قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في شهر تموز يوليو 2009، أطلقت لجنة الصندوق التابع للأمم المتحدة 430 مليون دولار كدفعة جديدة من التعويضات العراقية السنوية الى الكويت لتلحقها دفعة أخرى قبل نهاية السنة. ومنذ عام 1994 يدفع العراق 5% من مجمل صادراته النفطية الى الكويت بموجب القرار المرقم 687 لسنة1991 الذي أتخذته المنظمة الدولية ضد النظام السابق. وتصل المبالغ التي دفعها العراق مرغماً لحد الآن أكثر من 25 بليون دولار من مجموع 62 بليون دولار تطالب بها الكويت وتصر على تسديد المبالغ وجبايتها لحين أستلامها كاملة.


وما يؤزم العلاقات بين البلدين هو عدم الأحساس الكويتي بأن أجيال عراقية ضحت بأبنائها وشبابها ولعقت آلالام للنيل من الدكتاتورية والأطاحة بالنظام الأستبدادي ليتسنى لأبناء شعبنا وأبناء الكويت التمتع بالأمن والأستقرار. ملامح لقاء المالكي بالأدارة ألامريكية في واشنطن هذا الأسبوع للحديث عن الازمة العالقة مع الكويت لن تكون أكثر من مشاورات وحوار بشأن العقبات التي وضعتها الكويت للعراق لأزالة التعويضات بالطرق الأجرائية في مجلس الأمن وأهمية تعديل القرار بقرار جديد. علماً بأنه لن يكون في استطاعة الرئيس أوباما والمالكي تخطي هذه العقبات وذلك لأسباب قانونية وأعتبارات شكلية سياسية أضافة الى ماذكرته أعلاه.


والملاحظ في عالم اليوم، بأنه کلما تبسطت الشعوب فی علاقاتها وتعاونها مع بعضها في مواجهة التحديات كلما تعقدتْ أوضاعنا العراقية مع دول الجوار وتتلاشى الحلول المناسبة وخاصةً مع الجارة الكويت. ورغم أن الصفة المميزة لموقف الأدارة الأمريكية الحالية هو تفهم الموقف دون لوي ذراع أحد الطرفين وتركهما لوضع رؤية جدية مشتركة لأنهاء أزمة التعويضات والحدود، أِلا أن درجات الازمة أخذة بالصعود. ونستطيع أيضاً أن نقرأ من الأوضاع الحالية بأنه كلما خطتْ دول ومؤسسات خطوات الى الأمام تبحث عن مستقبل لأجيالها كلما أتخذت الكويت خطوات الى الخلف تحرث عن ماضي عهودنا وعهودها المظلمة. قد لاتختمر في العقل العراقي والكويتي السياسي، القبول بالمبادئ الحديثة للحوار التي تتبعها الدول و (المشاركة الأقليمية في مواجهة التحديات سوية وتقديم الحلول لها وفق مايُعرف
Shared Challenges amp; Joint Solution

تطغي على مايُطرح اليوم من بحوث في مؤسسات العلوم السياسية والأقتصادية الأكاديمية والمؤتمرات ذات الصبغة الدولية التي نُشارك فيها، تطغي حلول لأزمات مختلفة واجهتها أوروبا وأفريقيا وصاغتْ قرارات سليمة لها. ونستمع خلال لقاءنا في هذه المؤتمرات الى أحاديث أيجابية صادرة عن مسؤولين لهم وظائف مهمة في أجهزة الحكومات ومؤسسات أمنها الوطني.


وغالباً ماننظر بعجب ودهشة الى الحالة العربية وتعثرها في أيجاد حلول موضوعية لأزمات تاريخية متروكة لاتأخذ بلورة حقيقية موحدة لموقف موحد متخذ من أطراف النزاع أنفسهم لتهدئة التأزم والتوتر. والحالة العراقية ndash; الكويتية تبرز كمثل واضح على تصعيد حالة الخلاف بمواقف وتفسيرات وحجج مازالت تجرنا الى نفس المتاهات القديمة التي بدأت في الستينات بعد خروج بريطانيا من الكويت. ولا أظن أن مبدأ المشاركة الأقليمية ( كقناعة سياسية ) تدخل في حساباتنا للتغلب على التحديات و النزاعات والخلافات والأزمات الحدودية. ولاأظن أن مبادرة الأطراف المعنية نفسها لحل النزاع متوفرة، ويبدو أنها تُترَك عادةً لمن يمسك بدفة سفينة القيادة في منطقتنا الساخنة المُثقلة بالمشاكل.
وبالرجوع الى مقالات سبق وأن نشرتها في أيلاف عن الموضوع وطرق جباية التعويضات الملتوية في عصر الوصاية والهيمنة الأجنبية تحت مظلة الأمم المتحدة، ترفض الكويت كل ألتماس تقدمت به الحكومة العراقية لغرض ألغاء المتبقي منها وتمنع أي محاولة عراقية لأجراء محادثات وتشكيل لجان فنية عراقية - كويتية مشتركة بشأنها. فسياسة اللاحلول للمشاكل العالقة تبقى عالقة كسياسة رسمية كويتية مادامت التعويضات المالية مستمرة في التدفق على الخزينة الكويتية، ولن يحلها رئيس دولة أو أمير دولة دون وسيط دولي أجنبي. والأوحش مافي الأزمة القائمة، سلسلة التصريحات التي أدلى بها بعض النواب الكويتين ضد العراق والتهور في أطلاقها لقلة المعرفة بأهمية ثبات العلاقات وأستقرارها بين البلدين، وضعف الفهم للمبادئ الجديدة التي تتحكم بمصالح الدول القائمة على أساس Share challenges- promote security أضافة الى أدراك عواقب التأزم وخطورة ما يخفيه الزمن.


وبعد عدة محاولات فاشلة للرئيس الحالي لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون مع ممثلي الكويت في الأمم المتحدة، لم يبقَ في جعبته الدبلوماسية أِلا حثّ الحكومة العراقية وأقتراحه لها على أيجاد بدائل حلول والسماح للكويت بأستثمار ماتبقى من الديون بمشاريع أستثمارية داخل العراق. أن النهج العدائي الذي تتبعه الحكومة الكويتية في تحصيل التعويضات عبر مظلة الأمم المتحدة هو بالتأكيد النهج التجاري الذي غرضه الحصول على أكبر قدر من ثروات العراق وسلب حقوقه وأفقاره بالتقادم رغم بطلان قانونية قرار الأمم المتحدة بسقوط النظام السابق. ومن الصعوبة تحرير العقل الكويتي من معتقدات وأحقاد قديمة كان الشعب العراقي الضحية الأولى لها. فما هي حجة العراق القانونية للطعن بذلك القرار وبطلان شرعيته وأسترجاع الحقوق والأموال التي مازال العراق يدفعها من ثرواته المسلوبة عنوةً ؟


أن القرار المرقم 687 لسنة 1991 الذي تبناه مجلس الأمن هم قرار عقوبة دولية سري مفعولها ونُفِذ ضد نظام دولة أرتكب الجريمة، كما أنه لم يكن قراراً أنتقامياً ضد شعب العراق. والبند السابع كان يُفترض أن يُلغى عند سقوط النظام الأجرامي عام 2003. وتاريخياً، فأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالذات كانا قد أصدرا قرارات مشابهة ضد أسرائيل وصربيا كنظامين سياسيين ولم يتطرق في أي سابقة دولية وفي أي قرار لاحق بأنزال عقوبات ضد شعبيهما، كما أن قرارات أخرى أُعيد التصويت بشأنها وتم تعديلها. الكويت في مطالباتها للتعويضات تلتزم بنصوص القرارات القانونية التي تتعلق أساساً بأجراءات أتخذتها الأمم المتحدة ضد النظام الدكتاتوري السابق ولاتوجد أي فقرة تَخص قيام طوائف الشعب العراقي دفع غرامات وتعويضات نيابة عن النظام السياسي السابق. والحقيقة المؤسفة، أن الكثير من الكويتين لايعرفون أن تلك القرارات نالت مؤازرة عراقية شريفة من قوى عراقية ساهمت في مُحاربة النظام المُرتكِب لجريمة الغزو وأسقاطه. أِلا أن المسألة تتضح يوماُ بعد أخر بالجشع الكويتي في أموال وأراض عراقية والأنتقام من ضحية الدكتاتور (الشعب العراقي) الذي عانى منه ومن المواقف الكويتية المتعنته وألأساليب الخبيثة المفتعلة. والواضح بأن الكويت تسعى من خلال التصريحات المُعلنة والأفعال،أِضعاف أي حكومة عراقية وألهائها بمشاكل داخلية وعرقلة مشاريعها ألأنمائية بضغوط ومطالبات وأعمال سرقة لاعلاقة للنظام العراقي الحالي بها كالبحث عن رفات كويتيين تم أسرُهم من قبل قوات النظام السابق.


عصرنا هو عصر الوصاية والهيمنة وخرائط الطرق المظلمة ويروج لهذا العصر المعترضون من أساتذة الوطنية في الأمانة والشرف والعلاقات الأخوية الذين يعترضون على تحكيم العقل ويساهمون في زيادة حدة العداء الكويتي تجاه العراق. عصر الوصاية هذا هو، عصر توسيط مكاتب الأستشارات الأجنبية التي تعمل بعمولة مالية للتحكيم في نزاعنا العربي - العربي، وعدم القبول بأي مناقشة ودية جدية بين الطرفين المعنيين. ولابد أن يكون للتصريحات الفقاعية التي تصدر بين الحين والحين، تأثير سلبي على مواقف الطرفين لفقدانها للتفكير الموضوعي المجرّد من الأهواء و النزوات الشخصية. وتظهر هذه التصريحات في وسائل الأعلام على نحو لايؤدي الى الغرض المقصود، بل يزيد من التوتر والحقد على تصرفات المسؤولين.


لايجب أن يكون موضوع التعويضات مزايدات على حقوق الشعب العراقي أو الكويتي، كما أن تخفيض التعويضات من 5% الى 2.5% أو تحويل المتبقي منها لأستثمارات كويتية داخل العراق لايجب أن تُقرر وفق رغبة أو أهواء مسؤول حكومي أو نائب برلماني ينشد تحشيد أنصار له بطرق لاتصلح في العمل السياسي أو العلاقات بين الدول.
أن قرارات الحكومات ينبغي أن تتم بعدالة وتنسيق في جوهرها وباطنها ومصادقة قانونية مقبولة من ممثلي الشعبين الشقيقين. وتظهر في الأفق بين الحين والحين حقيقة القرارات الدولية التي أستحصلت عليها الكويت بمساندة اللوبي اليهودي الأمريكي والعمولات التي دفعتها الكويت لمكاتب أجنبية لتنسيق القرار مع الوسطاء في عهد كوفي عنان السكرتير العام السابق الذي أخفى دهشته للأداعاءات المالية للشركات والأفراد التي تجاوزت 300 بليون دولار وللقرار الهزيل وبنوده التي لاعلاقة لها بالقانون الدولي ومعالمه والتي طُبقت ومازالت تُطبق حسب مشيئة مكاتب عمولات مالية أجنبية.


هل دفع العراق ما يكفي من تعويضات للكويت؟
يوفر العراق حالياً حماية طبيعية جيوبوليتكية للكويت وصيانة سياسية لسيادته على أراضيها بأنتهاء وزوال التهديد الذي كان مقلقاً لدول المنطقة أجمع. والتأزم الحالي الذي يُثار ممكن تلافيه بأزالة أسبابه. والتعنت الكويتي بعدم أزالة العوائق وهي مجري حديث المالكي في واشنطن هذا الأسبوع وطلبه دعم الأدارة الأمريكية لخروج العراق من الفصل السابع و ضرورة حل المسائل العالقة بين العراق والكويت عبر الحوار ومن خلال رؤية شاملة لحل جميع المشاكل وهو السبيل الأمثل لمستقبل العلاقات.
هناك نواب عراقيون اعربوا عن معارضتهم لاستمرار العراق دفع هذه التعويضات التي بلغت قيمتها الى الآن أكثر من 25 بليون دولار، وطالبوا بدورهم بتعويضات عن الأضرار التي سبّبتها الكويت للعراق بالسماح للقوات الأجنبية بالتمركز والعبور لغزو العراق وتدمير الممتلكات والمرافق الحيوية في نيسان أبريل 2003 دون أذن قانوني مُسبق، وهو خرق للقوانين الدولية ولم تخوله أي سلطة دولية مسؤولة. أن مانسعى اليه بأمل كبير هو أن يختمر مبدأ الشراكة في التحديات والتنسيق الباشر في العمل والتحالف الأقتصادي بين العراق والكويت لخدمة بلديهما وتحقيق الأستقرار المالي دون وساطات دولية وتدخل أجنبي يقلل من شأن وأعتبار البلدين في المحافل الدولية ويعمق من خلافاتنا وأستمراريتها على حدود بلدينا.


ويدرك الكويتيون بخبراتهم في الشؤون المالية وسوق النفط العالمية وماتؤكده الابحاث العلمية بأن العالم يفتقر إلى مقياس دقيق يمكن به قياس نضوب النفط، ومجالس أبحاث الطاقة العالمية تبين للدول النفطية أمكانية نضوب مخزون العالم من النفط خلال العقد المقبل، وقد تندلع حرب أسعار طاحنة على الطاقة ويزيد الإقبال على استخدام الوقود المسبب للتلوث الذي سيفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. ويدركون أيضاً بأن رئيس دائرة التقنية والسياسة التقديرية في مجلس الطاقة البريطاني روبرت غروس، وتكهناته لهذه السنة حول ظاهرة نضوب النفط، سيقفز بأسعار الطاقة ويُحفز دول للدخول في منازعات أقليمية، الأمر الذي سيوجه ضربة قاصمة للاقتصاد وقطاع الصناعة حول العالم.
ويجب أن يدرك الكثير أن مؤشرات المرحلة القادمة هيquot; مرحلة النفط العسير والباهظ الثمنquot; وهذه المؤشرات ترافقها التحذيرات التي تُترجم في العراق على نحو مختلف عما يترجمه خبراء الطاقة في الكويت. فالقرارات الأقتصادية العراقية تتخذها وتقررها الأدارة السياسية بضغوط شعبية على ضوء المصلحة العراقية وحدها وعلى ضوء الضرر الذي أصاب العراق منذ بداية سرقة ثرواته بطرق التزوير والاستغلال.


أستاذ وباحث سياسي

[email protected]