قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لست ممن يدعي معرفة كل ما يدور حوله،لكني أزعم حبي لهذا النوع من المعرفة التي تعرف المرء بطباع الناس وحيل بعض البشر وألاعيبهم،وأعترف أنني كنت جاهلا وربما مغفلا لأنني لم أكتشف بعض الأمور إلا متأخرا...لكن هذا خير من عدم الاكتشاف.

خطة انتخابية

في إحدى البلدات الفلسطينية التي جرت فيها انتخابات محلية أي انتخابات المجلس البلدي، قررت إحدى العائلات المتنفذة على مستوى البلدة إحراز الفوز بطريقة أترك لكم وصفها؛اختارت العائلة حوالي خمس نساء كن أول من افتتح صندوق الاقتراع،وضعت النسوة في الصندوق أوراقا فارغة لا قيمة لها أعددنها سابقا وقامت النسوة بإخفاء نماذج الاقتراع الحقيقية في ملابسهن وخرجن وسلمنها للقائمين على الخطة من أبناء العائلة،هؤلاء بدورهم قاموا بتعبئة هذه النماذج الخمسة وفق اختيار مرشحي العائلة،ثم توجهوا إلى أصحاب حق الاقتراع بعرض مالي يقضي باختيار مرشحي العائلة مقابل 300 شيكل(حوالي 66 دولار أمريكي) لكل مقترع،ولكن بشرط أن يأخذ المقترع معه النموذج المعبأ ويضعه في صندوق الاقتراع ويعيد لهم الفارغ الذي يخفيه في ملابسه،فيدفع له المعلوم ويتم تعبئة النموذج الفارغ ويعطى لغيرهم وهكذا؛النتيجة كانت شراء ما تيسر من المقترعين وضمان أصواتهم ونجاح تلك العائلة في الانتخابات البلدية،ولا دليل كما يبدو على أي تزوير فالعملية "نظيفة" تماما!

إبليس المذعور

يروى أن الحسن البصري،رحمه الله،رأى الشيطان في ما يراه النائم فسأله البصري عن حاله مع الناس فأجاب الشيطان أنه كان يعلم الناس سبل الضلال فبات يتعلم منهم!

هذا ما خطر ببالي عندما علمت بهذه الحكاية،ولقد تخيلت إبليس وقبيله قد فروا من مكان الاقتراع ومن المكان الذي أحكمت فيه الخطة وقد شعر أنه لا مكان له وقد أصبح "موضة قديمة" في هذا الزمان الذي بات فيه المستهجن معقولا والغريب مألوفا.

لست بصدد إنكار دور إبليس وقبيله وذريته في إغواء البشر ومحاولة حرفهم عن جادة الحق والصواب،لكن الاستعاذة بالله من "هذا الصنف" من الشياطين إذا نزغنا منها نزغ كفيل بإبعادها وتقييدها والتخلص من أثرها،ولكن ماذا عن الشياطين التي تسكن الإنسان أو تشكل-كما يبدو- أحد المكونات الجينية له؟!

كيف السبيل للتصرف حيال "شيطان البشر" الذي يحيل المنكر معروفا والمعروف منكرا والخيانة أمانة والأمانة خيانة؟!

الدافع وراء الأسلوب المبتكر في القصة الحقيقية السابقة كان التعصب القبلي،هذا التعصب الذي بذل سيد الخلق،صلى الله عليه وسلم،جهودا مضنية وسنينا صعبة كي يقضي عليه ويحد من أثره...بالله علينا متى تتفتق عقولنا عن أساليب نحرر بها أرضنا ونصون بها عرضنا تتميز بهذه "العبقرية" التي لا تتفتق إلا لنحافظ على ميزة وصفها النبي، صلى الله عليه وسلم، بالنتنة أو المنتنة؟!

المجتمعات الأخرى تجاوزت مرحلة القبيلة ومرحلة الإقليم،أما نحن فنسعى إلى ترسيخ العصبية القبلية والإقليمية،وأستطيع الجزم أن كل فرد منا مصاب بعصبية حزبية أو مناطقية أو عشائرية مع اختلاف النسبة من شخص لآخر.

ربما يبرر البعض المشكلة بالقول بأن ظروفنا كشعب فلسطيني معقدة وأن هذه أو تجربة لانتخابات بلدية منذ عام 1976م ولم تمر فترة كافية للحكم على الأمور؛وأنا أقول : إن ظروفنا هي التي تحتم علينا الرقي فوق كل أشكال العصبيات ولو جاز لكل شعوب الأرض أن تحشر نفسها في زوايا العصبيات والتحايل على العملية الديموقراطية لما جاز لشعبنا هذا،والأهم أننا نزيد من ترسيخ وتثبيت أركان العصبيات القبلية يوما بعد يوم ولو كنت أرى أنها تنحسر لما كتبت حرفا عن الموضوع.

لا يستطيع أي فرد منا الحصول على تعليم أو وظيفة أو تسيير شأن من شئون حياته العادية إلا بارتباطه بأحد أيقونات التعصب الحزبي الفصائلي أو القبلي العشائري أو غيرها من مظاهر تجعلنا أقرب من التخلف منه إلى التقدم الذي نزعم حرصنا عليه.

ثقافة الديموقراطية

للأسف نحن جميعا لا نتمتع بثقافة الديموقراطية ولو زعمنا عكس ذلك،نحن حريصون على المظاهر الديموقراطية دون الجوهر،الانتخابات هي أداة للديموقراطية وليست هي الديموقراطية مثلما يخطر في بال البعض،ومن يستخدم أداة لم يقرأ ويعي "الكتالوج" الخاص بها ويلتزم بما جاء فيه فإن هذه الأداة ستصبح وبالا عليه وعلى من حوله.

في البيت يغرس في الفرد الحرص على الاستئثار وعدم إخضاع الأمور للقياس العقلي والمنطقي السليم،وفي المدرسة تجري عملية التلقين القاتلة لروح التفكير والمبادرة،وفي داخل الأحزاب والفصائل يربى الفرد على أن الحزب أو الفصيل الذي ينتمي إليه وحده الصواب المطلق وغيره هم خطأ مطلق وشر مستطير وأن هذا الحزب أو الفصيل هو وحده من يعرف مصلحة الشعب وضرورات المراحل وعلى الناس أن ينتخبوه وإلا فإنهم أغبياء،ولتجنب تبعات هذا "الغباء" لا بد من اللجوء إلى شتى الوسائل لتحقيق الفوز في أي انتخابات تجري!

كثيرا ما أسمع عن عمليات شراء الأصوات من قبل فصائل أو من قبل عائلات وعشائر،والملاحظ هو أن الرقم ثابت تقريبا؛300 شيكل،ما هي الثقافة التي تشربها من يقبل بهكذا صفقة؟وهل الظروف الاقتصادية التي نعاني منها وهي الفقر والبطالة والغلاء الفاحش تبرر لأي منا انتخاب شخص لأجل مبلغ حقير كهذا أو أضعاف أضعافه؟!

قليل جدا جدا أن تجد من يقبل الارتباط بالمخابرات الإسرائيلية مقابل المال،وقليل أن تجد امرأة تبيع عرضها لأجل المال على قاعدة "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" ولكن وللأسف هناك نسبة لا يستهان بها تبيع صوتها لمرشح أو قائمة من أجل 300 شيكل أو كيس طحين أو بطاقة هاتف محمول!

عندما نصل إلى حالة يكون فيها عدد الذين يبيعون صوتهم لمرشح من أجل المال هو نفس عدد الذين يرفضون العمالة مع العدو و نفس عدد اللواتي لا يبعن شرفهن،عند ذلك فقط يجوز لنا الفرح والتفاؤل والحلم بالمستقبل الزاهر..وإلا فلا!

،،،،،،،،

سري سمور

عضو تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين

جنين-فلسطين

تشرين أول(أكتوبر) 2005م

رمضان 1426هــ