نكْسة الطبع والتطبيع: "الكَنْس" تحت البساط (!)

استشهدَ الماءُ ولمْ يزلْ يُقاتِلُ الندى
استشهدَ الصوتُ ولمْ يزلْ يُقاتِلُ الصدى
وأنت بين الماءِ والندى
وأنت بين الصوتِ والصدى
فراشهٌ تطيرُ حتّى آخرِ المدى
(معين بسيسو)
*** *** ***
عندما أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب برعاية مؤتمر مدريد (30 أكتوبر 1991)، قال ليطمئنه هامساً بصوتٍ عالٍ: "سنُطيل أمد المفاوضات لأطول وقت ممكن، وليس ضروريّاً أن نصل إلى نتيجة". وقبل أيّام، اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي الراهن أرييل شارون مؤتمر اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة - أو ما يُسمّى اعتباطاً بمؤتمر اللجنة الأمريكيّة الإسرائيليّة للعلاقات العامّة (إيباك) – ليقول بصوتٍ عالٍ جدّاً جدّاً: "من دون المس بالعالم العربي، يجب القطع بأنّ اتفاقاتهم وتصريحاتهم وخطاباتهم، لا تساوي الورقة التي تُكتَب عليها"، والمعنى في جوفه وجوفكم.
نحن في يونيو (حزيران)، إذن... تذكّرت مقولة شامير، ومن ثمَّ شارون، لأنّ رئيس الأركان الإسرائيلي المنتهية ولايته (أو المُبعَد، لا فرق!)، موشيه "بوجي" يعالون، ابتدر شهر يونيو كما يجب أن يكون. في ذلك اليوم (1/6)، كانت احتفاليّة التسليم والتسلُّم بالنسبة لقائد الأركان البديل دان حالوتس، الذي استدعى تنظيم مظاهرة ضدّه خارج مقرّ الاحتفال من اليسار الإسرائيلي، لأنّه من قتلة القائد العسكري لـ"حماس" صلاح شحادة، مع 16 فلسطينيّاً بينهم تسعة أطفال (22 يوليو 2002). في ذلك اليوم الذي ابتدر يونيو تحديداً، نشرت "هآرتس" الإسرائيليّة بشكل جزئي، تصريحاً خطيراً من فمْ موشيه يعالون. الجنرال المُغادر قال: "إنّ إقامة دولة فلسطينيّة – بغضّ النظر عن حدودها – سيقود في مرحلةٍ ما إلى حرب، قد تشكِّل خطراً على إسرائيل"، وزاد: "معادلة دولتين لشعبين لن تجلب الاستقرار، وما يقصّه العالم الغربي بعيونه ليس ذا صلة، إنّهم ونحن نكنس ذلك تحت البساط".
قرأت بعد ذلك، حوار "هآرتس" الكامل مع يعالون، وأدركت كيف يفكِّر هذا الجنرال، الذي تقول الأخبار إنّه في طريقه للعمل في أحد المراكز البحثيّة الأمريكيّة الكبرى. يعالون تنبّأ بكلّ وضوح باندلاع ما أسماها "حرب الإرهاب الثانية"، بعد تنفيذ "فكّ الارتباط" والانسحاب من غزّة، وافترض صورتها بهذه الجمل الواضحة، عندما سألوه عن مبلغ ذلك الخطر: "إطلاق نار، شحنات ناسفة، منتحرون، قذائف أرضيّة، صواريخ قسّام، وعمليّات تفجيريّة من جميع الأنواع". من منظور خبير عسكري مثله، فإنّ صواريخ "القسّام" التي تضرب سديروت جنوباً، يمكنها أن تضرب مدن أخرى متاخمة للضفّة، وذكر كفار سابا، ولم يستثنِ تل أبيب والقدس الشرقيّة. هذا الجنرال مُتخَم بعقليّة "البحث عن الحرب"، فهو من قال لمحاوره الصحافي آريه شفيت: " لا يحتاج الجيش إلى حروب على شاكلة حرب الأيّام الستّة، وحرب يوم الغفران. لهذا فإن السيف في الغِمْد. في مجال الإرهاب والالتفاف على الجيش وإصابة المدنيين، يجب أن يكون سيفنا مسلولاً كلّ يوم". لم يكتفِ بذلك، وإنّما ردّ على سؤال عمّا إذا كان العزل من منصبه قد آلمه، بالقول: "القانون والأوامر العسكريّة والأخلاق، ليست منتجاً موضوعاً على رف، إذا أرادوا استعملوه وإذا لم يريدوا تركوه. يوجد فوق الطاولة، ويوجد تحت الطاولة. الضابط الذي يشدِّد على الاستقامة والنزاهة ساذج، والضابط المتلاعب المتدسِّس يعتبر لوْذعيّاً". لا يجب أن ننسي أنّ يعالون، هو من قال لدى اندلاع انتفاضة "الأقصى" (28 سبتمبر 2000)، بأنّها مثّلت المرحلة الثانية من "حرب الاستقلال"، وأنّها حرباً إرهابيّة منظّمة لهدف سياسي.
.................
رؤساء الأركان في إسرائيل يبحثون عن منصبهم "على موجة عطْف"... هكذا كتبت "هآرتس" افتتاحيّتها في عدد 4 يونيو 2005، قبل يوم من الذكرى 38 من "نكْسة حزيران"، على خلفيّة مغادرة يعالون وتنصيب حالوتس. قالت الصحيفة الإسرائيليّة: "إذا كان هُناك شيء مشترك بين كلّ رؤساء الأركان، في سنوات الاحتلال، فهو موقفهم الدافئ والمتسامح مع المستوطنين خارقي القانون"... نعم، هذه افتتاحيّة صحيفة إسرائيليّة، يا سادة.
وعبر "هآرتس" نفسها، وفي 8 أكتوبر 2004، أوجز مستشار شارون الأوّل "دوف فايسجلاس"، وجهة نظر حكومته بشأن "فكّ الارتباط" والدولة الفلسطينيّة المزعومة، بهذه الكلمات: "إنّ خطّة فكّ الارتباط مع قطاع غزّة من جانب إسرائيل وحدها، تهدف إلى تجميد العمليّة السياسيّة، ومنع إقامة دولة فلسطينيّة"... وكفى (!).
يعالون رئيس أركان تسكنه "هواجس الحرب"، وهو مثل رصفائه يحمي المستوطنين ومستوطناتهم بقلبه وعقله. فايسجلاس ليس غبيّاً، فهو يدرك ما يرمي إليه تماماً. ومع ذلك كلّه، زادت أحجام الهرولة العربيّة باتجاه "التطبيع"، في الأيّام والأسابيع الأخيرة، كأسرع وأخطر ممّا سبق... من أخبار مُتداوَلة في الأيّام الماضية، راجعوا الأسطر القصيرة التالية:
** نشرت "معاريف" الإسرائيليّة في يوم ذكرى "النكْبة 57" (15 مايو الماضي)، خبراً قالت فيه أنّه للمرّة الأولى في التاريخ، تؤيِّد إسرائيل ترشيح دولة عربيّة لعضويّة مجلس الأمن، وهي تعني دولة قطر.
** في نفس اليوم/النكْبة، أُعلِن في إسرائيل عن ترتيب مُسبَق مع إمارة دبي، لفتح ممثليّة تجاريّة لها في تلك المدينة الاستثماريّة الصاخبة. نفت حكومة أبوظبي بعد ذلك.
** أنباء متطايرة لم تحدِّد زماناً أو مكاناً محدَّدين، قالت أنّ رئيس العراق الجديد جلال طالباني، التقى في عاصمة شرق أوسطيّة شخصيّة إسرائيليّة رفيعة في وزارة الدفاع، تسلّم خلال اللقاء رسالة من شارون وسلّم من قابله ردّاً مكتوباً، أكّد فيه أنّ الأشهر الثلاثة المقبلة ستشهد تمثيلاً دبلوماسيّاً بين بغداد وتل أبيب (الدخان يأتي بالنار).
** تطايرت أنباء أخرى من بغداد، تقول أنّ طالباني قال أنّه سيلتقي المسؤولين الإسرائيليين علانيّة في الأسابيع المقبلة، وجاء التأكيد خلال لقاء مع مستشارين ومقرّبين منه.
** ومن أنباء "الدخان" أيضاً، أنّ وفداً ليبيّاً غادر تلّ أبيب في نفس تلك الأيّام (تلك الأنباء المتطايرة كانت في النصف الثاني من مايو الماضي)، بعد الالتقاء بمسؤولي أمن إسرائيليين، وموظفين كبار في الخارجيّة.
** في 22 مايو الماضي، صافح وزير البنية التحتيّة الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر، وزير الخارجيّة العراقي هوشيار زيباري، على هامش منتدى "البحر الميِّت" بالأردن (دافوس). زيباري قال إنّها مجرّد مصافحة عابرة، وسابرو أغوار قالوا بأنّ لقاءً حقيقيّاً تمّ في أحد فنادق الشونة، وأنّ المصافحة لم تكن سوى تغطية، والله أعلم.
** وفي نفس ذلك اليوم، قال نجل العقيد الليبي "سيف الإسلام القذّافي" لـ "هآرتس" الإسرائيليّة: "لا مانع لدي بشأن الحديث مع الإسرائيليين، أو العمل معهم"، في أوّل اعتراف رسمي بإقامة علاقات مع إسرائيل. والبركة في منتدى "دافوس الميِّت" (!).
** وفي نفس ذلك اليوم أيضاً (يا سبحان الله!)، زار 250 يهوديّاً من أصل جزائري قبر حاخام يهودي في مدينة تلمسان الجزائريّة، في خطوة ترحيبيّة لا غبار عليها من حكومة بوتفليقة، بواسطة سفارتها في باريس، وفقاً لصحيفة "الخبر" الجزائريّة.
** في 29 مايو الماضي، اعترف نائب نمساوي سابق يُدعى بيتر زيخروفسكي، بالتجسُّس لصالح إسرائيل، حيث كان دوره استغلال رئيس حزبه السابق يورج هايدر، كجسر لإقامة علاقات مع القادة العرب، خصوصاً الليبي معمّر القذّافي، كما أنّه مهّد لزيارة هايدر للعراق سابقاً، ولقائه بالرئيس السابق صدّام حسين.
** في ذلك اليوم أيضاً (وما أجمل الصُدَف!)، كان الكاتب المسرحي المصري علي سالم، على موعد للاحتفال بمنحه الدكتوراة الفخريّة من جامعة "بن جوريون" الإسرائيليّة، بسبب مواقفه التطبيعيّة "الناصعة"... لكن السلطات المصريّة منعته من السفّر، فصرّح لإحدى الصحف العربيّة الدوليّة، بأنّه يشعر بالاكتئاب (!).
.................
يُقال أنّ الطبع يغلب التطبُّع. لكن، وبرغم وضوح ما قاله موشيه يعالون الذي يكنس تحت البساط، ودوف فايسجلاس الذي يمنع إقامة دولة فلسطينيّة، يبدو أنّ "التطبيع" سيغلب الطبع، ولا عزاء لـ"النكْسة". ومع ذلك، أشعر من دواخلي، أنّ ثمّة "نكْسة" ستطال هذا الطبع وذاك التطبيع.
في عزّ توقيت تلك الهرولة المُشار إليها أعلاه (النصف الثاني من مايو)، انشغل 250 عالماً وباحثاً وأكاديميّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً من عدّة دول، في إعداد مشروع خاص لـ"دولة إسرائيل"، عبر 15 بنداً مثيراً للجدل. خبراء تخطيط استراتيجي من إسرائيل والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا واليابان، دعوهم لإعداد ذلك المشروع، وفقاً لمجلّة "نتيف" الإسرائيليّة الشهريّة، ومراكز البحث العربيّة في "نكْسة". البنود أكبر وأخطر من تفصيلها، أو أنّها لا تحتاج إيضاحاً أصلاً، ويكفي البروفيسور الإسرائيلي المشرف على المشروع – يُدعى آدم مازور – قال إنّ تلك البنود حول صورتهم المطلوبة للسلام في السنوات المقبلة، تتطلّب منهم – وركِّزوا على "منهم" – استغلال كلّ الظروف الراهنة والضعف العربي المستشري، بالإضافة لاستغلال الوجود الأمريكي في المنطقة، لتحقيق أقصى ما تصبو إليه دولة إسرائيل (شكراً للزميل محمّد زيادة، الذي ترجم ذلك التقرير من "نتيف").
ومع ذلك ورغم شبح "مرارة النكْسة"، كرّرت جماعات يهوديّة متطرِّفة تهديدها باقتحام المسجد الأقصى، للمرّة الثالثة على التوالي في شهرين (الاثنين 6 يونيو)، حتّى يتوافق اقتحامهم الثالث مع ذكرى احتلالهم القدس الشرقيّة ورفع علمهم على قبّة الصخرة، إبان نكْسة حزيران 1967. شبح "النكْسة" لن يقتصر على تهديد "الأقصى" للمرّة الثالثة في أقلّ من شهرين، فهناك 24 منظّمة يهوديّة أمريكيّة يمينيّة خرجت في يوم ذكرى "تمرير النكْسة" (إنّه حقّاً "تمرير"، بكافّة المعاني والاشتقاقات والاعتبارات!)، الأحد 5 يونيو 2005 (اليوم)، في ساحة "سنترال بارك" بنيويورك، عبر ما أسمته "أضخم مظاهرة في العقد الأخير"، من أجل تأكيد موقف مضاد ضد خطة الانسحاب من قطاع غزّة. هذه المنظّمات البارزة والغنيّة في المجتمع الأمريكي – أبرزها "اتحاد حاخامات الولايات المتحدة"، و"صهيونيو أمريكا" و"حباد" – لم تتحد في نشاط موحّد كهذه المظاهرة، إلاّ مرّة واحدة في عام 1993 لمعارضة اتفاقات "أوسلو"، وكان أرييل شارون مشاركاً في تلك المظاهرة وكان نائباً حينها في "الكنيست" عن "الليكود"... بالأمس كان شارون معهم، والآن ضده (هؤلاء لا يضادون بعضهم، إلاّ ظاهريّاً، إن تأمّلتم قليلاًَ!).
ما قاله يعالون في حوار "هآرتس" واضح، وما حدّده فايسجلاس قبله أكثر وضوحاً، وتضامن يهود أمريكا مع المستوطنين في غزّة والضفّة يزداد وضوحاً، واقتحام "الأقصى" في وضوح الشمس أيضاً... أضف إلى كلّ ذلك، معلومة كشفها خبير آثار مقدسي يوم 2 يونيو الراهن، عن بناء سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة سياحيّة دينيّة تحت المسجد الأقصى على عمق 14 متراً، في إطار بناء البنية التحتيّة لـ"الهيكل" المزعوم. ومع ذلك، لا يزال البحث عن تسويات السلام والتطبيع مستمرّاً. ومع ذلك أيضاً، فاجأنا رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس عشيّة ذكرى "النكْسة" (4/6)، بتأجيل الانتخابات التشريعيّة لأجلٍ غير مُسمَّى، ليفتح كوّة نار بين الفصائل، ليس لها داعٍ في الوقت الراهن على الأقل.
رجاءً... أوقفوا "الكنْس تحت البساط"، وأوقفوا تكريسكم لـ"النكْسة" لآخر مدى (!).

* كاتب صحافي سوداني
[email protected]