في عهد الحکم الدکتاتوري في العراق، لم يکن بمقدور أي کورديquot;متغربquot; أن يعود من طريق بغداد الى إقليم کوردستان، وکانت هناک ثلاثة طرق أمامهم للعودة وهي ترکيا بالدرجة الاولى و من ثم سوريا بالدرجة الثانية و أخيرا إيران.
العائدون عن هذه الطرق الثلاث کانوا يحکون عن تلک المصاعب و العراقيل التي تواجههم أثناء دخول تلک البلدان و إجتياز حدودها نحو أوطانهم، وکان القاسم المشترک الاعظم بين تلک المصاعب و العراقيل، يتعلق بإستغلال وضع الخاص لهؤلاء و إبتزازهم ماديا قدر الامکان.
وکانت التهم الجاهزة التي کانت تطلق جزافا ضدهم في سبيل quot;نفضquot; جيوبهم، ليست غريبة فقط وإنما أغرب من غريبة في أغلب الاحيان، في مطار طهران مثلا، روى لي زميل صحفي عاد عن طريق إيران، کيف أنه عانى الامرين في أيام مکوثه في العاصمة الايرانية لحصوله على إذن بالدخول لکوردستان، وکيف أن تهمةquot;علاقتهquot;بالتنظيمات الارهابية قد وجهت إليه ضمنيا و تطور ذلک الامر الى إتهامه بأن له علاقة بعصابات الاتجار بالمواد المخدرة، وأخيرا إتهموه بأنه قد دخل إيران بمهمة خاصة وکلت إليه من قبل الاحزاب الکوردية الايرانية!
زميلي هذا روى لي کيف أن نفض کل تهمة من تلک التهم عن نفسه کانت تستدعي بالضرورة نفض عملات صعبة من تلک التي في محفظته، وأقسم أغلظ الايمان أنه قد دفع أکثر من2500يورو لکي ينجو بجلده.
أما عن طريق ترکيا، فکان من السهولة إتهام أي کوردي بأنه من أتباعquot;ئابوquot;(کنية تطلق على الزعيم الکوردي عبدالله اوجلان)، أو أنه يحمل رسائل أو تعليمات من حزب العمال الکوردستاني الى أعضائه في داخل ترکيا، لکن وعلى الرغم من زيف هذه التهم، فإنها و لأسباب معينة قد تکون محتملة أو قابلة للتصديق، إلا أن تمزيق جواز السفر و رميه بوجه صاحبه و من ثم إتهامه بأنه شخص غير ذلک الذي مدرج أسمه في الجواز الممزق، وليس هذا فقط وإنما کان الامر يصل الى حد إتهام بعضهم بأن الطفل أو الاطفال الذين يرافقونه لاينتمون له، کما إن حادثة ذلک الذي کان يرتدي ملابسا کوردية و أجبروه على خلعها أمام الناس لأنهم لا يعترفون بوجود هکذا ملابس في قاموسهم، فهي الاخرى ذات مغزى مفهوم، هذا إذا وضعنا مسألة التأخير العمديquot;القسريquot;جانبا.
أما في البلد الذي أطل من خلاله البعث على العالم العربي، وأقصد سوريا، فquot;جيب ليل و خذ عتاباquot;کما يقول المثل العراقي، إذ کانت المسألة تبدأ من المطار و تستمر حتى آخر نقطة على الحدود، ولعل قصة تلک السيدة التي لم تر موطنها منذ عام1974، وعادت عام2001 عن طريق دمشق، قد تکون واحدة من القصص القريبة من الخيال، هذه السيدة التي شاء حظها العاثر أن تستلم الکثير من الامانات النقدية و غيرها من الهدايا لتقوم بإيصالها الى أهالي من إستئمنوها على ذلک، هذه المسکينة بدأت قصتها حين إتهموها أولا بأنها تعمل لحساب المخابرات العراقية وأن عليها أن تقر بالحقيقة قبل جرها الى تحقيق ليس في وسعها تحمله، وحين أکدت أن البعث العراقي قد أعدم زوجها و شقيق و إبن لها و أبدت إستعدادها لإثبات ذلک عن طريق ممثلية الاحزاب العراقية المتواجدة في سوريا، قالوا إذا لم تکوني من عميلات المخابرات العراقية فإنت إذن عميلة للموساد! وحين أنکرت إقتادوها الى مکان خاص وهناک طلبوا منها أن تقوم بإثبات هويتها من دون الاتصال بأي طرف آخر، ومهما يکن تخلصت من تهمة الموساد، لتجد نفسها أمام تهمة أنها تحمل عملات صعبةquot;مزورةquot;، وإنها في صدد تخريب إقتصادquot;القطر السوريquot;، وطبيعي أن يأخذوا کل مافي حوزتها من المال بتلک التهمة، أما حقائبها فقد تعرضت هي الاخرى لعمليةquot;مسحquot;خاصة، وبعد کل هذا همس الضابط المسؤول في أذنها بأن تعود من حيث أتت وإلا عادت الى التهمة الاخطر، هذه المرأة لحد هذا اليوم مازالت لا تصدق إنها قد نجت بجلدها. هذه الحوادث تذکرتها وأنا أستمع لقصةquot;محمد حاج شريفquot;، ذلک الکوردي الذي کان جندياquot;سائق دبابةT52quot; في صفوف الجيش السوري، ولما أکمل خدمته العسکرية و بدأ بإتمام معاملات تسريحه من الجيش، فوجئ بأن الضابط المختص يتهمه بأن هناک نقص في العتاد الذي کان بذمته بمقدار900 إطلاقة و بعض الالبسة، وطلب منه مبلغ2000ليرة سورية کرشوة وإلا عليه أن يدفع مبلغ200،000 ليرة سورية کغرامة، هذا الجندي حين رفض الانصياع لهذا الابتزاز المکشوف و ذهب للضابط الأعلى ليشتکي هذا الذي يتهمه جزافا، فوجئ بأن هذا الضابط يتهمه بسرقة دبابة و الذهاب بها الى عفرين ومن هناک أخذها لشمال العراق، ولم يجد هذا الجندي من طريق أمامه سوى الفرار من هذه الدائرة المغلقة التي ربما توصله في إحدى حلقاتها الى المشنقة من دون أن يدري بنفسه.
يقينا أن دبابات الجيش السوري ليس بمقدور أي مواطن سوري القيام بمجرد التفکير في سرقتها، لکنها کانت و ستبقى مهيأة لإستقبال الصواريخ الاسرائيلية المضادة للدبابات أو أن يترکها طاقمها أثناءquot;معارک المصيرquot; وفي أياديهم الرايات البيضاء!!
نزار جاف
[email protected]




التعليقات