رشيد بوطيب من فرانكفورت: خصت "المغازين ليترير" (المجلة الأدبية)& الفرنسية عددها الأخير لفيلسوف التفكيكية جاك دريدا. وتناولت مقالات هذا العدد علاقة التفكيكية بالأدب والفن والدين والسياسة والميتافيزيقا. بدأت التفكيكية في الستينيات من القرن الماضي بـ "تدمير" البناء الميتافيزيقي للفلسفة الأوروبية، وخصوصا لفينمنولوجيا الألماني ادموند هوسرل، الذي أعطى الأولوية للوعي أو الكلام على حساب الكتابة. وقد تناول دريدا في كتبه الأولى هذه الفلسفة بالتفكيك، خصوصا في مقدمته لترجمة كتاب "أصل الهندسة" لهوسرل، وفي "الصوت والظاهرة". هذا الكتاب الأخير الذي وضع موضع سؤال مشكلة العبارة عند هوسرل، كما فهمها الفيلسوف الألماني في كتابه "الأبحاث المنطقية". فهذا الكتاب يعتبر بالنسبة لدريدا النص النواة لكل الفينمونولوجيا. سيكشف دريدا عن البنية الميتافيزيقية لنظرية المعنى الهوسرليانية. إن هوسرل نفسه يميز في كتابه:"التأملات الديكارتية" بين ميتافيزيقا أصيلة أو فلسفة أولى والميتافيزيقا التقليدية، التي خانت، حسب تصوره، العقل. إن الفينمنولوجيا، أعتبارا لمنهجها الحدسي، الحسي ولكن أيضا العقلاني، ضد كل شكل من أشكال الشطط الميتافيزيقي. ولكن رغم ذلك الزعم، فإن دريدا يرى بأن الفينمونولوجيا لم تضع موضع سؤال، لا العقل الترنسندنتالي ولا اللغة التقليدية لهذا العقل. إن هوسرل يفهم اللغة كائن عقلاني، وهو لم يدرك الاختلاف بين اللغة والمنطق أو بين الغراماتيكا والمنطق. إنها غراماتيكا منطقية تتأسس على الوعي، وتجد أصلها ومآلها في الوعي. غراماتيكا ميتافيزيقية، وعي لا يعبر إلا عن شيء واحد وهو الحضور، وبلغة أخرى: الصوت. الصوت الفينمنولوجي، الذي لا يجب خلطه بالصوت الفيزيقي، لأنه صوت ترنسندنتالي وشعوري، صوت يمتلك روحا لا تنتمي إلى العالم. سوف يوضح هوسرل بأن العبارة ليست غشارة إلى شيء ما. إنها ليس علامة وجود، وحتى لو كانت دائما مرتبطة بخطاب تواصلي، فهذا التواصل يظل دائما بالنسبة لهوسرل سطحيا. إن العبارة تجد أصلها خارج فعل التواصل وبنية الإشارات، خارج العالم، في عالم المثال والمنولوغ. الفينمنولوجيا الترنسندنتالية لا تسمح بتبادل الكلام، لأنها تفهم التواصل كفعل سطحي. إن أصالتها دائما تتحقق في غياب الآخرين، في غياب الاختلاف، في الحياة المنعزلة للروح.
سنة 1996 يصدر دريدا كتابه "الدين" La religion وقد حاول دريدا في كتابه هذا مقاربة المشكلة الدينية، أو ما يمسيه بـ "مشكلة عودة الدين" بعيدا عن الميراث العقلاني الإقصائي، أو بعيدا عن تلك المعارضة المألوفة بين الدين والعقل، كما نجدها في فلسفة الأنوار، العلم، الجينالوجيا النيتشوية، التحليل النفسي والنقد الماركسي. إن دريدا يحاول في كتابه تبيان كيف أن هذه الخطابات، بوعي أو بغير وعي، ساهمت في عودة الدين. الدين والعقل لهما نفس الأصل. يقول دريدا. ويفرق بين الايمان والدين، معتبرا بأن الخطر الذي يأتينا من العقل هو عدم رغبته في رؤية هذا الفرق، ومن الدين هو نزعته& نحو القداسة والتضحية.
واشتغلت فلسفة دريدا أيضا على تفكيك ما يسميه بالتيولوجيا السياسية، لقد بدأ مشروعه ذلك في كتابه "الغراماتولوجيا"، في الفصل المخصص لليفي شتراوس، حيث يكشف سلطوية وعنف الكتابة عند هذا الأخير، وكمون المركزية الأوروبية خلف خطابه الذي يدعي رفض كل شكل من أشكال المركزية الاثنية، ثم لا ننسى قراءته النقدية في كتابه "فلسفات الصداقة" لخطاب هايدغر حول الجامعة. هايدغر الذي رأى أن مهمة الجامعة الألمانية هي التعبير عن الجوهر الألماني. وينتقل دريدا في كتبه الأخيرة لتعرية السياسات الامبريالية وتشدقها الكاذب بالديمقراطية وحقوق الانسان من أجل فرض نموذج حياة وتفكير أحادي البعد إكراهي المعنى على الآخرين. وأخر ما صدر له في هذا السياق، كتابه "مارقون" Voyous، الذي يعتبر إعادة نظر بمفهوم الديمقراطية الغربي، حيث يرى دريدا أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا خارج مفهوم السيادة الذي ارتبط بالدولة ـ الأمة، وبلغة أخرى، خارج هذا النموذج السياسي ذاته.