يا بغدادُ؛ وما أحوجَنا
للتحليل وللتعليلْ
كلُّ العالمِ عارضَ ضربَكِ
إلاّ نحنُ وإسرائيلْ!
(إبراهيم الأسود)
تبتسم أمريكا ملء بحارها وهوائها، كلّما يمّر من أي عامٍ لها، أسبوع يوليو الأوّل (كما نتزامن معه الآن)، ويحقّ لها استعراض ابتسامتها و"تعريضها"، لكن ليس ضروريّاً أن يمتد عرض تلك الابتسامة بعرض العالم كلّه (للحقيقة، إنّهم يحاولون أن يفعلوها!). ومنذ أن خُدِش أبناء "العم سام" في كبريائهم صباح 11 سبتمبر 2001 (بتوقيت نيويورك)، خفتت تلك الابتسامة، وأظنّها تواصل ذلك الخفوت، كلّما تستمرئ الإدارة "الليكوديّة" الراهنة – طالما جدّدوا لرئيسها – ممارسة "الغباء السياسي" و"البغاء الفكري".
تاهت تلك الابتسامة حين شابتها تعبيرات متوجِّسة، مع أنّها أيام ذكرى "يوم الاستقلال" في الرابع من يوليو. ولتأكيد تلك المتاهة وذاك التوجُّس، لنطرح سؤالاً بعرض العالم كلّه (نستطيع أن نفعل): لماذا اضطر الرئيس جورج بوش، بعد مرور الأشهر الست الأولى من ولايته الثانية، أن يلقي خطاباً مفاجئاً في قاعدة عسكريّة، بعد أن تخيَّر توقيتاً تلفزيونيّاً "دسماً" للبث (؟)... الأمر لا يحتاج إلى تقصِّي محيص، فالأزمة تخنق الرئيس ابن الرئيس من كلّ اتجاهاتها: عراق، جوانتانامو، إرهاب، ومعالم أخرى من هبوط اضطراري لمدارج اعتراف "غير شفّاف"، مع أنّ أمريكا هي "عرّاب الديمقراطيّة".
.................
سيِّدي الأشهب بوش الصغير: العراق مشنقة كونيّة نصبها رفاقك الأفّاقون، وأنت من يدفع ثمن ذلك "الغباء"... سادتي أبناء أمريكا الحُرَّة: أخيراً حاولتم أن تبصقوا ذلك "الغباء الباغي"، حينما أدركتم في "زمانٍ ضائع" لكم مارسوا "بغاءً فكريّاً فاضحاً" باسم الالتزام الديني والأخلاقي، وهم مهرة في الإتجار بـ"الدم والقوت والنفوط"... يا مَنْ تقرأ وتراقب وتتمعَّن: الآن "حصْحَصْ الحق"، واتضح المغزى من الخطاب المفاجئ للسيِّد الرئيس الكوني، ومن ثمّ مغزى الزيارة المفاجئة لوزير "عدله" (إن كان!) ألبرتو جونزاليس للعراق عشيّة "يوم الاستقلال"، في نفس يوم نشر صحيفة "الأوبزيرفر" البريطانيّة لتأكيدات امتلاكها صوراً وأدلّة، عن تعذيب وحشي في مراكز الشرطة العراقيّة للمحتجزين لديها، وصلت حد الحرق (3/7)، وبعد يوم من "حرب أرقام" بين الحكومة "الجمهوريّة" والمعارضة "الديمقراطيّة"، بشأن مدى جاهزيّة قوّات الأمن العراقيّة (2/7)، وهنا بيت القصيد.
بعد أكثر من عامين من سقوط بغداد، لا يستطيع خبير أمني أو عسكري في العالم، أن يجزم بأنّ القوّة الاحتلاليّة بكامل حشودها ودعمها الدولي والأممي، قد فعلت شيئاً لتأهيل الجيش والشرطة في العراق، حتّى تدار البلاد بسواعد أبنائها. بصراحة، رموا بهم في أتون نيران المقاومة، التي وجدت من "يحلِّل" لها قتل أفرادها بوصفهم "معاونون للاحتلال"، فيموت يوميّاً عشرات الجنود العراقيين... حوّلوهم قرباناً لـ"غباء المُحتل"، ولم يجد العراق بُدّاً من الوضوء خمس مرّات في اليوم بـ"الدمْ"، كما وصف الكاتب العراقي رشيد الخيّون في كتابه "الصورة الشوْهاء: الإيذاء المُتبادَل ما بين الدين والسياسة". وما يزيد وضع جنود العراق الجُدد سوءاً، "النفخ" في خلاياهم السلطويّة بتكريس الإيذاء والتعذيب، كما كشفتهم "الأوبزيرفر"، وكما شجّعهم جلاّدوا "أبو غريب" و"كامب بوكا" و"جوانتانامو" و"باجرام" وغيرها... لهذا جاء إليهم وزير العدل جونزاليس (!).
.................
قُلت إنّ الأزمة التي تخنق "الريِّس ود الريِّس" من كل الاتجاهات، أفرزت مجموعة اعترافات حتّى وإن كانت غير شفّافة، لكنّها من نمط "الهبوط الاضطراري"، على ذمّة العراق والإرهاب وأوضاع أخرى. إذن، لنتابع بعض تلك الاعترافات، بدءاً من آخرها في الحدوث، حيث جاءت جميعها في يونيو (لنسمِّيها "اعترافات يونيو"!)... تمعّنوها، واخترقوا سطورها جيِّداً فهي لا تحتاج تعليق:
** تراجعت إدارة بوش عن رغبتها في تحويل السيطرة على الحاسبات المركزيّة الـ13، التي تتحكّم في مرور "الإنترنت" عالميّاً، والمسمّاة باسم "السيرفرات الأساسيّة"، إلى لجنة تابعة للأمم المتحدة، وقرّرت استمرار سيطرتها عليها كاعتراف بضرورة ممارسة دور "الشرطي الدولي"، والحجّة جاهزة: "الحرب على الإرهاب". كان ذلك القرار/الاعتراف في الساعات الأخيرة من يونيو (مساء 30/6)، ممّا أثار حفيظة العديد من دول العالم، أبرزها اليابان.
** اعترفت المخابرات الأمريكيّة "سي آي إيه" بتحليلات خاطئة، تصوَّرت وجود رسائل مستترة لتنظيم "القاعدة"، تبثّها قناة "الجزيرة" عبر شريط الأنباء العاجلة، وفقاً لتصريح مسؤول أمني رفيع لوكالات الأنباء (مساء 27/6).
** أكّد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد تقارير صحيفة "صنداي تايمز" البريطانيّة، بوجود محادثات مع مسلّحين ومتمرِّدين في العراق، في حديث لقناة "فوكس" الأمريكيّة (26/6).
** أكّد عضو في لجنة مكافحة التعذيب بالأمم المتحدة (رفض الكشف عن نفسه)، عبر وكالات الأنباء، أنّ الحكومة الأمريكيّة اعترفت لأوّل مرّة بحصول حالات تعذيب في أفغانستان والعراق وجوانتانامو، وذلك عبر تقرير تسلّمته اللجنة يفيد عن إساءات تعتبر تعذيباً وفقاً للمعاهدة الدوليّة لمكافحة التعذيب وأنّها لا تعني شيئاً حسب القانون الأمريكي. العضو الأممي أباح بذلك يوم 24 يونيو، قبل يومين من اليوم العالمي لمكافحة التعذيب (26/6)، وقال: "عليهم الآن أن يُحاسَبوا أمام اللجنة، ويجب ألاّ نترك شيئاً في الظلام"... أحلى نكتة أن "نشرة واشنطن" التي تصدرها وزارة الخارجيّة الأمريكيّة، أبرزت تصريحاً للرئيس بوش متزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة التعذيب قال فيه: "التحرُّر من التعذيب حقٌّ إنساني لا يجوز التفريط فيه" (!).
** خرج رئيس الحزب الديمقراطي الأمريكي المُعارِض هوارد دين عن صمته أخيراً، وندّد بعدد من أعضاء حزبه (منهم مسؤولون سابقون في المخابرات)، بشأن محو تورُّط إسرائيل في "كارثة 11 سبتمبر"، بهدف دفع أمريكا للإطاحة بنظام صدّام، وتكريس هيمنة أمريكيّة إسرائيليّة على منطقة الشرق الأوسط... كان ذلك في مساء 17 يونيو.
** اعترفت وزارة الدفاع الأمريكيّة رسمياًَ مساء 3 يونيو، بوجود حالات تدنيس لنسخ من المصحف الشريف في معتقل جوانتانامو.
[[ملاحظة عابرة: بعد شهر بالضبط في 3 يوليو، اعترفت لجنة الداخلية البرلمانيّة بـ"الكنيست الإسرائيلي" بحدوث تدنيس مماثل في سجن مجدو الإسرائيلي. ومثلما لم يجد الاعتراف الأمريكي ردّ فعل منطقياً من وسائط الإعلام العربي، لم يحرِّك الاعتراف الإسرائيلي أيضاً "شعرة" من شواربه... لا زلت أتذكّر، أنّه في اليوم التالي للاعتراف الأمريكي، اتفقت صحف دولة خليجيّة على إبراز خبر بكاء الطلاّب لصعوبة أحد امتحانات "الشهادة الثانويّة" آنذاك، فقد كان ذلك أكثر أهمِّية من الاعتراف الرسمي بتدنيس المصحف!]]...
.................
حاول الأمريكيّون في توقيت "غبي"، بصق غباء رئيسهم وإدارته، حينما أوضح استطلاع "سي إن إن" و"يو إس إيه توداي"، أنّ 58% منهم لا يوافقون على سياسة بوش في العراق، وأعرب أكثر من نصفهم عن رغبتهم في تحديد إطار زمني للانسحاب، وهو ما رفضه بوش في خطاب الثلاثاء الشهير (28 يونيو)، وما أرغمه على مُنزلَق إلقاء الخطاب نفسه. كما أفاد استطلاع "إيه بي سي" و"واشنطن بوست" أنّه للمرّة الأولى، يعتقد 52% من الأمريكيين أنّ بوش تعمّد تضليلهم في سباق صناعة "أزمة حرب العراق"... لا أحد يستطيع أن يفهم، لماذا قلب هؤلاء الموازين في نوفمبر 2004، وأعادوا تنصيب "الريِّس ابن الريِّس" لدورة رئاسيّة ثانية (؟)... أعلم أنّه السؤال الذي "دوّخ" أدمغة العديد من الخبراء والمراقبين، لكن لا ضير أنّ تُصنَّف تلك الخطوة مع بند "الغباء" أيضاً (!).
حاول "الرِّيس بوش" أن يعدِّل من هيئة غبائه عبر خطاب الثلاثاء والخطاب الإذاعي الأسبوعي الذي تلاه (2/7)، وقال: "حرب العراق تشكِّل جبهة مركزيّة للحرب على الإرهاب"، ورفض تحديد موعد محدّد للانسحاب من هناك، لأنّ ذلك يُعدّ خطئاً فادحاً. إنّها الحقيقة، كيف تراه يبيع أخطر تخطيط في مطالع الألفيّة الثالثة، للسيطرة على المنطقة الشرق أوسطيّة، بكافّة المفاهيم الاقتصاديّة والجيوسياسيّة والعسكريّة والآيديولوجيّة وغيرها (؟)... ليربط عصابة ناصعة البياض مكتوب عليها كلمة "غبي"، كلّ من يعتقد ولو لجزء من الثانية، أنّ من كلّف نفسه نحو تريليون دولار بسبب تلك الحرب حتّى الآن، يمكن أن يسلِّم بسهولة هكذا، دون أنّ يحقِّق كافّة مكاسبه المرجوّة.
انتبهوا: الصحافة الأمريكيّة في اليوم التالي لخطاب الثلاثاء، قالت إنّ بوش لم يكن "نزيهاً" حول العراق. والصحافة الإسرائيليّة كتبت: "أمريكا العظمى غرقت في الوحل العراقي"... ولا عزاء للصحافة العربيّة "ناصعة البياض" (!).
.................
حقائق ما يحدُث في العراق، بدأت تنكشف منذ الشهر الأوّل فيما بعد انتهاء عمليّات إسقاط النظام السابق (9 أبريل 2003). الأيّام الفائتة المتزامنة مع هبوط "الاعتراف" الاضطراري، أخرجت معالم أخرى من "البلاوي". في 27 يونيو الماضي، أصر ديموقراطيّون في "الكونجرس" على اتهام شركة "هاليبرتون" للخدمات النفطيّة، بسلسلة تجاوزات في العراق كلّفت دافعي الضرائب في أمريكا أكثر من 4.1 مليار دولار، ولكم أن تدركوا أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يحصل على أجر من تلك الشركة حتّى 2007. وفي يوم الاستقلال (4/7)، كشف مراسل صحيفة عربيّة دوليّة بالبصرة، عن وجود محطّات عائمة تبيع النفط العراقي، بواسطة مهرِّبين عراقيين في نقاط بحريّة محدَّدة في الخليج العربي. هذه الحقيقة، تصوِّر حقائق أكبر بلا شك ورائها، ربّما تنكشف لاحقاً، لتؤكِّد حقيقة عدم التنازل عن الانسحاب مهما كان الثمن.
نفس الصحيفة العربيّة الدوليّة، كشفت في اليوم الأوّل من هذا الشهر، أنّ "وضوء الدم" في العراق، حصد 20 ألف قتيل وجريح في الأشهر الست الأولى من هذا العام (القتلى: 8175)، وذلك وفقاً لوزير الداخليّة باقر جبر. وكان لتلك الصحيفة الحق، أن تبتدر خبرها بالتنويه إلى أنّ يوم الخميس 30 يونيو، كان الأهدأ خلال تلك الشهور الستّة، حيث لم تنفجر سيّارة مفخَّخة حتّى وقت متأخِّر من ليله. لكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة بالفعل، حيث استحال الوضوء "اغتسالاً بالدم"، وعاد استهداف القادة بالاغتيال والمسؤولين بالاختطاف، غير التفخيخ والتفجير اليومي الذي أصبح مشهداً معتاداً (أحد الزملاء قال أنّ مشاهد التفجيرات لم تعُد تهزّه، وأنّه يمكن أن يشاهدها في غرفة نومه... هذا رأي من صحافي، فما بالكم بأهل الشوارع "المتجمِّدة"؟!).
الجمعة 1/7 حاولوا اغتيال نائب رئيس الوزراء أحمد الجلبي، أثناء تقديم العزاء في النائب ضاري الفيّاض (بثّت الخبر"قدس برس" فقط)، والسبت 2/7 نجا وزير الصناعة أسامة النجفي من اغتيال محقّق، واغتيل في نفس اليوم مساءً رجل الدين الشيعي عادل الجنابي. الأحد 3/7، تم اختطاف السفير المصري الجديد إيهاب الشريف... ترى هل كان ضرويّاً التنويه إلى يومٍ واحد، كان خالياً من الدماء في "الصورة الشوْهاء" (؟).
حدث كلّ ذلك، في ثلاثة أيّام فقط قبل بسمة أمريكا الضائعة في "يوم الاستقلال"، لتصرخ الرسالة المؤلمة، مع أنّ الذكرى الأمريكيّة لا تبتعد عن موعد قمّة الثمانية الكبار (6/7)... ولغة المفارقات مستمرّة (!).
* كاتب صحافي سوداني
[email protected]




التعليقات