الناصرة: صدرت مؤخراً مجموعة شعرية جديدة للشاعرة الفلسطينية رانية ارشيد، وهذه المجموعة هي الثانية لها بعد "كراسة حب". وقعت المجموعة في (78) صفحة من القطع المتوسط، بتصميم وإخراج أنيقين، وهي إصدار خاص على نفقة الشاعرة، وهذا يطرح مجدداً أزمة النشر على حساب المؤلف، والتي يبدو أن لا حل لها في المستقبل القريب فلسطينياً وعربياً أيضاً، فعلى الرغم من المعاناة الكتابية، خصوصاً للكاتبات، فإن كثيراً منهن يتكبدن تكاليف إصدار كتبهن على حساب أشياء أخرى ضرورية، بعد يأس كبير من دور النشر والمؤسسات والهيئات التي تُعنى بنشر الثقافة.
على الغلاف الأخير للمجموعة الشعرية كتب الروائي سهيل كيوان: "صوت شعري هادئ، لكنه يتغلغل في أعماق النفس. بتؤدة وخطوات واثقة واصلت الشاعرة الشابة ارتقاء سلم الشعر في صعود لولبي مثابر. كانت مجموعتها الأولى "كراسة حب" إيذاناً بميلاد شاعرة، أما مجموعتها الثانية هذه "أبجدية خاصة"، فجاءت لتقول: إن الغرسة اشتد عودها، وصارت تطرح ثمارها الشهية. تأتي تعبيراتها الشعرية مصقولة كحبات الماس، فلا مكان للترهل في قصائدها، والغموض يترك مساحة للإثارة، والواضح يسحب القارئ إلى الغموض الجميل مثل ضباب الربيع الذي يخبئ في عبق نوار اللوزيات. قصائدها ملونة مفرحة للعين المتألقة، وهي في بحث مستمر عن الجمال وأسراره، وعن الحب والدهشة والعلاقة بين الموجودات. أفكارها متجددة ومفاجئة ومعادية للتكرار، لهذا فهي غير متوقعة، ذلك أن روح الشاعرة متمردة على ما هو مألوف. وقصائدها مغلفة بحب ينعكس على الطبيعة والأشياء وعلى كل ما يحيط بها؛ نرى هذا في قبلة الفجر، ونجده في الندى على أوراق العنب وزهور اللوز، ونجده في زرقة الغيم، وكأنها تطبع قبلاتها بشكل قصائد لهذا الكون الذي لا تريد أن تراه إلا جميلاً." قدم للمجموعة الشاعر محمد حلمي الريشة، فكتب تحت عنوان "عتبة خضراء" مقدمة حملت عنوان "قَفزةٌ مَهُولةٌ.. شِبْهُ مُطمئنَّةٍ إلى هَوَاءِ طَيرانِها": "بينَ مَجمُوعَتيها؛ "كرَّاسة حُبٍّ" وهذه "أَبْجديَّة خاصَّة"، ثَمَّة خُصوصيَّةٌ أُولى تَقدَّمتْ خطواتُها باستحياءِ شُعورِ زنبقةٍ نَحوَ عَتبةِ / سياجِ حَديقةِ الشِّعرِ الورديِّ كي تُسْلِمَ اثْنينِ؛ نَفْسَها المُرعَشةَ ونَفَسَها الحذِرَ لَها / للأَسرِ دَاخلَ فُسحةِ نَبضِها، فَتُحاولَ تَسجيلَ كلمةٍ خَافقةٍ بِنَدى ألَقِها فوقَ وَرقةِ اخضرارِ القَلبِ بَعدَ تَبرعمِ نِداءِ الشِّعرِ الخَفي.
وفي ثاني خُصوصيَّةٍ، تَجِدَ قَفزةً مَهولةً، شِبْهَ مُطمئنَّةٍ إلى هَواءِ طَيرانِها، من فَوقِ ذاكَ السِّياجِ بِهذهِ "الأبْجديَّةِ الخاصَّة"، مُعلِنةً شَهادةَ ميلادِها الشعريَّةِ بِنَفْسِها، وبِبَراءةِ بَرِّها المَعجُونِ بكيمياءِ الكلمَاتِ وقد خَلَعتْ خَجلَ رُوحِها بِحَركةٍ مَفجُوءةٍ بِها؛ لَها ولنَا، إذ رأَيتُها كتابةً لا تَفِيضُ عن حَاجةِ الشِّعرِ في زَمَنِ اغترابهِ الجَريحِ أَمامَ فَوضَى خُلَّبِ الصُّورةِ الآن.
في هذهِ المجمُوعةِ الثَّانيةِ لَها؛ ثَمَّة ما تَحكيهِ الشَّاعرةُ بِلُغةِ حوَّاسِها واسْتشعَاراتِها الذَّاهبةِ نَحوَ الغَوصِ في دَواخِلها كأُنثَى يُحاوِلُ صُرَاخُها الهادئُ أن يَبُوحَ بَِطوافِ طُوفاناتِها حولَ / ضدَّ السَّاكنِ / الجَامدِ؛ هذا الذي يَسلبُ بَريقَ الرُّوحِ النَّاضجِ من أبَاريقِ الحَياةِ..
إنَّها تريدُ، على الرُّغمِ من حُزنِ كَلماتِها الدَّافئة، أن تُلقِي بِجمَار ثَورانِ تَنُّورِها الخَفيضِ أمامَ الفَقدِ، شِبْهِ الكُلِّي، لِخَلجَاتِ الجَسدِ، بعدَ الرُّوحِ، غَيرِ المَرئيِّ والمُتعطِّشِ حتَّى لِرفَّة أملٍ، ولو بِجَناحٍ وَاحدٍ، كي تُشِيرَ إلى عَذاباتِ الإنسَانِ / الأُنثى في بَوتقةٍ تَزدادُ شِدَّتُها كلَّما شَعرتْ بأنَّ حَوافَّ الجُنونِ الواقعيِّ أكثرُ قُرباً من حَوافِّ هُبوطِها المُنتظرِ، منذُ أمَدٍ، نَحوَ مَنبعِ الرَّعشاتِ المَطمُوسِ بِاشتعالات الهَزائمِ اليوميَّة؛ تلكَ التي يَتصبَّبُ دُخانُها حتى على فُسحةِ جَبينِها الشِّعريِّ كلَّما حَاولتِ الانْتصارَ عليهِ لِتَنجُوَ بِعُيونِها أوَّلاً، فَتقرأ الحياةَ / حَياتَها بِوضُوحٍ كمَا تَشتهِيها، شاعرةً بِدَقائِقها وهي تَعبُر بِرَنينِ انْسِيابِها الطَّيريِّ وقد وَجدَ صَدى إيقَاعهِ داخلَ القَلبِ / قَلبِها الذي تضطرُّه الفِكرةُ المُشتَهاةُ أن يَقولهَا بِانشطارِ الشَّكلِ، لكن بِقوَّة المَعنى الضِّمني الذي يَتوقَّدُ كلَّما مَرَرْتَ عليهِ قِراءةً بِحَواسِّك الكلِّية.
تلكَ هي الشَّاعرةُ القَادِمةُ رانية ارشيد؛ تَضمُّ بين حَناياها بَواعِثَ آمالٍ وتَحلُم بِشُروقِ اليومِ التَّالي مثل زَهريةٍ تَنتظرُ ماءَها قبلَ أزهارِها.. وهذا هو شُعرها؛ يَقفزُ بك من عُلُوِّ شَوكةٍ دون مُلامَسةِ الأُخرى، لِتُبلغَك بأن أبجديَّتها الخاصَّةَ، لَيستْ خاصَّةً بِها وَحدَها؛ إنِّها محاولةٌ لاجْتِذَابك فَراشةً نَحوَ كُوَّةِ الضَّوءِ المُعلن، لا لِتكوِيك بهِ، بل لِتقولَ لك:
"هذا الجِدارُ مُحصَّنٌ أمَامِي
وخَلفَهُ هو..
فأجِدُني أنسجُ من خُيوطِ شَمسِ الغُروبِ
مُستَحِيلاً، يَصِلُني بِالغَد."
- آخر تحديث :



التعليقات