في مقدمة الطبعة الأولى لكتاب quot; رأس المال/ الجزء الأول quot; كتب كارل ماركس وفردريك إنجلز تعريفاً للنقود ((money يقولان فيه.. quot; النقود هي الشكل المكتمل التطور للقيمة بشكلها الأولي والبسيط quot;. هي الشكل المكتمل التطور لأن قيمتها عامة (universal) تنتسب إليها كافة أشكال القيمة التي تمثلها السلع الأخرى. إنها بذلك سلعة تدخل السوق بنفس الشروط التي تدخل وفقها كل السلع الأخرى وتخضع مثلها لميكانزم العرض والطلب ومختلف شروط التبادل. أما قيمتها الاستعمالية التي تبرر قيمتها التبادلية فهي ذات وجهين ؛ الأول وهو أنها الأداة العامة الوحيدة لقياس قيمة السلعة، أي سلعة، والثاني هو أنها تسهل أعمال التبادل في السوق وتنشطها ولن يكون هناك سوق للتبادل بدونها. وهي بخلاف كل السلع الأخرى لا تكتسب قيمتها الاستعمالية من مادتها الخام أو من شكلها الفيزيائي وهي لذلك لا تُستهلك إنما من قيمتها التبادلية التي لم تتجسد فيها من قوى العمل المكتنزة فيها، أي من أكلاف سكها، بل مما تمثل من قوى عمل تحددت فعلياً بحالة المعادن الثمينة أم إسميّاً في الحالات الأخرى.


يشير علينا التاريخ إلى أن شكل القيمة للنقود (Value-form) قد خضع دائماً لمستوى تطور أدوات الإنتاج ولعلاقات الإنتاج بالتالي. فأدوات الإنتاج المتطورة تعطي إنتاجاًOutput) ) أكثر وهو ما استمرار جريانه يستوجب إستبداله بنقود أكثر وقيمة أضخم. في عهد العبودية الأولى، في ممالك المدن، سُكّت النقود من مادة الطين أو الفخار وكانت تستعمل فقط داخل حدود المملكة المدينة وتستعير خصوصيتها القيميةValue-form) ( من قوة القمع لدى السلطة التي أصدرتها وهي ملك المدينة أو سلطانها؛ ولذلك كانت ما يمكن تصنيفه بنقود القوة أو السلطة (Money of Authority). في عهود العبودية المتأخرة، وقد امتدت التجارة إلى خارج حدود الدولة الإمبراطورية الشاسعة، مثل الدولة الرومانية، فقد سُكّت النقود من التنك والنحاس والبرونز كتدعيم لقيمتها بذاتها لكنها مع ذلك بقيت نقود السلطة (Money Of Authority). في النظام الإقطاعي وقد تعاظم الإنتاج الزراعي وخاصة الحبوب، كا تنامت صناعة المانيفاكتورة وخاصة الأنسجة، مما اقتضى امتداد خطوط التجارة إلى الخارج البعيد كخط طريق الحرير (Silk Road) بالإضافة إلى التوسع الكبير للسوق المحلية فاستوجب ذلك سك نقود لا تستعير قيمتها من خارجها بل هي القيمة بذاتها (Value by itself) فكان أن سُكّت النقود من المعادن الثمينة كالذهب والفضة، وهذه النقود تحمل قيمتها بذاتها لكنها مع ذلك لم تتحرر من الإشارة إلى السلطة وقوتها فحملت صورة الإمبراطور أو السلطان. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر شهد العالم ثورة صناعية كان عمادها الآلة البخارية وهو ما أوجد أدوات إنتاج متطورة نوعياً اجتذبت إليها ملايين العمال للعمل في الإنتاج الذي تضاعف بالنتيجة مرات ومرات. التبادل الواسع والكثيف الذي اقتضته مثل هذه الوسيلة للإنتاج الوفير اقتضى بدوره تداولاً نقدياً أوسع بكثير مما تستطيعه المعادن الثمينة المتوفرة في العالم فكان أن ظهرت النقود الورقية وهي سندات إيفاء تكفلها الدولة المختصة. وكيلا تكون مجرد نقود سلطة (Money Of Authority) مثلما كانت في عهود العبودية ترتب على الدولة المختصة أن تؤمن كفالتها باحتياطي مناسب من الذهب ومن العملات الوازنة الأخرى كضمانة أو غطاء لها. وعندما أخلّت ألمانيا الهتلرية بهذه القاعدة وأخذت تطبع ماركات مكشوفة بلا حدود ظناً منها بأنها ستسولي على العالم بكل ثرواته في نهاية الحرب العالمية الثانية، تنادت الدول المساهمة في التجارة الدولية إلى مؤتمر عقد في بريتون وود (BrittonWood) في فرجينيا- الولايات المتحدة في العام 1944 حيث تعاهدت الدول المجتمعة على أصول ومتطلبات إصدار العملة الوطنية التي منها أن تكون 20% من قيمتها مغطاة بالذهب وما تبقى بالعملات الوازنة. النظام الرأسمالي كثيف الإنتاج (Mass Production) الذي تمثلت دورته الحيوية بتحويل كامل إنتاجه من البضائع إلى نقود (نقد ndash; بضاعة ndash; نقد) كشرط أولي لاستمراره، اقتضى مرافقته بسندات مالية مكفولة من قبل جهة ذات ملاءة (commonly acknowledged party/state of solvency) ثم امتدت الحالة إلى quot; النقد المرصّد quot; (Money in Credit). نعود لنؤكد حقيقة إقتصادية تاريخية ذات دلالة لم تنل قسطاً وافراً من اهتمام الإقتصاديين تقول أن كل نظام للإنتاج يلد نقده الخاص به والذي يستجيب لشروط الإنتاج الخاصة بالنظام.


في أكتوبر 1917 نهض البلاشفة في روسيا لاستكمال شروط الثورة البورجوازية التي تفجرت في شباط قبل ثمانية شهور بعد أن تبدّى بصورة جليّة خور البورجوازيوة الروسية وعجزها عن تحقيق أي شرط من شروط الثورة البورجوازية، وهو ما كانت قد تنبأت به الأممية الثانية في مؤتمرها العام في بازل - سويسرا 1912 وطالبت الإشتراكيين الروس إذّاك بإنجاز الثورة البورجوازية. لم تقبل البورجوازية الروسية بمختلف شرائحها ومعها كل قوى الرجعية والقيصرية بإنجاز الثورة البورجوازية بقيادة البلاشفة فرفعت السلاح بوجههم في آذار 1918 بهدف إبادتهم عن بكرة أبيهم كما أعلنت، غير أن النتيجة مع انتهاء العام 1918 كانت عكس ذلك تماماً وتم إبادة قطعان البورجوازية الفاشية وكتائب عساكر القيصرية وخلفهم االحاقدون من الاشتراكيين الثوريين والمناشفة. في يناير 1919، ونظراً لانتفاء الخيار البورجوازي نهائياً نتيجة الحرب الأهلية، طرح لينين مشروعه في الثورة الإشتراكية العالمية مسترشداً بما كان قد تنبأ به كارل ماركس في مقدمة الطبعة الأولى لترجمة البيان الشيوعي إلى الروسية في العام 1882 إذ كتب متوقعاً أن شرارة الثورة الإشتراكية العالمية يمكن أن تنطلق من روسيا. نادى لينين في مشروعه التاريخي إلى قيام أحزاب شيوعية في مختلف دول العالم لتتعاون في العمل لتفكيك النظام الرأسمالي العالمي، وتفكيكه شرط أولي لعبور البرزخ الإشتراكي نحو الشيوعية.


ليس ثمة أدنى شك في أن مشروع لينين في الثورة الإشتراكية العالمية وما استدعاه من نهوض وطني شامل في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية قد حقق هدفه الكبير في تفكيك النظام الرأسمالي العالمي ولو أن ذلك لم يفضِ إلى الوصول إلى برزخ الإشتراكية بسبب الردّة التي قامت بها البورجوازية الوضيعة السوفياتية بقيادة رجلها الغبي نيكيتا خروشتشوف. فمع بداية السبعينيات وكانت قد نجحت عشرات الدول ومنها الهند والصين في فك رباطها مع مراكز الرأسمالية العالمية، ونجح الوطنيون الفيتناميون في مواجهة الآلة الحربية لأقوى دولة رأسمالية إمبريالية، الولايات المتحدة الأميركية، انتهى النظام الرأسمالي العالمي إلى التداعي والإنهيار في العام 1974.


إنفاق الإدارة الأميركية غير المحدود على العسكرة وعلى حربها الطويلة والكبيرة في الفيتنام من جهة، وتحول قطاعات هامة من قوى العمل الأميركية من الإنتاج الرأسمالي السلعي إلى إنتاج الخدمات الفردي غير الرأسمالي من جهة أخرى، عملا على كشف الدولار مما اضطر الإدارة الأميركية لأن تنسحب في العام 1971 من معاهدة بريتون وود وإلغاء الغطاء الذهبي وهو ما أدى بصورة آلية إلى تدهور سعر صرف الدولار في أسواق المال العالمية. لم تستطع إدارة نيكسون آنذاك بالرغم من ضغطها الشديد على الإنفاق العام واضطرارها إلى خفض قيمة الدولار (devaluation) مرتين خلال عام واحد 72/73، لم تستطع وقف تدهور سعر الدولار في أسواق المال العالمية، فما كان منها إلا أن استنجدت بالدول الرأسمالية الغنية الأربعة الأخرى، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا واليابان، فصدر عن رؤساء الدول الخمسة (G5) المجتمعين في قلعة رامبوييه ndash; باريس في 16 نوفمبر 1975 إعلان يقرر مصائر العالم بعد أن أخذ المعسكر الإشتراكي يميل إلى الهبوط والغياب التام عن المسرح الدولي، فقال الإعلان في بنده رقم (11).. quot; ستعمل سلطاتنا النقدية على مواجهة الإضطرابات في أسواق المال والتقلبات المفاجئة باستمرار في أسعار الصرف quot;، وأضاف.. quot; ستقرر اللجنة المؤقتة لصندوق النقد الدولي في اجتماعها القادم في جمايكا الإصلاحات اللازمة لأسواق النقد quot;. وبناء على هذا القرار اجتمع في جمايكا بعد شهرين، في يناير 1976، ممثلو عشرين دولة وقرروا ضمان أسعار صرف عملات الدول الخمس الغنية في أسواق الصرف مع السماح بذبذبة لا تتجاوز نسبة 2.5%. وهكذا تيسر للولايات المتحدة الأميركية أن تطبع مئات التريليونات من الدولارات المكشوفة التي لا يكفلها غير الدول الأخرى (!!) كأن تستوعب هذه الدول الفائض المعروض من الدولارات في الأسواق على حساب عملتها الوطنية. فكلما هبط سعر صرف الدولار إلى أقل من النسبة المسموح بها (2.5%) سارع البنك المركزي الياباني ومثله الأوروبي إلى شراء كل الدولارات الفائضة في الأسواق. القدرة الإستيعابية لشركاء الولايات المتحدة التجاريين، اليابان، الصين، الإتحاد الأوروبي وروسيا مؤخراً، محدودة في نهاية الأمر، ولذلك فإن يومهم الأسود لقريب وقريب جداً.


المهزلة التي سيسجلها التاريخ على أنها كبرى المهازل هي أن تصدر دولة كبرى عملتها الوطنية بكفالة دول أخرى !! ثم إنها لا تخجل من ذلك حتى ولا تشعر بالامتنان للدول الضامنة الكفيلة بل تراها فرصة لسرقة الشعوب من خلال طباعة ما ملأ خزائن العالم من أوراقها الخضراء. إعلان رامبوييه أعاد العالم إلى عهود العبودية الأولى ليتعامل من جديد بنقد السلطة (Money Of Authority). كان ملك المدينة لا ينتج خبزه فسك نقوده من الطين وأرغم الشعب في مدينته على تداولها. واليوم تعجز الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة الأميركية عن إنتاج خبزها تستهلك ثلاثة أمثال إنتاجها فتسك نقودها من الورق بدل الطين وتسمه بشعار (IN GOD WE TRUST) وهي تدرك تماماً أن دولاراتها قد غدت من جنس نقد السلطة (Money Of Authority) إذ نقلت إيمانها من الله إلى المدفع وأخذت تطلق مدافعها كلما شعرت بتراخي العالم في كفالة دولاراتها ؛ وغدا عنوان دولاراتها (IN GUN WE TRUST).


لا أحد يثق بنقد السلطة وخاصة الرأسماليون. يغامر الرأسمالي بتحويل نقوده إلى بضاعة من خلال المصنع والعمال بالطبع، وهو يقوم بهذه المغامرة من أجل أن يحوّل بضاعته الناتجة إلى نقد من وزن النقد الذي وظفه في الصناعة كي يؤمن بالتالي فائض القيمة الذي حصّله من العمال. النظام الرأسمالي الكلاسيكي كان ينتج الجنيه الإنجليزي في ثلاثينيات القرن الماضي والدولار الأميركي في الخمسينيات ؛ أما دولارات اليوم التي هي من جنس نقد السلطة فإنها لا تستجيب لأي شرط من شروط النظام الرأسمالي. في مجرى دورة الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكية يضخ الرأسمالي نقوده في مجرى الدورة لتتحول إلى بضاعة وعندما تصل البضاعة إلى السوق لتتحول إلى نقد تجد السوق وقد انتفخ بالنقد الكثير الذي أنفق على الخدمات المتورمة وهو ما يعني أن مجرى الدورة في قطاع النقد قد اتسع وانتفخ مما ينعكس بفقدان الضغط الهيدروليكي في المجرى ؛ وبالتوالي لا يعود المجرى يجري ولا يعود صالحاً لدورة الإنتاج الرأسمالي (نقد بضاعة نقد).


يدفع الرأسماليون بإنتاج العمال من شتى البضائع إلى السوق كي تتحول إلى نقود وبالمقابل تحول الطبقة الوسطة مجمل إنتاجها من الخدمات إلى نقود في السوق وخارج السوق. وخلال العقود الأربعة الأخيرة تعاظم حجم النقود بدل الخدمات وأخذ يساوي أضعاف حجم النقود بدل البضائع. يتحقق ذلك استناداً لحجة غير سليمة يتم توظيفها توظيفاً معادياً للعمال ولتقدم المجتمع بالتالي، إذ تقول أن الأعمال الخدمية تتم بالإعتماد على العلم والمعرفة، على الجهد الذهني وليس على الجهد العضلي كما في حالة عمال الصانع. واستناداً إلى هذه الحجة غير السليمة تتضاعف بَدَلات الخدمات قبل أن تشكل أي شكل للقيمة (Value ndash; form) ودون أن تدخل السوق لتعرض نفسها صنماً كما السلع الأصنام (Commodity Fetishism). لهذه الأسباب أمكن مبادلة الخدمات بأضعاف أضعاف قيمتها الحقيقية حتى وصل أجر لاعب كرة القدم الماهر لما يساوي أجر ألف عامل وهو الجاهل بكل العلوم والمعارف. يتحقق هذا في بلاد ما زال بعضهم، ولعِلّة في نفسه، يصفها بالرأسمالية علماً بأن الرأسمالية هي النظام الأكثر حرصاً على تحديد قيمة العمل وليس قانون العرض والطلب إلاّ مثالاً على ذلك. المنحى العام للنظام الرأسمالي لا يسمح بمبادلة الخدمة بأكثر من قيمتها الحقيقية، الكلفة الإجتماعية لإعادة إنتاجها، كما أنه لا يسمح بإنتاج أي خدمات لا تتوظف في خدمة الإنتاج مباشرة.


في أجواء تغريب البروليتاريا وتقهقرها في مختلف الجبهات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لم يستطع نمط إنتاج السلع الرأسمالي بطبيعته منافسة نمط إنتاج الخدمات الفردي غير الرأسمالي بطبيعته أيضاً، إذ ظل توزيع مجمل الإنتاج القومي خلال العقود الأربعة الأخيرة في العالم الرأسمالي يتم لصالح الإنتاج الخدمي، واستمر منتجو الخدمات من الطبقة الوسطى ينالون أجوراً أعلى بكثير من أجور منتجي السلع من طبقة البروليتاريا بالرغم من أن البروليتاريا تنتج ثروة عكس منتجي الخدمات الذين لا ينتجون ثروة. جهد العمال البروليتاريا هو أحد أشكال القيمة (Value ndash; form) ويتحول في المصنع إلى شكل آخر من القيمة وهو السلعة. أما جهد منتجي الخدمات فهو أيضاً شكل للقيمة ويتحول بعد الشغل إلى ما لا يكن اعتباره شكلاً للقيمة ؛ فأرقى أجناس الخدمات كالتعليم مثلاً نجد أن معلمي الولايات المتحدة مثلاً يتقاضون في نهاية كل اسبوع عشرات الملايين من الدولارات لكن إنتاجهم لا يصرف بدولار واحد. لئن كان التعليم يعطي نتائج في تحسين وسائل الإنتاج على المدى البعيد، إلاّ أن نفقات الأمن التي تساوي أكثر من عشرة أضعاف نفقات التعليم لا تنتج ما يساوي دولاراً واحداً، ومثلها الإنفاق على تطبيب المتقاعدين والعجزة والذي يستهلك الجزء الأكبر من ميزانيات الصحة. وهكذا يمكن الإستدلال إلى أن الطبقة الوسطى توالي نهب البروليتاريا منذ العام 1975 في العالم الرأسمالي ومنذ العام 1954 في العالم الاشتراكي مع إطلالة وجه خروشتشوف القبيح ممثل العسكر والفلاحين. لحقت هزيمة كبرى بالبروليتاريا في العالم كله، ويجر المهزوم خلفه بالطبع وسيلة إنتاجه. البروليتاريا المهزومة جرت معها ليس النظام الإشتراكي فقط بل والنظام الرأسمالي قبل الاشتراكي. وهنا تتوجب الإشارة إلى أن القول بانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة على الإتحاد السوفياتي إنما هو قول غبي وسخيف. فالإشتراكية التي مثلها الاتحاد السوفياتي ما زالت في أفق التاريخ وإن كانت في أفقه البعيد، أما الرأسمالية التي مثلتها الولايات المتحدة الأميركية فقد طرحها التاريخ خلفه وانفك منها مرة واحدة وإلى الأبد.


فؤاد النمري

www.geocities.com/fuadnimri01