هل أنا في ضيافةِ الوجود
أم الوجودُ هو الذي في ضيافتي
البيتُ الذي أراقبُهُ دائماً عند الأفق
لا يكونُ بحالةٍ متوحِّدةٍ أبداً
تظل تُتَبادلُ فيه النوافذُ المضيئةْ
والنوافذُ نصفُ المضيئةْ
والنوافذُ المغلقةْ
(أمجد ريّان)
*** *** ***
يُقال إنّ السيِّد الصحافي العربي، لا همّ لديه سوى فنجان القهوة، وإطلاق سُحُب الدخان. يُقال، ويُقال، ويُقال... ليت هذه الصورة نستطيع محوها، كما تصوِّرها الدراما المصريّة بفجاجة، كلّما يكون أحد شخوص أفلامها ومسلسلاتها من زُمْرة الصحافيين. افتراضيّاً، يجب أن تكون أجندة الصحافي اليوميّة هي "البحث". ومنطقيّاً، يجب أن يكون همّه "صيغة البحث". وشكلانيّاً، يجب أن تكون هيئته في خضم العمل مؤطَّرة بـ"حالة البحث". البحث عن المعلومة والحقيقة، هو ديدن هذه المهنة، ومن ثمّ البحث عن اتخاذ قرار الأولويات، بعد تراكم المعلومات والحقائق من بطن الأحداث، فهو – أي ذلك القرار الحاسم – لا يرحم.
يوم السبت الرابع من يونيو الراهن، بثّت وكالات الأنباء الخبر المنتظر، في عرف أي صحافي، لأنّه يحسم جدل شهر تقريباً. إنّه الخبر الصادر من وزارة الدفاع الأمريكيّة (البنتاجون)، بوصفها رسميّة ورسميّة جدّاً في الإدارة الأمريكيّة الراهنة، حين أقرّت فعليّاًًَ في ختام تحقيق أجرته، أنّ هناك خمسة أحداث وقعت في معتقل "جوانتانامو"، تمّ خلالها الإساءة للمصحف الشريف وتدنيسه، من ضمنها التبوُّل على نسخه منه وركله. الخبر أصلاً صدر مساء الجمعة (3/6) بالتوقيت الأمريكي، وفقاً لبيان من القيادة الجنوبيّة للقوّات الأمريكيّة، ومن ثمّ نقله المتحدِّث باسم "البنتاجون" لورنس دي ريتا، وهو يتحدّث عن الحالات الخمسة، من بين 31 ألف وثيقة غطّت 28 ألف حالة استجواب بعد توزيع 1600 مصحف على معتقلي "جوانتانامو" (نِعْمَ العدْل!). وكالات الأنباء لم تبثّ الخبر، لفارق التوقيت، إلاّ صبيحة السبت حتماً (4/6).
هذا الخبر الحسّاس، ثبّت على وجه الصحافي العربي "قناعاً من ثلْج"، إذا صحّ التعبير. لم يَضِف إليه "قناعة جديدة"، كما يجب أن يفعل، ولم يُضْفِ عليه سوى "قناعاً جديداً"، كما اتضح ويتضح... هذه هي الحقيقة المُخجِلة، بكلّ أسف (!).
.................
خبر "البنتاجون" الواضح الفاضح، وصل منطقتنا العربيّة منذ الفجر، إذ بثّته الوكالة الألمانيّة الخامسة والنصف صباحاً، ثم جاء الوكالات الأخرى لتبثّه بعد التاسعة صباحاً، أي قبل حضور معظم السادة الصحافيين إلى مكاتبهم، مع استثناء الزملاء "الإلكترونيين". لقد كانت فرصة كافية للتعامل مع الخبر بشكل مهني، بالنسبة للصحف اليوميّة أو الفضائيّات التي لا يتوقّف لهاثها. ولأن العقلاء من مفكِّرينا، كانوا يصرّون في أوّل تعليق لهم على تدنيس المصحف، على ضرورة ظهور نتائج التحقيق حول ذلك الأمر بأسرع ما يمكن، على ألاّ تُشوَّه أو تُكتَم، لأنّ ذلك ليس من مصلحة الحكومة الأمريكيّة.
خرجت نتيجة التحقيق، ولو بخمس وقائع فقط. خرجت في وقت مناسب، يكفي للبحث والتقصِّي لمن يراعون أصول مهنة الصحافة، وفقاً لذلك الافتراض والمنطق والشكلانيّة، كما سبق. خرجت لتضع الصحافة العربيّة (مقروءة ومرئيّة) في اختبار حقيقي لا مثيل له. كان المؤمَّل أن تخصِّص الفضائيّات الخبريّة ساعات بثّ خاصّة، حول ذلك الاعتراف الحكومي الأمريكي. تحاور مفكِّرين ومثقّفين من المنطقة العربيّة والإسلاميّة. تناقش رجال دين إسلاميين ومسيحيين ويهود، عن معاني ارتكاب حفنة من عساكر أعمال مهينة كهذه بصحائف ترتبط بأحد الكُتب السماويّة الأربعة. ترصد أصداء الشوارع فيما بعد الاعتراف. تفتح الباب لتحليلات وتأويلات الخبراء والمراقبين في الشأن السياسي. وليتها تضع هذا السؤال نصب اهتمامها، خصوصاً بالنسبة لرجال الأديان السماويّة: تُرى كيف كان سيكون ردّ الوسائط الإعلاميّة الغربيّة، إذا قام مسؤول أمن في بلد مسلم (مثلاً)، بتمزيق نسخة من الإنجيل أو التوراة تخصّ أحد الغربيين العاملين بذلك البلد (؟).
لم تفعل ذلك الصحافة المرئيّة في الفضائيّات، ولو في واحدة فقط منها. اكتفوا ببثّ الخبر، كأي خبر عادي آخر. ومن زاد عليه شيئاً، زاد تعليقاً عَرَضيّاًً، كإحدى واجبات "الإبهار" المعتادة لديكورات الاستديوهات الفارهة، التي تهتم بماكياج تلك المذيعة وربطة عنق ذلك المذيع، أكثر من الغوص في "ما ورائيّات الأخبار". نجحت فضائياتنا الرائعة - التي لم نعُد نستطع إحصاءها من فرط تكاثرها "المريب" – من خلال ذلك اليوم المشهود، في إثبات حصريّة إحداها لـ"كليب" نانسي عجرم الجديد، وتميُّز أخرى في الإعلان عن احتكار بطولة تائهة، وانشغال ثالثة بكلب الرئيس الأمريكي لأنّه لم يظهر في "الويك إند"، الذي تصادف مع ذلك اليوم... وما خُفي أعظم (!).
.................
ابتلعنا غيظنا على مضض. إذن، لننتظر الصحافة المقروءة في اليوم التالي، من الماء إلى الماء. بصقنا ذاك الغيظ المهول في المحيط غرباً، وأوصلناه شرقاً بمحاذاة الخليج، إذ لا "لافت" يُقرأ. ارتدى أهل الإعلام المقروء نفس "القناع الثلجي"، كما فعل زملاؤهم "المرئيّون".
تصّوروا فعلاً أنّ السؤال المطروح أعلاه، بخصوص تدنيس الإنجيل أو التوراة في بلد مسلم، قد صار أمراً واقعاً، وليس مجرّد سؤال لـ"جسّ النبض"، ترى بماذا يتحفنا إعلامهم: فضاءاًَ وأثيراً وورقاً (؟).
لا أعتقد أنّ هناك حدوداً لإنهاء منطوق إعلامهم حول ذلك العمل الآثم، الذي فعله المسلمون بنسخة من "الإنجيل" أو "التوراة" (لو فعلوا!). ولا أعتقد أن تصوُّر أبسطنا وأغبانا، يخرج عن تلك الكيفيّة الخرافيّة، لمضغنا "علكة" باستمرار في إعلامهم. طالما هذا تصوُّرنا، لماذا لا ننتظر من إعلامنا، التعامل مع تبوُّل أحدهم على نسخة من المصحف الشريف، وإلقائه في مرحاض، كما يجب أن يتماهى مع قدسية هذا الكتاب السماوي فقط، لا من باب فتح باب متسع لعدائيّات بين أديان، أو كرد ناكر لتأخير الاعتراف الحكومي بمثل ذلك الفعل السخيف.
هذا يا إخوتي ما أردت الوصول إليه. كان أمامنا خبر اعتراف واضح جاء بعد انتظار، لكننا لم نحترم قيمة ذلك الخبر، وقيمة ما ورائه، فسقطنا في أخطر اختباراتنا الصحافيّة المعاصرة، على ما أظنّ (!).
لا أظنّني خارجاً عن الدائرة الصحافيّة، فالمسؤولية تنتعلني وتدوسني بركابها. شيء وحيد اعترف به: أنا لا أملك وسيطاً إعلاميّاً، ولا أملك قراراً في أي جهة أعمل بها. لا أملك إلاّ أن أكتب مثل هذا المقال، ولو أرادوا حجبه لفعلوا، فأنا لست سلطاناً عليهم. من ينصف المغلوبين الموجوعين مثلي... رب العباد أرحم.
.................
يبدو أن النتيجة السالبة لصحافتنا المقروءة والمرئيّة، أغرت ألدّ أعدائنا بفعل ما لم يجرؤا على فعله من قبل. إنّهم الإسرائيليّون، انتظروا ردّة فعل الفضائيّات من خبر واشنطن، فلم يجدوا شيئاً. انتظروا الصحف في اليوم التالي (5/6)، المتوافق مع ذكرى "نكسة 1967"، فلم يجدوا شيئاً أيضاً. أضافوا يوماً من عندهم، ليقوم ضبّاط وجنود منهم في سجن "مجدو" الإسرائيلي في منطقة مرج ابن عامر، بتمزيق المصحف وإلقائه أرضاً ودهسه بالأقدام (7/6)، أمام أعين الأسرى الفلسطينيين.
مرّ الحدث على سادة صحافتنا وإعلامنا، كما مرّ الاعتراف الأمريكي بـ"كارثة جوانتانامو". والأدهى أنّه حتّى لغة الشجب والإدانة خفتت، وتجمّدت الشوارع الإسلاميّة، إذ لم تتضامن مع شوارع فلسطين التي انتفضت غاضبة، ثم ما لبث أنّ صمتت. أغرى ذلك البرود اللافت جنوداً آخرين من إسرائيل، فتعمّدوا تدنيس المصحف في سجن "نفحة" الصحراوي، بعد أربعة أيّام فقط من حادثة "مجدو" (11/6).
** سؤال ساذج: لو أفحمناهم بقوّة تغطياتنا وتساؤلاتنا، بشأن التعاطي مع "قدسيّات" كذاك التدنيس في "جوانتانامو" – مثلما أسلفت – هل كان طبيعيّاً أن نسمع بحدوث ما يماثله في موقعين داخل إسرائيل مثلاً، وهل وصلت شعوبنا لمثل ذلك البرود المخيف (؟).
.................
في بلادهم، ماذا فعل الأمريكيّون بعد الاعتراف الرسمي (؟).
تساؤل طبيعي إجابته فسّرها نائب أمريكي في مجلس الشيوخ، هو السيناتور الديمقراطي جوزيف بيدن حين دعا إلى إغلاق "جوانتانامو"، بعد يومين فقط من الاعتراف (6/6). وفي نفس ذلك اليوم، كشفت منظّمة العفو الدوليّة أنّ الحكومة الأمريكيّة تدير شبكة من السجون السرِّية في أنحاء متفرِّقة من العالم، وهي تؤكِّد تشبييها لمعتقل "جوانتانامو" في تقريرها الصادر بتاريخ 25 مايو الفائت بمعسكرات الـ"جولاج" السوفيتيّة السابقة. وفي اليوم التالي (7/6)، رفض "البنتاجون" دعوة بيدن لإغلاق المعتقل. وبعد يوم واحد أيضاً (8/6)، كرّر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الدعوة لإغلاقه. ثمّ جاء وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ليهوِّن من فكرة إغلاقه، بينما ترك الرئيس بوش الباب مفتوحاً أمام إمكانيّة ذلك الإغلاق (9/6). وبعد ثلاثة أيّام (12/6)، أفاد رئيس لجنة القوّات المسلّحة بمجلس النوّاب الأمريكي دنكان هنتر، أنّ البيت الأبيض منقسم بشأن إغلاق المعتقل، خصوصاً أنّ مجلّة "تايم" الأمريكيّة كشفت في ذلك اليوم عن فضيحة جديدة، أشارت إلى إجبار معتقل سعودي على النباح مثل الكلاب، واستثارته بإناث، ومنعه من النوم بموسيقى صاخبة لأيّام متتالية. كما أنّه في ذلك اليوم، دعا نائب من الحزب الجمهوري الحاكم في مجلس الشيوخ، ميل مارتينيز، إلى إغلاق المعتقل أيضاً، ليزداد الأمر تعقيداً، فالأمر لم يعُد يقتصر على نائب معارض أو رئيس سابق فقط. وبعد ثلاثة أيّام (15/6)، قال وزير العدل ألبرتو جونزاليس إنّ "جوانتانامو" سيُغلَق يوماً ما. لكن بعد يومين فقط (17/6)، حصلت شركة "هاليبيرتون" الأمريكيّة المشهورة بانتمائها لبعض صقور الإدارة الراهنة، على عقد بقيمة 30 مليون دولار لبناء سجن جديد سعته 220 سريراً في "جوانتانامو".
الآن، وقد تأكّد أنّهم بصدد تعزيز البناء في "معتقل خرافي" مثير للجدل، ماذا ستفعل صحافتنا العربيّة بالضبط... اختبار صعب حقّاً لـ"النوافذ المضيئة والمغلقة"(!).


* كاتب صحافي سوداني
[email protected]