ناهد باشطح:& في دراسة حديثة جدا بعنوان (الفقر الحضري وارتباطه بالهجرة الداخلية.. دراسة اجتماعية لبعض الأحياء الشعبية الداخلية في مدينة الرياض) ناقشتها الباحثة عزيزة النعيم وأجيزت للحصول على درجة الدكتوراه بتاريخ 1425/4/21ه.. تبين أن (استمرار الهجرة الداخلية يؤدي إلى فقر حضري في مدينة الرياض، حيث يلجأ المهاجرون الفقراء إلى السكن في الأحياء الشعبية التي تعاني مساكنها من عدد من العيوب، والفقر غالبا يقع على المهاجرين حديثا كما يقع اكثر على القرويين والاميين وأصحاب الأعمال غير الماهرة وكبار السن والأرامل والمطلقات وتعد أوضاع الفقراء في الأحياء الشعبية في الرياض افضل من أقرانهم في الموطن الأصلى).
إذن فهناك علاقة بين الفقر الحضري في أحياء الرياض الشعبية وبين مدن أخرى لدينا تصدر المهاجرين فينتشر الفقر بصورة أكبر.
الباحثة قابلت& 400أسرة سعودية تعيش الأحياء الشعبية وهي عملية ليست سهلة إذا عرفنا طبيعة الأحياء الشعبية حيث الشوارع الضيقة بدون اسفلت ولا توجد بالطبع إنارة كما تتكدس المساكن الشعبية القديمة من الطين وقليل منها من البلك وهناك العديد من البيوت القديمة والمهجورة والمنهارة في تلك الأحياء كما أن بعضها يتصف بالفقر وارتفاع مستوى الأمية والبطالة وكلها عوامل تساعد على انحراف الفرد وليس استقراره ومشاركته في تنمية المجتمع. وبالتالي يصعب على الباحث الدخول إلى هذه المناطق.
والسؤال كيف يمكن للفرد السعودي أن يدرك متى وكيف يهاجر من مسقط رأسه إلى مدينة الرياض فيعيش مستقرا؟
ما أسباب الفقر؟ولماذا يهتم القاطنون خارج الرياض من المدن الأخرى في المملكة أن يهاجروا إلى الرياض؟!
وما علاقة هذه الهجرة بالفقر الحضري في الأحياء الشعبية؟
مدخل:
كنت انتظر مناقشة د. عزيزة النعيم لرسالتها لأني اعرف مهاراتها البحثية وإخلاصها في العمل لا سيما وأن رسالتها في الماجستير كانت عن حي الفيصلية الشعبي واظنها لفتت الأنظار إليه والى تدني مستوى الخدمات المعيشية فيه،
غير أنها في دراستها هذه قدمت معلومات مهمة جدا اعتقد أن وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العمل ووزارة الشؤون القروية والبلدية معنيون بالاطلاع عليها والاستفادة من توصياتها،
أن بعض الابحاث الاجتماعية الميدانية تعد كنزاً وبعض الباحثين لا يقدم دراسة علمية بقدر ما يكون قد اعترك تجربة إنسانية ثرية من المهم أن يفيد بها المجتمع.
الهجرة الداخلية:
أوضحت الدراسة أن المهاجرين يشكلون 91% من اسر الأحياء العشوائية، والهجرة إلى الرياض شبابية حيث بلغ متوسط عمر المهاجر عند قدومه إلى الرياض (28.6) وبوسيط يبلغ (26) سنة.
وأن الذين يهاجرون إلى الرياض من مدن محددة هم النسبة الكبرى، أما لماذا هذه المدن بالتحديد فلأن بها عوامل طرد عدة حيث تذكر الباحثة ضمن العوامل الاقتصادية الطاردة (قسوة المعيشة في منطقة هذه المدن) لعدة أسباب منها:
ارتفاع درجة الحرارة مع عدم توافر وسائل الراحة وصعوبة المواصلات وانتشار البعوض وعدم تطور البيئة في تلك المناطق يزداد هذا الشعور بالقسوة عندما تتاح لهم فرصة زيارة المدينة الكبرى).
العوامل الاقتصادية التي تطرد المواطنين من مدنهم هي ذاتها تجذب المواطنين إلى الرياض ولذلك فهم راضون عن الإقامة في الرياض لأسباب عدة على رأسها توفر مجالات الرزق ثم لسهولة الحياة ثم لأن الموسرين يعطفون عليهم ثم لان الخدمات العامة افضل.
ان أسباب هجرة المواطنين من هذه مناطق إلى الرياض تجعلنا نتساءل عن الاستراتيجية الموضوعة للفقر هل هي تشمل مناطق المملكة أم الرياض فقط؟
فإذا لم نحل مشكلة الفقراء في هذه المناطق فهل نستطيع إيقاف الهجرة التي تتسبب في مشاكل اجتماعية عدة إلى الرياض؟
يبدو أن الفقر في مدينة الرياض سوف يفتح مجالاً للبحث في مكافحة الفقر في هذه المناطق.
كيف عرفنا الفقر؟:
ألم يكن الفقر موجودا في الرياض؟
ألم تكن الأحياء الشعبية موجودة في الرياض؟
كيف لم نسمع بالفقر ولم نره إلا إثر زيارة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز أحد الأحياء الفقيرة في مدينة الرياض؟
من المسؤول عن نقص المعلومات؟
بعضهم يتهم وسائل الإعلام بتهميشها لمشاكل الفقراء والأحياء الشعبية، والذي أراه إن غياب حلقة الاتصال بين الباحثين والإعلام لها دور كبير في تغييب معاناة الفقراء، الصحافي عادة يبحث عن الحدث لكن الباحث لديه المعلومة الصحيحة وتعاونهما يضخ معلومات حقيقية للإعلام بمختلف وسائله.
لقد قدمت الدراسة أسباباً للفقر أوردها مختصرة كالتالي:
أ-أسباب عامة:
@ انخفاض أسعار البترول النفط وانعكاس انخفاض الدخل القومي على التنمية الشاملة.
@ الاستمرار في استقدام العمالة الأجنبية
@ ارتفاع تكلفة المعيشة في مدينة الرياض.
@ سن تقاعد العسكريين ذوي المراتب المنخفضة، وهم غالبا من الأميين ويتقاعدون في بداية الأربعينات ومنهم من يلتحق بالعمل بعد سن الثلاثين ويصل راتبه إلى& 5000ريال فاذا تقاعد انخفض إلى اقل من النصف (1500) ريال في الوقت الذي امتدت عائلته وتزوج هو بأكثر من امرأة ولا تنطبق عليه شروط الحصول على مساعدات حكومية لأنه يتسلم معاش تقاعد.
@ دخول اصحاب الدخل المنخفض دائرة الاستهلاك اكثر من الإنتاج
@ سبب النزوح إلى المدينة تحول صغار المنتجين في القطاع الزراعي والرعوي إلى مستهلكين يبحثون عن الرزق من خلال المساعدات.
ب - أسباب ذاتية:
الأمية، البطالة، ارتفاع نسبة الإعالة في الأسرة السعودية، انخفاض الدخل لدى رب الأسرة العامل أو انعدامه لغير العامل، الحوادث الشخصية كوفاة الزوج أو هجرته لأسرته أو دخوله السجن أو فصله من العمل، عدم الوعي الاجتماعي للأسر الفقيرة يؤدي إلى إغراق الفرد في الديون أو في سلوكيات انحرافية.
برأيي أن أسباب الفقر تدعونا إلى مراجعة كثير من المشكلات الاجتماعية أو الظواهر التي بقيت بلا حلول مدة طويلة.
الفقر في الأحياء الشعبية:
حادثتُ الباحثة لأتعرف على الجزئية المهمة التي تسكن روح الباحث حتى وأن لم يرصدها في بحثه.
الحق إن ذهاب الباحثة إلى الأحياء الشعبية منذ الثالثة عصراً وحتى التاسعة مساء لإجراء المقابلات مع الأسر وسيرها في أحياء قديمة بها بيوت مهدمة ومنقطع عنها التيار الكهربائي يعد من اهم صعوبات البحث.
وحيث لم تكن تدخل المنازل ألا بوجود ربة المنزل أو بناتها فان ذلك يلفت النظر إلى أهمية المرأة ودورها في مجال العمل في الشؤون الاجتماعية،
فلو أن الباحث رجلاً لما استطاع مقابلة الأسر ولما سمح له بدخول المنزل.
الأحياء الشعبية لدينا قصة ولادة مشوهة لوجه المدينة والناس فيها بحاجة إلى الحياة المستقرة الآمنة كما أن الشباب فيها ليس لديهم قيمة للعمل فهم يعملون لفترات متقطعة ، ولا يشعرون بدعم المجتمع لهم
لقد تحدثت الباحثة عن أهمية السعودة حيث أثنت على تجربة سوق الذهب وسوق الخضار مع ما اعتراهما في بداياتهما من تعثر وعن اهمية التفاؤل وهو ما يدعم قرار السعودة من قبل المجتمع.
الباحثة في إيمانها بالسعودة لم تتحدث من فراغ بل قامت بزيارات ميدانية إلى سوق الخضار وسوق الذهب ووقفت على اهتمام الشباب بعملهم،
يمكن إن أتفق مع الباحثة في أن السعودة ليست قضية مهن تفرغ للسعوديين بل قضية مجتمع عليه أن يثق بقدرات أبنائه.
فمشكلتنا أن بعضنا لم يستطع تغيير قناعاته واتجاهاته السلبية تجاه الشباب السعودي ولذلك تعثرت جهود المجتمع في إنجاح السعودة.
الفقر والانحراف
من نتائج دراسة الدكتور "رشود الخريف" عن (الجريمة في المدن السعودية) عن خصائص مرتكبي الجرائم في المدن السعودية، وجد (أن العاطلين عن العمل والعمال اكثر ميلا لارتكاب الجريمة اكثر من غيرهم فالعاطلون عن العمل يشكلون اكثر من ربع الجناة فى المدن السعودية وتصل نسبتهم إلى اكثر من ذلك في الدمام الكبرى كما أن العمال يشكلون نسبة كبيرة نسبيا مقارنة بالفئات الأخرى وعندما نعرف أن العاطلين عن العمل لا يمثلون نسبة كبيرة في المدن السعودية، فان ذلك يعزز ارتباط الجريمة بمستويات البطالة).
إن الأحياء الشعبية بما تنطوي عليه من فقر وتدن لمستوى الخدمات تعد بيئة مناسبة للانحراف فالناس في الأحياء الشعبية يفتقرون إلى التعليم حيث ترتفع نسبة الأمية كما أن نسبة الوعي لديهم بسيطة.
في خصائص عينة هذه الدراسة ذكرت الباحثة أن (الأمية تنتشر بين اكثر من أنصاف أرباب الأسر (55.8%) وترتفع النسبة إلى (66.2%) بين الزوجات ويعاني السكان من عيوب في منازلهم مثل تسرب المياه من الأسقف والحشرات والقوارض وانقطاع الماء ومشاكل في السباكة وصغر الحجم إلا أن شبكات الخدمات العامة جميعها متوافرة في هذه الأحياء بالإضافة إلى الصرف الصحي والخدمات التعليمية والصحية والدينية والأمنية ويتوافر لدى الأسر جميع الأجهزة المنزلية الضرورية.
وأيضا يتوفر ل (60%) منهم أجهزة استقبال قنوات فضائية و(81.2) أجهزة فيديو.
وبرأيي أن ارتفاع نسبة الأمية والفقر مؤشر لبروز العديد من المشكلات الاجتماعية.
ولهذا فمن المهم أن يعنى في اهتمام الوزارة بمكافحة الفقر الالتفات إلى تقديم حلول للمشكلات الاجتماعية والجرائم التي يكون الفقر الحضري أحد العوامل المسببة لها.
استراتيجية الفقر:
نشرت جريدة (الشرق الأوسط) في عددها الصادر في& 27إبريل 2004م أن (ابرز مهام اللجنة المعنية بمعالجة الفقر هو رصد الظاهرة في جمع المعلومات المتوافرة وتصنيفها وتبويبها وتحليلها، إضافة إلى تحديد مفهوم الفقر وجوانبه وقياس مستوياته والعمل على إيجاد قاعدة بيانات للمساعدة في رصد الظاهرة وعلاجها ......
وتنهج اللجنة عددا من الأساليب في عملها لمكافحة ظاهرة الفقر منها التواصل مع الجهات ذات العلاقة مثل المؤسسات الخيرية والجامعات وزيارة المناطق والالتقاء بالمسؤولين فيها واخذ آرائهم، بالإضافة إلى عقد المؤتمرات والندوات العلمية التي يحضرها المهتمون لتداول الآراء وتنفيذ العديد من الأبحاث العلمية حول الظاهرة.)
الملفت للنظر أن الاستراتيجية لم تركز على الالتقاء بالفقراء أنفسهم ولا أظن ذلك غائب عن مسؤوليتها، خاصة وأن الأحياء الشعبية تفتقر إلى المعونات التي تقدم من الجمعيات الخيرية حيث تمتنع بعض الجمعيات عن الذهاب إلى بعض الأحياء الشعبية التي يعرف عنها انتشار بعض الجرائم كالمخدرات وغيرها.
نحن بانتظار أن يبدأ الصندوق الخيري لمعالجة الفقر أعماله الفعلية في بداية شهر رمضان المقبل كما ذكرت ذلك جريدة (الوطن) في عددها الصادر يوم الجمعة& 26سبتمبر 2003م.
حيث أوضح وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور علي النملة أن شهر رمضان من العام 1425ه هو الانطلاقة وقال (غير أن هذا الأمر سيعتمد على نجاح الحملة الإعلامية التي تسبق عمل الصندوق ومدى وصولها إلى المجتمع بكافة شرائحه سواء كانوا متبرعين أو مستهدفين ومدى قدرة هذه الحملة على إيصال الرسالة السامية لأهداف الصندوق وغاياته النبيلة.)
الحقيقة إنه لم تتبق اشهر كثيرة ويأتى رمضان ولا اظن أن هناك اثراً ملموساً لبوادر انبثاق حملة إعلانية عن رسالة الصندوق السامية والمعروف انه قد تم تخصيص& 100مليون ريال لإعداد استراتيجية شاملة للصندوق لمكافحة الفقر!!
للحد من الفقر:
عندما يتزايد أعداد القادمين إلى مدينة الرياض مهاجرين من مدنهم أو قراهم للحصول على عمل أو مساعدات فان هذا يتطلب أن تستوعب مدينة الرياض هذا التدفق السكاني إلا أن واقع الرياض يشهد اقتصاداً عجز عن استيعاب المهاجرين فازدادت نسبة البطالة ولسوف ترتفع جراء ذلك نسبة الإعالة ولذلك تظهر المشكلات الاجتماعية في الأحياء الشعبية.
هنا على وزارة الشؤون البلدية والقروية كما أوصت الباحثة (أن تسعى للحد من الهجرة الداخلية عن طريق استحداث برامج بالتعاون مع الوزارات الأخرى كتنشيط العمل الزراعي والرعوي وصيد الأسماك كما أن على صندوق الفقر أن يبدأ مشروعاته الصغيرة في مناطق مصدرة للفقر أولا).
أما عن الفقر فقد أوصت الباحثة بتوصيات عدة منها ما يتعلق بالجهات المسؤولة
مثل إيجاد مجموعات عمل لتطوير مقاييس ومؤشرات خاصة الفقر في المجتمع المحلي، وأن تساند نظرة علم الاجتماع إلى آثار الفقر النظرة النفسية لما للفقر من تأثيرات على نفسية هؤلاء.
كذلك تنظيم لقاء سنوي بين الجهات المانحة والمنفذة للاطلاع على ما تم تنفيذه وكذلك الاهتمام بالإشراف على البرامج من قبل الجهات المانحة، وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي والأمن الاقتصادي للأسر الفقيرة من خلال توسع خدمات الجمعيات الخيرية لتشمل فئات سكانية أخرى.
واهتمت الباحثة في توصياتها بتنمية الوعي الديني والثقافي والصحي والامني ورفع درجة التعليم بكافة مستوياته.
أما بالنسبة للنساء فقد أوصت بتوعية ربات المنازل بالشؤون المنزلية وتربية الأبناء كما أوصت بمساعدة الأسر التي تعولها امرأة لتغطية احتياجاتها مؤقتا بدلا من انتظار إنهاء إجراءات البحوث الاجتماعية الخاصة بالجمعيات الخيرية.
واهتمت بالسعودة حيث أوصت بالاستمرار فيها وتطوير المعاهد الفنية والمهنية والعمل على رفع أجور العاملين ووضع حد ادنى للأجور.
وأوصت كذلك بالاهتمام برفع مستوى الخدمات المقدمة من قبل الدولة للأحياء الشعبية واقترحت أن تقوم أمانة مدينة الرياض بدراسة تكشف عن عوائق إزالة البيوت الطينية والمنهارة.