بعد الاستقرار النسبي الذي نعم به الشعب الآشوري(سريان/كلدان) في السنوات الأخيرة في اقليم طورعابدين (جنوب شرق تركيا)،بدأ الخوف والقلق من جديد يخيم على القرى والمناطق الآشورية في تركيا. وكأن ليس من حق هذا الشعب المسالم الجريح أن يرتاح ويعيش بأمن وسلام على أرضه التاريخية. أو أنه كتب عليه أن يكون وقوداً لحروب وصراعات الآخرين. تجدر الاشارة هنا الى أن في نهاية تسعينات القرن الماضي وفي مدينة أربيل شمال العراق قتل متطرفون أكراد،من تنظيم (أنصار الاسلام)، وهو تنظيم اسلامي أصولي كردي على خلاف سياسي وآيديولوجي عميق مع الحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق،الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني- بحسب مصادر كردية عراقية-اغتالت السيد (فرانسو حريري) القيادي الآشوري البارز في حزب (الديمقراطي الكردستاني) الذي يتزعمه السيد مسعود البرزاني.وكما هو معلوم في ظل الفلتان الأمني الحاصل في العراق الواقع تحت الاحتلال الأمريكي منذ نيسان 2003،استهدفت مجموعات ارهابية،اسلامية وغير اسلامية، المسيحيين العراقيين العزل،ومعظمهم من الكلدوآشوريين، وذلك بسبب عقيدتهم الدينية،وقد ق تل المئات منهم من بينهم كهنة وقساوسة ورهبان كما فجر الارهابيون العديد من الكنائس في انحاء مختلفة من العراق.وقد أدت أعمال العنف هذه الى ترك أكثر من نصف المسيحيين العراقيين لمناطقهم التاريخية والهجرة خارج العراق.في ضوء ما يتعرض له الآشوريون من أعمال عنف وممارسات عدائية من غير سبب واستهدافهم من قبل جهات عديدة ومجهولة وفي مختلف مناطق تواجدهم،يبدو هناك من يخطط ويعمل على اقتلاع ما تبقى من آشوريين ومسيحيين صامدين في قراهم وكنائسهم وأديرتهم متحدين الموت والخوف.فبعد مسلسل القتل والخطف والتهجير القسري لأبناء الشعب الآشوري المسيحي في العراق يخشى أن يكون لهذا المسلسل الاجرامي حلقات وفصول خاصة بما تبقى من آشوريين ومسيحيين في طورعابدين وتركيا عامة.هذا ما يمكن استخلاصه واستنتاجه من اقدام مجموعة ارهابية مجهولة يوم الأربعاء الماضي/ 28 تشرين الثاني/ 2007، باختطاف الراهب دانييل(أديب) صاوجي،راعي كنيسة ودير القديس مار يعقوب للسريان الأرثوذكس في قرية (صالح(،احدى قرى طور عابدين.عملية الخطف هذه تمت بينما كان الراهب دانييل يقود سيارته عائداً من مدينة (مديات) متوجهاً الى كنيسته. لا شك أن خطف الراهب دانييل هو مؤشر خطير على تنامي الأصولية الاسلامية والمنظمات الارهابية داخل المجتمع التركي،وربما داخل أجهزة ومؤسسات الدولة العلمانية في تركيا التي يحكمها منذ سنوات حزب العدالة والتنمية ذات التوجهات الاسلامية.
في اطار البحث عن حيثيات وأهداف خطف الراهب دانييل والجهة التي يمكن أن تقف وراء عملية الخطف،أجرينا اتصال هاتفي مع المدير الاداري في دير (ماركبرئيل)،أحد أهم وأبرز أديرة السريان الأرثوذكس في منطقة (طورعابدين- تركيا)،قال: ((بعد ساعات قليلة من اختفاء الراهب دانييل اتصل الخاطفون، عبر الهاتف بدير الزعفران مقر أبرشية السريان في ولاية ماردين،وطلبوا ثلاثمائة ألف/300000/ يورو كفدية مقابل اطلاق صراح الرهينة دانييل والا سيقومون بقتله،من دون أن يحدد الخاطفون مهلة زمنية لتنفيذ تهديدهم،ومن غير أن يعرفوا بهويتهم والجهة التي ينتمون اليها.وأضاف: في الحال أخبرنا السلطات التركية عن الحادث وقد لمسنا استجابة سريعة من الدولة التركية،حيث استنفرت مختلف أجهزتها الأمنية والشرطة والجيش في ولاية ماردين ومنطقة طورعابدين بحثاُ عن الراهب المختطف فضلاً عن الاهتمام الكبير واللافت من قبل الاعلام التركي، الحكومي والمعارض والمستقل، بقضية الراهب دانييل... وأضاف: لقد اثمرت عمليات المسح والاستطلاع والترصد والمراقبة للاستخبارات التركية وخبرتها الطويلة في التعاطي مع قطاع الطرق والجماعات المتطرفة،أثمرت في تحديد المشتبه بهم في عملية خطف الراهب وتحديد الجهة التي التجأوا اليها وهي بلدة باطمان.وقد حاصرت الشرطة التركية البيوت المشتبه بها والمتوقع أن يتواجد فيها الخاطفون وهددت بمداهمتها ما لم يتم الكشف عن مصير الراهب دانييل واطلاق صراحه. وبالفعل لم يجد الخاطفون خيارات أمامهم سوى اخراج الراهب الى أحد شوارع البلدة وتركه.تم ذلك يوم الجمعة أي بعد يومين من اختطافه. وعن الجهة التي اختطفته قال المدير في دير ماركبرئيل الاداري،المتابع لقضية الراهب والمطلع على ملف القضية: لا يوجد خلفيات أو أهداف سياسية لعملية الخطف.. أنهم شباب مسلمين كورد لا انتماء سياسي لهم... أنهم قطاع طرق...هدفهم فقط الابتزاز والحصول على مبالغ مالية كبيرة من الكنيسة كفدية مقابل الافراج عن الراهب لكن بفضل جهود الدولة التركية وجهود مختلف فعاليات شعبنا السرياني،الدينية والمدنية، في الوطن والمهجر لم يحقق المجرمون هدفهم وانما وقعوا في يد العدالة حيث القت سلطات الأمن التركية القبض على خمسة اشخاص من المتورطين في عملية خطف الراهب دانييل صاوجي وجميعهم أكراد مسلمين.وعند السؤال عن ردة فعل الراهب دانييل بعد اطلاق صراحه قال المدير الاداري في دير ماركبرئيل والشخص الفاعل في الدير: طبعاً كان مسروراً وشعوره لا يوصف. وقال: طبعاً نقلاً عن الراهب دانييل،أن الراهب حتى وهو بين أيدي الخاطفين وهم يهددونه بالذبح كان يتحداهم ويقول لهم اذا كنتم تريدون قتلي فلماذا تسألونني وماذا تنتظرون نحن الرهبان شهداء أحياء من اجل المسيح والمسيحية.. أنه كان صامداً وشامخاً بفضل ايمانه المسيحي كصمود وشموخ جبل طورعابدين الذي نشا فيه. وبقدر ما كان الراهب دانييل قوياً وعظيماً بالقدر ذاته كان متسامحاً مع خاطفيه مقتدياً بالسيد المسيح،رسول المحبة والسلام، فعندما طلبت منه الشرطة التركية الادعاء الشخصي على الخاطفين تخل عن حقه في الادعاء عليهم ومقاضاتهم وقال: على الرغم من أنهم أهانوني وضربوني لكن سامحهم الله وأطلب من الرب يسوع المسيح أن يصلحهم ويعيدهم الى الطريق القويم.وقد أنهى الشخص المهم والفاعل في دير ماركبرئيل الذي تحدثت معه كلامه قائلاً: فرحة الأخوة الأكراد، بعودة الراهب دانييل سالماً، في القرى المجاورة لقرية صالح حيث يقيم الراهب، لم تكن أقل من فرحة أهله وشعبه السرياني حيث أستقبله الأكراد بالأهازيج والورود مما يؤكد على عمق العلاقة التاريخية بين الشعب السرياني والشعب الكردي في طورعابدين وحرص الشعبين على استمرار هذه العلاقة وتطويرها )).


طبعاً،تفاعل الشارع الآشوري/ السرياني مع قضية الراهب دانييل وبرزت في الأوساط السريانية الآشورية الكثير من التحليلات والأراء والنظريات حول اسباب خطف الراهب دانييل والجهة التي خطفته وأهدافها.فقد رجحت شخصيات دينية وعلمانية سريانية/آشورية عديدة في تركيا أن يكون الخاطفون اسلاميين أكراد متطرفين هدفوا الى نشر الرعب والخوف في نفوس القلة القليلة المتبقية من الآشوريين السريان في طورعابدين،المقدر عددهم بثلاثة آلاف شخص، بعد أن كانوا بمئات الآلاف قبل المذبحة الكبرى التي نفذتها السلطنة العثمانية بحق المسيحيين عام 1915. اذ ترى هذه الشخصيات السريانية بأن هناك من الأكراد من استوطن في القرى السريانية المهجورة، تضررت مصالحهم،من عودة أصحاب بعض هذه القرى من أوربا بعد أن تركوها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي هرباً من مضاعفات النزاع المسلح بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي يطالب باقامة (دولة كردية) في شمال شرق تركيا. جدير بالذكر أن اختطاف الراهب دانييل يأتي في ظل تجدد التوتر والعنف بين الجيش التركي و مقاتلي حزب العمال الكردستاني المتحصنين في الجبال والمناطق الوعرة في شمال العراق. في حين لم تستبعد شخصيات سريانية ومسيحية أخرى في تركيا وخارجها أن يكون لبعض عناصر الشرطة والمخابرات التركية ضلع ودور ما في عملية اختطاف الراهب دانييل بدوافع دينية وقومية، كما حصل في جريمة اغتيال الصحفي الأرمني التركي (هرانت دينيك) قبل نحو عام في اسطنبول،وقبلها جريمة اغتيال الراهب الايطالي في تركيا أيضاً.كما أن البابا يوحنا بولص الثاني اثناء زيارته لتركيا في ثمانينات القرن الماضي كان قد تعرض لمحاولة اغتيال على يد شاب تركي اسلامي متطرف.


مع انتشار خبر اختطاف الراهب دانييل عم السخط والاستياء جميع الأوساط الكلدوآشورية سريانية والمسيحية عامة في تركيا والعالم وصدرت بيانات الشجب والاستنكار لهذا العمل الجبان عن معظم القوى السياسية والمؤسسات الاعلامية ومختلف الفعاليات القومية والاجتماعية والثقافية والدينية للجاليات الآشورية (سريان/كلدان) داخل الوطن و في دول المهجر الأوربي والأمريكي مطالبة الحكومة التركية بالتحرك السريع لملاحقة الخاطفين والكشف عن مصير الراهب دانييل واطلاق صراحه سالماً.لا شك هذا التحرك الآشوري/السرياني الواسع والسريع تجاه قضية الراهب المخطوف دانييل هو دليل على نمو الوعي القومي والسياسي للآشوريين بمختلف طوائفهم،كذلك هو يعكس مدى تحسن الاداء السياسي والاعلامي للمؤسسات الاعلامية الآشورية،على حداثتها وضعف تجربتها، في دول المنفى(المهجر) وقدرة هذه المؤسسات على نقل قضية الراهب دانييل الى الراي العام الشعبي والرسمي والى المنظمات والمؤسسات المعنية بحقوق الانسان في اوربا والعالم الحر عامة.بلا ريب،كان لهذا التحرك الاعلامي الآشوري دور مهم وكبير في سرعة تحرك الحكومة التركية ووضع كل امكانياتها الأمنية باتجاه الكشف عن مصير الراهب دانييل واجبار الخاطفين على تحريره بعد يومين من اختطافه. طبعاً الى جانب العامل الآشوري والمسيحي هناك عوامل وأسباب عديدة دفعت تركيا لانقاذ حياة الراهب دانييل. فتركيا كدولة تسعى الى تحسين صورتها وسجلها في مجال حقوق الانسان أمام العالم وهي تطمح الى الدخول للاتحاد الأوربي،كما أن تركيا لن تتهاون مع من يحاول أن يعبث بأمنها الداخلي ويهدد سلمها الأهلي.


من دون شك، أن التحرك الآشوري السرياني في قضية الراهب دانييل هو خطوة مهمة وجيدة لكنها ليس كافية، خاصة ونحن ندرك حجم التحديات والمخاطر المحدقة بالشعب الآشوري(سريان/كلدان) في هذه المرحلة وفي جميع مناطقه التاريخية في بلاد مابين النهرين، في تركيا والعراق وسوريا وحتى في ايران.على الآشوريين أن لا تكون حركتهم مجردة ردة فعل على مصيبة تحل بهم ومن ثم يعودوا لسباتهم،وانما عليهم العمل المتواصل والمستمر لأجل ابراز قضيتهم الى العالم كشعب مضطهد، بسبب خصوصيته القومية والدينية،رسمياً من قبل الأنظمة وحكومات الدول العربية والاسلامية،ومجتمعياً من قبل الأصوليات الاسلامية المتنامية داخل مجتمعات هذه الدول،وهو اليوم مهدد في وجوده وبقاءه في مناطقه التاريخية. طبعاً من المهم جداً في هذه المرحلة العصيبة أن تضع الأحزاب والمؤسسات القومية الآشورية السريانية آليات عمل قومي مشترك لتفعيل دورها وتوحيد أدائها وتقديم كل الدعم المادي والمعنوي للشعب الآشوري(سريان/كلدان) الصامد في جبال طورعابدين وكذلك في سهل نينوى ومختلف انحاء العراق وحتى في سوريا لأجل تعزيز وتطوير هذا الوجود لأن قضية هذا الشعب هي قضية واحدة ومترابطة أينما كان وحيثما حل.

سليمان يوسف يوسف
كاتب وناشط آشوري سوري
[email protected]