ليس من المعقول أن اكتشف أن العيد له مسمى آخر غير ما تعودت عليه، ولكنه مثبت في كل مكان، وكانت الخدعة أن لا اعلم عنه سوى أنه العيد، وثوب جديد، وشماغ، وحذاء، وطاقية زري، ويوم عيد أول، تحملنا سيارة شاص وتدور بنا على كل عجوز وكهل في المنطقة، ويوم ثاني، يزورنا كل من زرناهم بالأمس، ويوم عيد ثالث، يتحدث والدي عن كل أولئك الذين زرناهم أو زارونا.
حين هم بالدخول إلى مكتبي لم يكن يفكر سوى بالبشاشة والتهنئة القلبية، فكانت الفرحة تدب في أقدامه قبل أن يطرق الباب، سمعت الخطوات تشير إلى زائر يقترب، وهممت أمارس طقوس المعايدة، صحن من المكسرات والحلوى الملونة، ادعو الله أن لا يتذوق واحدة فتكون سببا في تحطيم أحد أضراسه.
تسقط إحدى الحبات، واتذكر أنها نفسها التي سقطت من صحن آخر في العيد الماضي، لعلها ترفض كل هذه المظاهر، وتتمنى لو التهمها طفل يعبر الطريق في يوم لا عيد فيه.
حديث اليوم الثالث كان توقعات عن من سيلحق بالعيد القادم، أبو علي، غضب كثيرا عندما قالوا له كل عام وأنت بخير، حرك العضلة الوحيدة التي تعمل في جسده الهرم، بالكاد رفعت حاجبا، وقال : ما دعوتو لي بخير. يرمي برأسه على الفراش الذي تزين بالدانتيل وأنظف الأغطية البيضاء، فراشه يحتفل في العيد بمراسم احتضاره، يغمض عينيه ويستسلم لعمليات النهب والسطو التي يباشرها أحفاده، ابنه الأكبر يبتسم لجسده المنتفض بأيادي الصغار، وضع الحلوى في جيب جدهم حتى يكونوا حوله. والجد غارق في احتساب السنوات الماضية وكم عيد قضاه على هذه الدنيا.
فتحت الباب ومازال أحد الأزرة العلوية يفضح حقيقة الأوضاع تحت هذا الثوب النظيف، وكيف أن العيد في الخارج لا يغير مافي الداخل. يداهمني بوجهه، ويصبح المنظر أبطأ أكثر وأكثر وتتضخم كل الملامح في وجهه، وأدقق في تلك القبلات الحارة قادمة نحو خداي بشفاه مزمومة، وتذكرت في هذه اللحظة أنني شاهدت فيلما أمريكيا يخبر البطل فيه أحدهم أن الآخر مثلي الجنس لأنه قبله على خده، لا جعلهم الله يزورونا في أي عيد، لخرجوا بفكرة أن هزائمنا لم تكن سوى لأننا أشباه رجال. ومن يدري لعل استخباراتهم لاحظت ذلك فنصحت بغزونا.
والدي ومن معه، يتحدثون عن جمال تلك الأيام التي عاشوها، كيف كان الفقر يمتطيهم، أطفال يمتطون الفرح ويتسابقون على التمر المتساقط من النخل مع كل ريح. لا حلوى ولا مكسرات، فقط الزبيب يتناثر من بيوت الأكثر حظا، والغني سيحلب من ناقته للجميع حتى يجف ضرعها ويجوع هو وأبناءه حتى نهاية الشهر، سمن ولبن، وعصيد، ومن حولها الأطفال لا شيء يشغلهم كمستقبل الجامعات والوظائف، وثياب الكبير المسافر، للتجنيد، أو على ( تريله) شاحنة يكد بها على طريق الحجاز، ستصبح للصغير المقيم، ولا شيء سوى الغبار يداعب الأقدام. عيدهم منذ أن سكنوا منازلهم المسلحة، أصبح غير كافيا.
كيف يمكن للفقر أن يصبح ذكرى جميلة في ذهن هؤلاء الرجال، عندما نفقد طعم المعاناة والشقاء بحثا عن لقمة العيش، نركز على مشاعرنا وعواطفنا، من سيجرحها بالنسيان، فلا يرسل رسالة على المحمول تبدأ بـ ( قبل الزحمة )، وتظل الآذان تترقب رنين الهاتف، لنزيل من قائمة المتهمين بالتقصير صوتا لولا أنه أدرك في الوقت الضائع، أنه كالعادة سيكون الهاتف هنا منزوع الصفر بعنف.
بئسا لنا كم نكلف سكان المدن مشقة السؤال.
هل تتذكرون هواتف تعمل بالمفاتيح ؟، كان أحد تلك المفاتيح معلقا على عنق أبو علي المحتضر، فهو مرعب وهو حي، فكيف به وقد كسته ملامح الموت. ومن ذاك الذي يتجرأ على الاقتراب من عنقه المتهالك.
أجدادنا ليسوا سوى رموز للقوة حتى في أضعف حالاتهم، نحترمهم ونطيع رأيهم، ليقال عنا البارين. وكما يريدون سيكون العيد، ولذلك غدا هذا العيد خاليا من العزائم والموائد، فقد اتفقوا أن يحييوا مظاهر الجوع ليأنسوا ببعض من ماضي الفقر الجميل. وتأبينا لأقرب الراحلين.
وضعت الصحن أجول فيه بعيني بحثا عن تلك القطعة المتمردة، فهي الأزهى لونا والأكثر جذبا للانتباه، انهال بزخات من التهاني : كل عام وأنت بخير، ومن العايدين، وكيف حالك؟، عساك بخير ؟، بشرني كيف العيد معاك.؟.
وجدتها، هاهي، ارفعها وأهم بوضعها في الصحن، ولكنني أتذكر أنني مازلت كما كنت البارحة، وهو الحاضر والشاهد على ذلك، يعلم جيدا كيف حالي، وما إذا كنت بخير أم لا، يدرك تماما كيف العيد هنا، وهو الذي كاد يبكيني بالأمس شوقا وحنينا للوطن، لقد نسي كل شيء هذا الصباح، وأتى هنا يمارس الفرحة بعد أن أغرقني بكل تلك الذكريات. ابتسمت ووضعت القطعة المنشودة في فمي، وسألته عن أي عيد تتحدث، فاجأه السؤال.؟
سيجازف ببعض النكات المرحة ليضفي على الجو نوعا من السخرية، ولكن الجدية طغت على ملامحي وبنفس السؤال، ماهو تاريخ اليوم.؟
يستغرب وينسى كل الأدلة أمامه وبين يديه، ثوبي الجديد، وصحن الحلوى والمكسرات. لعله يحسب الثوب من مؤونة الشتاء التي حضرنا بها، وأن الحلوى والمكسرات بعض مما أبرتني به الوالدة قبل رحيلي،شيء من بين يديها حتى لو كان العالم مليء به، سيظل مختلفا حين أحمله بكيس صغير بين طيات ملابسي. شيء يحمل رائحة يديها وبعض من مرارة الفراق في صدرها.
يقفز إلى تقويم أم القرى، يقلب الصفحات التي لم أمزق منها شيئا، فما ذنب الورق أن الأيام تسير دون أن تستأذنه الرحيل،
يصل إلى ورقته المستهدفة : 1/شوال/1426.
يقطعها ويرمي بها إلي.
أحملها وأقرأ فيها وأتسائل : لا شيء عن العيد هنا، أين هي كلمة ( عيد الفطر ) ؟.
ينظر إلى بتعجب، اختصر عليه عناء التفكير والدهشة،
وأقرأ له: 03/نوفمبر/2005.
لا أعلم ولكن العيد في العام الماضي كان بتاريخ: 14/ نوفمبر/2004.
أمسح وجهي من بعض منتوجات غدده اللعابية، وأضحك شامتا فيه، وقطعة الحلوى المتمردة تتمزق بين أسناني فرحا بما يحدث.
يا عزيزي وصديقي : العيد ليس تاريخا.
إبراهيم سنان




التعليقات