لم تتمکن إيران من إختراق جدار الامن القومي العربي إلا من خلال الشيعة العرب عندما تمکنت من توظيف و إستخدام مسألة تهميشهم و إبعادهم عن اداء الدور الواقعي و الحقيقي لهم على سوح أوطانهم في خدمة مشاريعها و أجندتها السياسية و الامنية لا على صعيد المنطقة فحسب وإنما حتى على الصعيد العالمي. ورغم ان العرف السائد لدى الکتاب و الصحفيين العرب في تناول هذه المسألة عند التصدي لموضوع الشيعة العرب و إيران هو بالسعي لتصوير أن هناك ثمة فجوة و حيزا من الفراغ بين الطرفين و ان الشيعة کطائفة هم غير تلك الاتجاهات و الاحزاب السياسية الشيعية المتواجدة هنا و هناك على الساحة العربية، لکن سياق و مضمون هذا الطرح يأخذ بعدا آخرا عندما تتم عملية المکاشفة و التقييم لقضية التغلغل الايراني داخل اوساط الشيعة العرب و الدور الحيوي و الحساس الذي تلعبه تلك الاتجاهات و الاحزاب الشيعية الخاضعة للتأثير الايراني بين الاوساط الشيعية في بلدانها وان اقل ماتقوم به من دور هو تجميل الصورة الايرانية و ابرازها و تنقيتها من الشوائب التي تسعى العديد من القنوات العربية المضادة للنفوذ الايراني الترکيز عليه ناهيك عن أنها تطرح المشروع السياسي ـ الفکري الايراني في المنطقة على أنه البديلquot;العمليquot;الافضل للعرب و المسلمين بشکل عام.


ولاغرو أن الحديث عن خلفية نشوء العديد من التيارات السياسية الشيعية في العراق و لبنان بشکل خاص سيما تلك التي تأسست بعد نجاح الثورة الاسلامية في إيران، يبين بوضوح أن طهران تمکنت من فرض قوى سياسية فعالة و مؤثرة لها في تلکما الدولتين بل وأنهاquot;إي إيرانquot;تراوغ و تساوم العرب و دول الغرب من خلال تلويحها بمخالبها الشيعيةquot;العربيةquot;المزروعة داخل الجسد العربي نفسه و المراهنة عليها کأدوات للضغط على طريق فرض مطاليبها السياسية و الامنية في المنطقة و العالم. کما أن طهران تمکنت أيضا و بنجاح قد تحسد عليه أيضا في زرع خلايا نائمة لها في دول عربية أخرى فيها کثافة شيعية کالبحرين و السعودية و الکويت و الامارات العربية المتحدة هددت و تهدد من خلالها بقلب الموازين في حالة المواجهة بينها و بين واشنطن. ويقينا أن التوفيق الذي رافق إيران في تغلغله داخل الشيعة العرب يعود في المقام الاول لتلك السياسة الخاطئة التي إتبعتها تلك الدول التي تتواجد فيها کثافة شيعية ازاء هذه الطائفة و عدم نجاحها في احتواء و إستيعاب مطاليبهم و آمالهم و طموحاتهم و تطلعاتهم على الاصعدة المختلفة وهم بهذا قد عبدوا طريقا سهلا أمام طهران کي تدخل من خلاله الى العمق العربي و تهدد من هناك الامن القومي العربي بکل جلاء. لقد أسست و تؤسس إيران العديد من المنظمات و الاحزاب و حتى القنوات الاعلامية الشيعية العربية المعبرة و المجسدة لطموحاتها و أطروحاتها في المنطقة في الوقت الذي تقف فيه الدول العربية موقفا بالغ السلبية عندما تجشم نفسها عناء مطاردة و ملاحقة قوى و تيارات حرکية شيعية داخل حدودها في عملية تکاد ليست تکون أشبه بالدوران في الحلقة المفرغة وإنما تساهم أيضا في رفع درجة العداء و الحساسية لدى الشيعة عندما يشعرون بأن دولهم لا ترضى بإحقاق حقوقم وتصر على إبقائهم مهمشين مقصيين وهم بذلك يکونون أقرب لفهم الطرح الايراني بخصوص مظلومية الشيعة العرب و تهميشهم أمام الاغلبية السنية. وبعد مرور أکثر من ربع قرن على سيطرة التيار الشيعي الراديکالي على مقاليد الحکم في طهران، مازالت الدول العربية تتبع ذات سياساتها الخاطئة حيال الملف الشيعي و بدلا من العمل على تفهمه و إستيعابه و تفعيله لکي يؤدي دوره على الساحة کأحدى المکونات الوطنية الاساسية فإنها تتبع سياسة فرضتها طهران عليها بشکل غير مباشر ازاء مواطنيها الشيعة سيما من حيث التشکيك بوطنيتهم و إنتمائاتهم السياسية. أن الدول العربية مدعوة لإغلاق هذه النافذة التي فتحتها إيران داخل البنيان العربي وهذا الامر لن يکون إلا عن طريق إنهاء العوامل و المقومات التي ساهمت في إيجاد تلك النافذة، ولعل العمل العربي الطموح من أجل خلق تيارات و إتجاهات سياسية شيعية عربية تقف على الضد من المشروع الايراني هو واجب وطني و قومي تفرضه متطلبات الامن القومي العربي وهنا يمکننا الاشارة الى المجلس العربي الاسلامي في لبنان و الذي تأسس قبل عامين و تمکن من فرض وجود مهم و مؤثر له على الساحة اللبنانية حتى أن أوساطا مقربة من إيران أشارت الى ذلك و بعثت بتقارير ذات مغزى بخصوص تنامي دور هذا المجلس و توسعه بشکل ملفت للنظر قبالة النفوذ الايراني في لبنان بين الشيعة في الوقت الذي نرجو أن تکون هناك أيضا تقارير عربية مخلصة مرسلة الى الحکومات العربية، تشير الى هذه الحقيقة، هذا المجلس الذي يقوده العلامة محمد علي الحسيني الذي آلى على نفسه تأسيس تيار سياسي ـ فکري ـ إجتماعي عربي الشکل و المضمون داخل اوساط الشيعة اللبنانيين و العمل على شرح مفهوم تعريب القضية الشيعية لدى الشيعة اللبنانيين وربط ذلك بمسألة الامن القومي العربي التي في نهايتها تهم الجميع من حيث خطورة تداعياتها المستقبلية فيما لو ألقي الحبل على غاربه أمام التغلغل الايراني داخل الشيعة اللبانيين بوجه خاص و الشيعة العرب بوجه عام. هذا المجلس قام و يقوم بتعبئة و تنوير الشباب و الجيل الجديد بأفکاره و طروحاته المختلفة على طريق تصديه للتأثير الايراني و طرحه بديله الفکري و العقائدي الذي يحد من ذلك التأثير و يلجمه. لقد تسنى لنا الالتقاء بالعديد من الشابات و الشبان الذين تم تعبئتهم و تثقيفهم بطروحات و أفکار المجلس الاسلامي العربي في لبنان و تمکننا من ملاحظة التغيير الايجابي الحاصل لديهم حيال الانفتاح على العرب و تيقنهم بأن العمل على إيقاف الزحف الايراني داخل الاوساط الشيعية و تحديد نفوذه هو افضل الطرق و أکثرها فعالية لحماية و صيانة الامن القومي العربي. وقطعا ان دعم هذا المجلس و تقويته من خلال رفده بکل أسباب البقاء و القوة لا على الساحة اللبنانية و إنما على الساحة العربية ککل سيما من النواحي الاعلامية و المادية بشکل خاص، هو أمر سيبين في المستقبل القريب تأثيراته الايجابية و يعمل و بشکل ملفت للنظر على تغيير موازين القوى بين العرب و إيران و تهيأة الارضية لمعادلات سياسية ـ أمنية جديدة في المنطقة تکون في خطها العام لصالح العرب. القادة العرب و حکومات الدول العربية(سيما المملکة العربية السعودية بشخص خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله و سمو ملك البحرين و القادة الآخرين لدول الخليج) مدعوة لدعم مشروع المجلس الاسلامي العربي في لبنان و جعله الارضية المناسبة التي تنطلق من خلالها صوب الساحات الاخرى التي ترتع و تمرح فيها إيران وأن تجاهل هذا المجلس الذي ولد في فترة عصيبة من عمر المنطقة و جاء بمثابة طوف نجاة و مرکب يقود الى بر أمان، سوف يؤدي بالنتيجة الى العودة الى الوراء و المساهمة في المزيد من ترسيخ النفوذ الايراني داخل الشيعة العرب و جعله قدرا ليس بإمکان العرب سوى الخضوع لإبتزازات طهران و إملائاتها السياسية، فهل سيتفهم القادة العرب الرسالة و يترجمونها على أرض الواقع أم أنهم سيغلقون ابوابهم أمام هذه الفرصة المهمة التي لو يبادروا الى إستغلالها فإنهاquot;ستمر مر السحابquot;!!

نزار جاف
[email protected]