تكون البداية عادة بتوزيع بعض الوريقات أو تعليقها على جدران الكليّة وتحوي عبارات مقتضبة للغاية مثلا (اجتماع عام اليوم على الساعة 12.30 ) أو (الاتحاد العام لطلبة تونس: اجتماع عام... مهمّ جدّا )
يقول وسام لإيلاف:quot;في الوقت المحدّد الذي غالبًا ما يكون راحة بساعة وحيدة داخل مختلف الأجزاء الجامعيّة تمتدّ من منتصف النهار و حتىّ الواحدة بعد الزّوال ، يجتمع النشطاء النقابيون في ذلك الجزء الجامعي أو المعهد العالي ليبدأوا اجتماعهم العام. أما ذهن الطالب العاديّ فيكون مشتتا في ذلك الوقت بين وجبة الغذاء وشرب القهوة وإشعال سيجارة أو الاتصال بأستاذ مشرف أو مقابلة احد الأصدقاء أو الصديقات في موضوع ماquot; .
ويتابع: quot;نضطرّ في غالب الأحيان إلى إطلاق موجة عارمة من التصفيق نحن النشطاء النقابيين للفت انتباه الطالب العادّي الذي قد يتردّد في الالتحاق بنا في مكان الاجتماع العام الذي يكون عادة في وسط ساحة الجامعةquot;.
التصفيق يؤتي أكله في مرحلته الأولى لكنه غالبًا ما يستنفذ مفعوله ، فمختلف الطلبة تعوّدوا سماعه وأدركوا انه إيذان ببدء اجتماع عام صاخب يتداول فيه عدد من النشطاء المعروفين بالفصاحة والخطابة الكلمة، الواحد تلو الآخر في آلية بدت في نظر عدد كبير من الطلبة غير المُسيّسين أسلوبًا عفا عليه الزمن.
معاذ براهمي طالب بكليّة التجارة يقول لإيلاف:quot;نحن الآن في القرن الحادي و العشرين وفي عصر الانترنت و سرعة تناقل المعلومة ، هل يقدر الطلبة على الاستماع الى تلك الخطب القروسطية التي لا تسمن و لا تغني من جوع ، اعتقد أن الغالبيّة العظمى من طلبة الجامعة التونسيّة يشعرون بأنهم غير معنيّين بذلك الكلام الفضفاض الذي يقال في الاجتماعات العامة الطلابيةquot;.
تخالفه في ذلك أميرة بن نصيرة طالبة الفرنسية بالقول: أعتقد أنّ كلامهم معقول ومهم للغاية، لكننا قد نختلف في الآلية التي يقدّم بها، أعتقد أن بقاء نشطاء الاتحاد في برجهم العاجي ومخاطبتهم للطلبة بتلك الطريقة المتعالية، أسلوب عفا عليه الزمن ، ربما لو تفتح نقاشات أفقية بين الجميع أو تلغى الطريقة الخطابية المتبعة حاليًا ستعاد الثقة بين الطلبة ونقابتهمquot;.
وتهمس أميرة بخفوت شديد: لا أخفيكم سرًّا أنني أخشى الاقتراب منهم، وإن كنت أدرك أنهم صادقون في دفاعهم عن مشاغل الطلبة وهمومهم لكنني أخاف كثيرًا الأمن الجامعي الذي يرابط أمام مدخل كلّ معهد ليراقب عن كثب الطلبة الذين ينتقدون الوزارة quot;.
الاتحاد العام لطلبة تونس الذي تشهده علاقاته مع السلطة تذبذبا واضحا خصوصا منذ انعقاد ما بات يعرف بـquot; المؤتمر 18 لاتحاد الطلبةquot; في مدينة quot;قربةquot; في العام 1971 حيث تكونت أغلبية من المؤتمرين تشكلت من يساريين و قوميين و دستوريين استطاعوا أن يمرروا لوائح تدعو إلى الاستقلال المنظمة عن الحزب الحاكم ، يزعج الحكومة بشدّة كونه ينشط مع كتلة بشرية مهمّة تضمّ أكثر من 330 ألف طالب.
و يشكو هذا الهيكل النقابي الطلابي الذي يتواجد ممثلوه في سبعين جزءا جامعيا من ضعف الالتفاف الجماهيري من حوله، كما يشهد صراعا كبيرا بين مختلف الرموز النقابية التي تمثّل تيارات وحساسيات سياسية متناقضة في البرامج و الأهداف.
و ترى ميساء النوري 22 سنة طالبة الهندسة أنّها تحسّ quot;بصراع خفيّ بين النشطاء المنتمين إلى ذات النقابة quot; و تتابع:quot;في أغلب الأحيان تتحوّل تلك الاجتماعات العامة إلى منابر للشدّ والجذب بين أطراف سياسية لا علاقة لها بمشاكل الطلبة، أقترح على مناضلي الاتحاد اللجوء إلى أساليب عصريّة والاستفادة من الشبكة العنكبوتية لتمرير مطالبهم وبرامجهم للطلبة ، هل يعقل ونحن في العام 2008 ألا تملك نقابة طلابية في بلد كتونس موقعًا الكترونيًا ، و لا حتى مدونة بسيطة تحوي بلاغاتهم الإعلامية و نشاطاتهم المختلفة؟quot;
ويعترف نشطاء الاتحاد بضعف اهتمامهم بالجوانب الإعلامية و التقنية في تحركاتهم النقابيّة و يعزون ذلك إلى قلّة ذات اليد وغياب التمويل و ضعف الإمكانات الماديّة والتكنولوجية اللازمة.
شكل آخر من 'أشكال الاحتجاج والممارسة النضاليّة السلمية' على حدّ تعبير بعض النقابيين الشبّان، الاعتصامات ، التي قد تصل في أحيان كثيرة إلى قضاء أيام متواصلة في بهو مبيت جامعيّ أو مطعم خاصّ بالطلبة أو حتى داخل إدارة إحدى الكليّات.
يقول وسام الصغيّر عضو الهيئة الإدارية للاتحاد العام لطلبة تونس لإيلاف :quot;شخصيّا أرى أنّ الاعتصام آلية تُخيف كثيرًا المسؤولين التوانسة، هي طريقة نضالية تهدف إلى الضغط عليهم للقبول بمطالب النقابيين الداعين إلى إيجاد حلّ لمشكل طالب أو طالبة في السكن أو المنحة ، أو دفاعًا عن تعرّض أحد الزملاء لطرد تعسّفي أو إحالة على لجنة التأديبquot;.
ويضيف:quot;منذ أيام قليلة اعتصمتُ وزملائي في مبيت جامعيّ في منطقة quot;بئر البايquot; بالقرب من العاصمة لمدّة 48 ساعة بعد أن استنفذنا كل الاساليب الأخرى من تفاوض وتهديد بشنّ اعتصام كبير، المبيت كان شبه فارغ ويحوي عددًا كبيرًا من الغرف الشاغرة ومُديرته تتقاعس في تلبية احتياجات الطلبة الذين اضطرّ بعضهم إلى المبيت في العراء لضعف إمكانياتهم الماديّةquot;.
مدير احد المطاعم الجامعيّة اعترف في تصريحات له لإيلاف بصعوبة التعامل مع الاعتصامات القاسية التي يلتجأ إليها 'بعض الطلبة الراديكاليين' على حدّ تعبيره و يقول:quot;على الرغم من أنّ أبوابنا مفتوحة على الدوام للتفاوض والنقاش من أجل تقديم خدمات أفضل لأبنائنا الطلبة ، إلاّ أنّ بعض النشطاء ممن يدعون تمسكهم بالعمل النقابي يصرّون على المضيّ قدما نحو الحلول القصوى ، حصل ذات مرّة اعتصام هنا استمرّ لثلاثة أيام و هدد الطلبة بالدخول في إضرابات عن الطعام تصوّروا !!! quot;
وعلى الرغم من أنّ الطالب العادي في تونس لا يشارك عادة في الاعتصامات التي تتجاوز بضع ساعات ، وتبقى الأخرى حكرا على النشطاء النقابيين المعروفين فقط ، إلاّ أنّ النقابيّ نزار 25 سنة والمعتاد على المشاركة في الاعتصامات طويلة الأمد اعتبر اللجوء إلى تلك الآلية quot;دفاعًا مستميتًا عن حقّ الطلبة المشروع في السكن و المنح و الظروف الدراسية الأفضلquot; .
وقال :quot;نحن نعتصم نيابة عنهم ، في كثير من الأحيان يقف معنا الطلبة إلى نهاية المطاف يشدّون أزرنا و يساعدوننا في كلّ شيء، نحن بالطبع لا نلزمهم بالحضور ولكن تلك الاعتصامات والإضرابات تعنيهم بالدرجة الأولىquot;.
وبخصوص الأصوات الطلابية التي تنادي بتطوير أساليب النضال النقابيّ يقول نزار:quot;ما عليهم سوى تقديم الاقتراحات إلينا ، وكلنا آذان صاغية ، لكن ليعلموا أنّ إمكانياتنا الماديّة محدودة للغاية فنحن لا نتقاضىرواتب مقابل نشاطنا النقابيّ والاجتماعات العامّة و الاعتصامات هي خياراتنا الوحيدة حاليّاquot;.




التعليقات