شكـّلت تروستات الجنرالات والفقهاء، وتحالف المشايخ ووزراء الداخلية والثقافة والإعلام والمالية والاقتصاد، وإفرازاتها الأخطبوطية نمطاً سلوكياً سائداً لعقود طويلة كانت غايته الأولى والأخيرة إحياء الوثنيات السياسية والقبليات البدوية، وعبادة الأصنام الفردية وتخدير الجموع المسبية والمواشي السائبة المنسية لإعادتها إلى بيوت الطاعة الفقهية بعد هبوب quot;سمومquot; رياح التغريب والتحديث والعلمنة التي كادت أن تعصف بعروش الدايات والبايات وخلفاء وآيات الله وأولياء الأمر وبيوتاتها السياسية المقدسة. فشنت غارات وحشية مكثفة من القصف التبجيلي التجهيلي الحي والمركز عبر بوابات فضائيات مزركشة وأبواق منمقة بقصص ملفقة من تراث بني داحس وعلقمة. وضرب هذا النمط طوقاً محكماً حول نفسه اقتصر على جوقات الطبالين والزمارين وباعة الفكر الجوالين على أبواب رعاة الهجن المدللة، المرضي عنهم أمنياً وسلفياً من الركـّع السُـّجد التبـّع المسبحين بحمد وعطايا هذا البيت السياسي أو ذاك وعائلاته القدرية الحاكمة بأمر الله المتحكمة بآبار النفط والغاز ومشاريع تنظيف الأموال الوهمية ومؤتمرات الدجل والرياء والارتزاق.

ولا يزال هذا النمط، وأنساقه الألعابنية الأفعوانية، وحتى يومنا هذا في كربنا هذا، محط إعجاب أبطال قفز الحواجز المنطقية، من ممتطي النوق النفاثة، ولاعبي الأكروبات الفكرية في أولمبيادات النخاسة الثقافية والاتجار بعقول البرية. ويعتبر محميات ثقافية تجول وتصول فيه نعامات الفكر المثلية وسحاقييها من الجنس الثالث من سحرة الثقافات السطحية المهترئة الذين يلعبون ببيضتها وحجرها ويقلبون الحق باطلاًَ، والباطل حقاً، ويزينون quot;سخامquot; سياسات المشيخات برخام الديمقراطيات الهيراركية في انتخابات الزعامات العشائرية، باعتبارها وحياً منزلاً، وفتحاً ملهماً في ذاك البيت السياسي الطاهر دون غيره، الذي تم اصطفاؤه سماوياً ليكون محجاً للاهثين وراء جعالات مؤتمرات التكفير وصدقات فزعات التنفير بين المذاهب عبر بريق دنانيره الذهبية الرنانة.


آل البيوت السياسية، يدخلون ويخرجون منها بسلم آمنين سالمين، المشمولون حكماً وشرعاً بفتوى إرضاع الكبير والصغير، وأي شيء آخر مثير، من رواة الأحاديث الصحيحة المسندة في الخلوات الشرعية، والمؤتمرات الصحفية، والجلسات المحظية، ودبـّيكة مراسم الاستقبال والوداع المتمتمين بالأسماء الحسنى والهتـّافين بألفاظ الجلالة الفخامة وأصحاب السمو الميامين، الردادين لآمين يا مولانا آمين، وممن لا يحرم عليهم دخول الصحن الشريف لذاك البيت السياسي اللعين، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا يتركون اليوم مناسبة، ولا يغادرون مأدبة من مآدب توزيع الغنائم والإعانات والإعاشات والكوبونات، دون التعبير عن تعداد مناقب سدنتهم والتذكير باستثنائيتهم الجينية، وفرديتهم التاريخية، وضرورتهم الوطنية في هذا العصر البليد، معتبرين أن نذور سفح الكرامات وتمريغها بوحول العتبات السياسية النجسة، والتبرك والتمسح بأحذية الجلادين، ونعال مشايخ البعير، وعقالات بدو الهجير، هي طقوس العبودية والخلاص التي أجمع عليها أئمة التزوير، والتي تدخلهم حرم تلك البيوتات السياسية الغافية على نجيع ودم غلابة الأمصار المكلومة بيتم أبنائها، وبالفرمانات المتوالية بهدر دمائها الدائم تحت مراسيم قراقوشات وهراقلة هذا الزمن الهجين، ولغايات مطلقة أزلية لكي تبقى سلالات الدم الزرقاء المتألهة صافية، ولا تشوبها شائبات الرعاع وحثالات البروليتاريات الرثة ولمامات الكومونات المتمردة التي ألهبت، ذات يوم، خيال وحماس ماركس، وأكلت عمراً، وسفحت حبراً من مداد تشارلز ديكنز.

وإنها البشرى والفتوى الكبرى، إذ لا ضلال بعد اليوم ولا إثماً مخابراتياً، أو عذاباً أرضياً، واعتقالاً أمنياً، وسعيراً سلطوياً يصلى ويصب حممه البركانية واستجواباته الماراثانوية، إلا على خوارج العصور الداجنة المرتدين عن تلك البيوت السياسية القرشية الخالصة، من المولعين بالتغريد خارج رفوف الفكر الجماعة، والرافعين لأصواتهم المخنوقة على أسنة أوجاعهم المتقرحة، التائهين في مرافئ غربة الفكر النظيف، وشطآن العقل السوي.

نضال نعيسة
[email protected]