كلُّهم ذاتَ يومٍ
تُغيِّم سماواتهم
ثمَّ لا يُمطِرون!
(محمّد الفيتوري)

*** *** ***
في المدخل تنتابني حُمَّى التساؤل: هل نحن سيئي الظن بأنفسنا (؟).
إنّه تساؤل عمومي حتماً، لكنِّه أخصِّصه – إذا سمحتم – لأهل السودان، بعدد دقائق قراءة هذا الطرح لا أكثر، فهذا يكفي تماماً. عندما قال الفيلسوف الألماني يوهان جوتة: "إنّ شرّ الأضرار التي يمكن أن تصيب الإنسان، هو ظنّه السيئ بنفسه"، كان موضوعيّاً تماماً وهو يستقرأ الدواخل البشريّة، ويستشرف من خلالها مساحات الإضاءات والتنوير، بحثاً عن دحر العتْمات والأزمات. أُحِسُّ أنّنا أهل الوطن "الآفروعربي"/القارة، نُسرِف في إساءة الظن بأنفسنا ومقدراتنا وطاقاتنا واستعداداتنا، في المسارب والمشارب كافّة. أشعر كثيراً أنّنا لا نكاد نصدِّق الأحداث الإيجابيّة إن أتتنا، فنملأ الدنيا تصفيقاً وهتافاً، لمّا تحدث كلّ حين وحين.
إذن، ينبثق هذا السؤال: هل نحن بحاجة لترتيب أحاسيسنا، وشؤون ارتباطنا بأنفسنا (؟).
.................
دعوا الإجابة جانباً، وتأمّلوا هذين المشهدين الحقيقيين:
** أوّلهما كان في السبت الفائت (18 يونيو)، خلال حفل توقيع اتفاق الحكومة السودانيّة والتجمُّع المعارض بالقاهرة، بحضور الرئيسين السوداني والمصري (حدث إيجابي بالطبع). أكثر من قناة فضائيّة نقلت الحفل مباشرة، ولم تكن به سوى خُطَب... هذا ليس بشطط، إنّه لساننا العربي الذي يعشق نطق حروف الامتداح "المُداهِن"، وآذاننا التي تهوى الإطراء. عندما بدأت تلك الخُطَب وسط حضور أغلبه "مُتَعمْعِم"، لم يكن هُناك سوى "إسراف التصفيق" و"إسفاف الهُتاف". ينطق الميرغني كلمتين فقط، فتنهال التصفيقات. يفتح طه فاه ولا يُكمل الحرف الأول، فتدوِّي التهليلات. يخلط قرنق إنجليزيّته "المُحرِجة لدولة بأكملها" بـ"عربي جوبا المُكسَّر"، فيختلط التصفيق بالتهليل وأشياء أُخرى. يأتي الرئيس البشير فينعت الميرغني بـ"مولاّنا" (ناسياً تاريخ وصف "جناح البعوضة"!)، فتهتز القاعة بتكبير من الحناجر، لا أظنّه من الضمائر. ومع الرئيس مبارك، نكتفي برصد نظرة اندهاشه لهذا السيناريو الذي لا يألفه، حينما تتقطّع كلمة قصيرة مدّتها ثلاثة دقائق فقط، أكثر من ثلاثين مرّة بالتصفيق والتهليل والتكبير (!).
** ثانيهما كان بعد ثلاثة أيّام فقط (الثلاثاء 21 يونيو)، أثناء اجتماع المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة محمّد عثمان الميرغني، في ضاحية "القناطر" إلى جوار العاصمة المصريّة، ونقلته قناة "الجزيرة" مباشرة، لأوّل مرّة في تاريخ الأحزاب السودانيّة (حدث إيجابي آخر)... لكن، وأسفاه، ليس هناك غير "إسراف التصفيق" و"إسفاف الهُتاف"، مع فوارق آيديولوجيّة طفيفة ليس إلاّ.
.................
الاثنين 27 يونيو 2005، تذكّروا هذا التاريخ جيِّداً.
بعد هذا اليوم بنحو 6 أشهر فقط (بالضبط 6 أشهر و3 أيّام)، يكون السودان كدولة عربيّة إفريقيّة، قد أكمل 50 عاماً على استقلاله من الحقبة الاستعماريّة. ومع ذلك، ونحن على مشارف ذلك العام الخمسين من ذاك "الاستقلال"، الذي مضغناه كثيراً و"استرجعنا" مضغه، نهتف بأفواهٍ فاغرة ونصفِّق بأيدٍ فارغة، في بهوٍ "مُحنَّط"، من أجل إجازة دستور انتقالي (في هذا اليوم فقط، مطلوب من مجلس "شبه مُعيَّن" أن يناقشه ليجيزه!)، على أن ننتظر زمن آخر وعمر آخر وقلق آخر، من أجل حلم الوصول إلى "دستور دائم".
دولة على مشارف الخمسين من العمر، ولا "دستور دائم" لها... "دستور يا أسيادنا" (!).
.................
ثمّة فرحة وتهليل، جرّاء اجتماع حكومة منبثقة من حركة انقلابيّة، مع تجمُّعٍ معارض يحكي عن شتات، وحركة تمرُّد وانفصال تكتسي ثوباً قانونيّاً "غير ساتر". في مقابل ذلك، رافضون يمثِّلون تيّارات سياسيّة لها وزنها، لا يعجبها العجب، إذ لم يرُق لها "اتفاق القاهرة" (مثلاً)، فخرجت أوصاف مثل: "ورقة علاقات عامّة" و"اتفاق على عدم الاتفاق"، وأشياء من هذا القبيل... هذه هي وقائع الواقع السياسي السوداني، الذي ينتظر يوماً أن يبني دستوراً دائماً ودولة مستقّلة تلحق ركب "الطائرين بسرعة البرق"... إنّها الحقيقة/الزقُّوم.
الخلاف والاختلاف صحيحان، طالما يصبّان في خانة الحوار المُثمِر، وليس "إساءة الظن" التي تتفنَّن في صناعة الفتن... وهذه حقيقة "زقُّومية" ثانية. لكنني، لن أُحيد عن هذه المسار الحقائقي المُر كثيراً، لنتعرَّف على بعض ما حدث ويحدث في الساحة السودانيّة، خلال الساعات المحيطة بوقت نقاش مسودَّة الدستور برلمانيّاًَ... ولتتأمّلوا التالي:
** لا علاقة لنا بتحليل موقف وزير الداخليّة المستقيل، هل هو مُدان أم بطل، كما هو حال السجال بين معارضيه ومؤيديه. لكن، إذا فعلها بأيِّ دافعٍ كان وقدّم استقالته، ما الذي يحمل رئيس البلاد على قطع وعد حقيقي، وعلى ملأ من الشهود، بإعادة هذا "المُستقيل" إلى العمل الحكومي، بعد أن "يستريح المحارب في إجازة قصيرة" (؟).
** جراح الجنوب لم تجف "بُرأتها" بعد، وجراح الغرب مفتوحة لـ"الذباب والجراثيم". ومع ذلك، شجّعوا دفْق الدماء من جرحٍ ثالث في الشرق، ليتهم متمرِّدون هناك الحكومة بقصف مواقع مدنيّة والأخيرة تنفي، فيُحال أمر "الجرح" بكل بساطة، إلى "شمّاعة" تتهم أريتريا تارة، وتشكوها لمجلس الأمن تارةً أخرى، وليس ضروريّاًَ وقف ذلك الدم المتدفِّق "الرخيص" (!).
** صحيفة "ليبراليّة" عربيّة بارزة، نشرت في نفس يوم تداول مسودّة الدستور (27/6)، خبراً في مساحة واسعة (6 أعمدة) عن: "جنوبي" لحقيبة الخارجيّة في الحكومة السودانيّة المقبلة لأوّل مرّة منذ الاستقلال، وأشارت في نفس الخبر إلى تمثيل أمريكي متسع من "الخارجيّة" و"البيت الأبيض"، للمشاركة في احتفال تنصيب العقيد جون قرنق نائباً للرئيس...ترى كيف يبدو الأمر لو نصبّوه رئيساً، ومن يحضر من ذاك "البيت الأبيض"، والأهم: هل استوعبتم مغزى الخبر (؟)... بالمناسبة أنتم معفون من الإجابة.
.................
الشارع مُترَب ومُقفَر... و"مُقرِف". يجب ألاّ نخجل، ولا نُداري، ولا ندفن بقايا الرأس في الرمل. إنّها الحقيقة دون "سوء ظن". هيئة الشارع الشكليّة، تنبئ باختصار أنّه لا دولة ولا مؤسّسات ولا اهتمام... و"لا يحزنون" (أسألوا "البِنْية" و"البُنْية"، ما بين كسر وضم النون!). ووضعية الشارع الضمنيّة، تحكي جمود من يتحرَّكون عليه قسريّاً، بصيغة أحجار البيدق. ومع ذلك، ورغم هذا الجو السوداوي المُحبِط، هناك ما يُفرِح سادتي: أنتم ما زلتم تُجيدون "التصفيق والتهليل" (!).
يا مَنْ يعزّ عليكم أي شِبْر ومتر وميل، من "المليون ميل مربّع"، قاطعوا "ظاهرة التصفيق"، وفكِّروا في أدقّ منعطف تمُرّ به بلادكم. تعلمون تماماً أنّه برغم روائح النفْط والسلام والوفاق، إلاّ أنّ الحجر يكاد ينطق من فرط الألم، ولا أجد وصفاً أدق، حينما يعرف رضيعنا قبل رفيعنا، أنّه قد تم تغيير الأحرف الأولى "غير المُعرَّفة" لتلك الهامات التي يجب أن تصنع المعجزات، إلى أشياء تعيدنا من جديد إلى السوداويّة وإنطاق الأحجار، لمّا يتحوّل النفْط إلى "شفْط"، والسلام إلى "كلام"، والوفاق إلى "نفاق"... والله ورسوله أعلم.
.................
من جديد، قاطعوا التصفيق و"سوء الظن". وحتّى لا أُتّهَم بـ"سوء الظن" و"الإفراط في الإحباط"، أودّ أن ألفت اهتمامكم إلى ما لفت انتباهي قبل نحو 50 يوماً مضت تقريباً، حينما تطرّق المفكِّر السعودي السوداني الأصل زين العابدين الركابي، عبر مقاله الأسبوعي في صحيفة "الشرق الأوسط"، إلى "التقدُّم" بمفهوميه الديني والكوني (أو الدنيوي). انتبهوا إلى ما أوجزه في التقدُّم بمفهومه الديني حين أشار لهذه الآيات تحديداً: "فاسجد واقترب"، و"فإذا فرغت فانصب؛ وإلى ربِّك فارغب"، "إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي سيهدين"، و"أنَّ إلى ربِّك المنتهى". وما أوجزه في المفهوم الكوني وهو يوضِّحه على أنّه: [التصاعد العلمي والمعرفي، الذي لا سقف له، في مجالات الكون والحياة الدنيا... التصاعد المعرفي المُقترِن بتطبيقات علميّة، تمكِّن الإنسان من تسخير ما سخَّره الله في الأرض والسماء وما بينهما، وذلك لكي يتمتَّع الإنسان ويسعد بكلِّ ما في الكون والحياة من طيِّبات وزينة وجمال، ولكي يعمُر الأرض عمراناً، تتحقَّق به إرادة الله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".
تأمّلوا جيِّداً، وانشدوا "التقدُّم" بعد مقاطعة "التصفيق"... وكفى.


* كاتب صحافي سوداني
[email protected]