مجتمع منغلق على ذاته بقوة
الطائفة الدرزية " الغامضة" وانتحاراتها الاكثر غموضا

اميرة حمادة :عاد من غربته لقضاء اجازته السنوية الى جانب زوجته بعدما اضطرته ظروف الحياة الصعبة الابتعاد عنها بعد 9 اشهر من زواجهما.كان عام قاتل في الغربة، فما كان منه الا ان إنتحر بمسدسه اثناء ذهاب زوجته لزيارة صديقتها. الغموض يلف الجريمة ويدفن معه سره حيث تقطن شريحة درزية كبيرة في بلدات جبلية في لبنان، ويعتبر الدين وازعا اساسيا في مجابهة الحياة ومصاعبها, ولكن رغم ذلك ظل الانتحار وسيلة حاضرة للهروب من المشاكل الاجتماعية او العاطفية او المرضية.فكيف تحصل عمليات الانتحار في المجتمع الدرزي ،ما هي اسبابه؟ وكيف ينظر المجتمع الى المنتحر؟
خيانة زوجته
يقولون في البلدة ان السبب الذي دفعه للانتحار هو لا اخلاقية زوجته التي كانت _كما يقولون_ تقيم علاقة مع شاب من بلدة مجاورة اثناء سفره، وعندما علم بالامر من بعض الاقارب لم يستطع تحمل الامر فانتحر. يصفونه بضعيف الشخصية وبالساذج وطيب القلب.لم يحضر والده" الشيخ" مأتمه ولم تدمع عيناه، البعض يشتمه ويصفه بـ" المرتد"او "الكافر". وبعد حوالى العام على انتحاره تزوجت زوجته من عشيقها واقامت خارج البلدة كما يزعم احد اقرباء المنتحر.

خسر امواله...فإنتحر

تعددت الاسباب والانتحار واحد، لكن الجريمة الكبرى والمعضلة الاكبرفي نظر الانسانية جمعاء هي تكرار محاولة الانتحار معاندة رغبة الخالق في الحياة.كما فعل عامر الذي يعمل في السلك العسكري الامر الذي جعل حياته نظامية وشخصيته قوية .

وعند بلوغه سن التقاعد وحصوله على تعويضه، وضع امواله في " كونتوار" طمعا بفائدة اكبر. لكن ولسوء حظه افلس صاحب " الكونتوار" واضاع جنى عمره.
الصدمة كانت شديدة فتدهورت صحته على اثرها ما فرض على ابنته (30 عاما)_ والتي تعمل كمدرسة_ الاهتمام بوالدها وتخصيص جزء كبير من راتبها الشهري لشراء ادويته.
ويبدو ان كبريائه منعه من العيش عالة على احد فوضع المسدس في فمه واطلق النار.هرعت زوجته الى غرفته لتبدأ بعدها بالصراخ مستغيثة بالجيران كي يساعدوها وينقلوه الى المستشفى."والله كتبلو عمر" ..فتم علاجه .لكن اثناء وجوده في المستشفى علم بما يقال عنه في المجتمع" كافر، مرتد، ظهر على حقيقته",فكرر محاولة الانتحار بتقطيع قطب العملية بيديه فتوفي على الفور..يقول اهل بلدته ان ما فعله جريمة بحق نفسه ومخالف للتقاليد الدرزية المبنية على الصبر والاتكال على الله.

انتحار شيخ ديني

ان اعتماد الدين كأساس في الحياة تقرب الانسان من الله وتجعله يعتمد القوانين دينية كأساس لحياته ولعل ابرز هذه القوانين الصبر والاعتماد على الله . الا ان الحالة الاشد غرابة هي قصة انتحار " شيخ" ديني لسبب مرضي.الشيخ متدين في الخمسين من عمره وسمعته جيدة، طيب القلب وحسن الخلق.لم يعلم احد ظروف انتحاره حتى الان.فلقد مضى على قصة انتحاره حوالى اربعة اعوام، الا ان البعض ما زال يتحدث عن معاناة هذا الشيخ مع مرض السرطان.
اقاربه يرفضون الحديث عن الموضوع ويكتفون بالقول " الله يسامحو".يروي البعض تفاصيل انتحاره الذي تم في بستان قريب من منزله وليس داخل منزله حيث زوجته دائمة التواجد. انهى حياته تاركا اولاده الثلاثة، فتاة متزوجة وشابان يعملان في التجارة.. شيخ جليل في البلدة علم بوفاته فقال " الله يرحموا" وعندما علم انه انتحر اسرع بالقول " الله لا يقيموا".

فتيات قتيلات
حاولنا البحث عن فتاة درزية منتحرة، لكن محاولتنا باءت بالفشل.فلم نعثر على اي امرأة او فتاة منتحرة، والسبب وفقا لأراء من عايش المجتمع الدرزي يعود الى حياة الفتاة في مجتمعها والتي غالبا ما تكون ملكا لاهلها ومن ثم لزوجها.فإذا قامت بفعلة مشينة او جلبت العار لاهلها ماتت بالسم.الا ان حالات القتل هذه انتهت خلال الحرب وانعدمت في ايامنا الحالية فأصبحت حياة الفتاة ملكا لها وحصلت على استقلاليتها النسبية.يعتبر المشايخ الدروز ان المنتحرين هم "متلبسون بالدين" متسترون لاخفاء حقيقتهم " الشرانية" ويصفونهم بالمشركين او الملحدين ،كما يؤمنون بأن الانتحار هو كشف لحقيقة الانسان قبل مماته ويعاقبون المنتحر بعدم الصلاة عليه او طلب الرحمة له,ويوارى جثمانه الثرى من دون اسف.

ويبقى ذلك العقاب هو عقاب انسان لانسان اخرغير عابئين بعقاب الله الذي يعتبر الاهم في الحياة البشرية.فهل يحق لانسان ان يعاقب انسان اخر بوجود الله؟ واذا كان عقاب الانسان مجرد من اعتبارالنواحي النفسية للمنتحركركن اساسي لو تم معالجته لما حصل ما حصل، فهل عقاب الله يعرج على الضغوط النفسية للمنتحر، فيسامحه من جريمة اقترفها بحق نفسه؟!!