه والحديث وقد اعتبره علماء الحديث أنه من الأئمة البارزين وأجمعوا على ثقته كان لهذا الرجل الفضل في تأليف أول كتاب فقهي في التاريخ الإسلامي عندما ألف كتاب «الديوان« الذي قيل عنه أنه كتب في عشرة أجزاء. وقد نال هذا الإمام شهادة كبار علماء عصره أمثال عبدالله بن العباس وأنس بن مالك وعمرو بن دينار وغيرهم من العلماء. ومن العلماء أيضا الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي الذي ألف أول كتاب في الحديث عرف ب«الجامع الصحيح« وهو المرجع الرئيسي في علم الحديث للمنتسبين للمذهب الإباضي. كما كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أبلغ علماء اللغة العربية وهو معروف بتآليفه المهمة ككتاب «العين« أول قاموس في اللغة العربية وكان هذا العلامة أستاذا لسيبويه مرجع علم النحو. هذا من الناحية العلمية أما من الناحية السياسية فقد كان من بين تلاميذ الإمام أبوعبيدة الجلندى بن مسعود الذي أسس الدولة الإباضية في عمان عام 134 هجري حيث درس هذا الشخص مع عدد من علماء العراق وكان من ثمرة تلك التعاليم الفكر الذي حمله إلى بلاده لإقامة دولة ذات هوية إسلامية عريقة. لقد كان العراق حلما يراود كل صاحب طموح يسعى إلى تطوير قدراته وإمكانياته فكانت قبلة للمتعلمين والمفكرين من أبناء عمان. ولكن عندما تولت الدولة الأموية مقاليد الحكم واتخذت من بغداد عاصمة لها ونظرا لأن عمان تقع على الأطراف ولتصميم أهلها بعدم الإنقياد للدولة الأموية فقد تحفظ العمانيون على طبيعة القيادة في ذلك الوقت وحدث العديد من المعارك وكانت الأمور بين كر وفر وعندما جاءت الدولة العباسية ظلت العلاقات متوترة بين أهل عمان وعاصمة الخلافة ليس بهدف أحداث انشقاق ولكن بسبب التعاليم الرئيسية التي أخذها أهل عمان عن علماء العراق وسيرة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين حول نظام الحكم، لذا فضل العمانيون أن ينأوا بأنفسهم ويخوضوا تجربة مستقلة ولكن لم يرض هذا التصرف القيادات العباسية وقد خاض الجانبان معارك أدت في نهاية الأمر إلى تسليم الولاة المعينين من العباسيين بأن يمنحوا العمانيين رغبتهم في اختيار من يشاؤوا لإدارتهم. وقد حكم العمانيون أنفسهم وتفهم العباسيون لهذه الرغبة. إن هذه الاختلافات لم تحد من التواصل الفكري والعلمي بين أهل عمان وأهل العراق فقد كان العمانيون يذهبون للتعلم على يد العراقيين وقد شاع مثل عربي يحكي قصة هذا التواصل (باض العلم في المدينة وفقس في البصرة وطار إلى عمان) نعم عمان التي تعتز وتفتخر بعلاقتها العريقة بالعراق تلك العلاقة التي اتسمت بالفكر والعلم والنور.














التعليقات