يهدي الشاعر فاروق مصطفى كتابه "باقة من أزهار الخباز لجيد كركوك"، الذي يفتتحه بمقاطع من مثنوية جلال الدين الرومي وشاعر اسباني وآراغون إلى: (أناس "جرت ميدان" الأمراء في الطيبة والنبلاء في البساطة والوفاء" لعل ما يذهل القاري وهو يقرأ مقاطع من سيرة الشاعر جنبا إلى جنب مع أحياء مدينته تلك اللغة الشعرية المتدفقة من أول صفحة من الكتاب وحتى آخر صفحة فيه، والتي تكشف عن نفسها في عناوين الفصول: "عندما تنادم قمصان كركوك البيضاء رياح الشتاء، "إعدادية كركوك..وداعا أيتها الأحلام البونابرتية"، مقاهي جرت ميدان "وأنا أشم تناجيات المقهى الناعس"، "السينمات الشتوية بيوت من الحلم يرتادها المتعبون"، "السينمات الصيفية حدائق أصوات الليل"، "طريق الغسق إلى جرت ميدان"، الربيع يليق بـ تعليم تبه"، كاوورباغي ذلك البستان المطلسم"، "محطة القطار..الدفلى والأسفار التي لا تنتهي"، "زاد الجنى إلى يمائم إمام قاسم"،"بنفسجتان بين يدي السوق العصرية"، "عشق كركوكي لذاكرة تتوهج ومخيلة تنداح".
منذ أول سطر يختطفك الكتاب، إلى جولة في أزقة وسيرة أحياء وشوارع وسينمات كركوك، التي يتحدث عنها الشاعر بعد أعوام خمسين من أحلام العمر، في الحي الذي سار فيه شابا وكهلا بين بيوت (جرت ميدانى) الوادعة وجدران مقبرة "سيد علاوي"وأسوار بساتين " كاوورباغي "، حيث لم يبق من المقهى الذي شيده والده عام 1937 إلا شجرة توت معمرة لا تزال تقف شاهدة على زمن مضى، وعلى أناس تسربلوا طوال حياتهم بالطيبة والنبل غادروا هذا الزمن الواحد تلو الآخر.
يتحدث الشاعر عن هذا المقهى بمخيلة شاخصة، والذي كان يمتاز بوجود جهاز الحاكي "الغرامافون" فيه وعشرات من اسطوانات (جقمقجي)، ولقربه من المعسكر كان الجنود وخاصة أولئك الذين هم من الجنوب، يلحون في سماع أغاني خضيري أبو عزيز. وكانت قصص الـ (سفر برلك) عن الحرب العالمية الأولى، التي كان سمعها من والده يزيد من بريق ذاكرته ويوسع مساحات مخيلته. لكن الزمن الغادر يلعب لعبته كعادته فلا يترك من ذلك الزمن المشحون بالنبل والاصالة إلا رفاق أدركتهم الشيخوخة، و التوتة الشامخة التي طالما جلس تحت أفيائها نزلاء رحلوا كما يرحل أي مسافر بعد نهاية رحلته.
في الكتاب تختلط الذكرى بالسيرة الذاتية، فيروي الشاعر جزءا من حياته في إعدادية كركوك وانبهاره مع بقية زملائه بمحاضرات المرحوم علي عباس عن نابليون بونابرت وحروبه..ويروي بأسى وهو يتحدث عن السينمات الشتوية بكركوك " بيوت الحلم التي يرتادها المتعبون " والتي أمتعت وطوال عقود روادها ومحبيها، يتحدث بأسى عن تحول سينما الحمراء إلى مرآب ومتجر وتحولت صالتها الشتوية إلى مخازن للكماليات، بينما أزيل كل أثر لسينما العلمين في سبيل إقامة عمارة حديثة على أطلالها،ولم تغف يد الإهمال والاغتيال سينما أطلس،التي كانت أفضل دور السينما في كركوك، حيث تم ازالة الصالة والواجهة وتحولت إلى مطعم يقدم المأكولات السريعة، بينما قضت النيران على سينما صلاح الدين.. وبدلا من هذه السينمات التي كانت تعتبر واجهة المدينة ووجهها المشرق، لا توجد الآن في كركوك إلا دارين للعرض، سينما القلعة التي شيدت على أنقاض سينما أطلس الصيفي،والثانية سينما العلمين الجديدة في الشارع المؤدي إلى شارع أطلس من شارع الأوقاف.
ولا ينس الشاعر الوقوف بمودة تشوبها الحزن على دور "السينمات الصيفية ـ حدائق أصوات الليل "، التي كانت تقدم لروادها أفلاما تفتح لهم كما يقول، عالما ثانيا إلى ما وراء القارات، لا يعودون إلى وعيهم إلا بانتهاء الفيلم واشتعال أضواء المصابيح. وكان يمكن سماع أصوات أبطال الفيلم وخاصة في (سينما النجوم) الواقعة قرب مقهى أحمد آغا ْ وعبرها إلى (جرت ميدان)، في ذلك الزمن الجميل هل كان بالامكان ان يفوت أحد من محبي السينما فيلم لفريد الأطرش أو شكري سرحان أو كلين فورد أو كيرك دوغلاس أو برت لانكستر ؟.. وكانت (سينما الدنيا) التي كانت تحاذي سينما العلمين الشتوي والصيفي يزيد من بهجة الشارع.. وخلف هاتين الدارين كانت سينما الحمراء بقسميها الشتوي والصيفي...وفي الجهة المقابلة لسينما أطلس كانت سينما السندباد الصيفي تتوسط شارعي أطلس والمجيدية.
يدلف الشاعر في أكثر من مرة من ميدان أحمد آغا نحو حيه (جرت ميدان ـ ميدان الفروسية)، وصوب مقبرة " سيد علاوي " المجاورة لبساتين " كاوورباغي " حيث يمر المارة من أمام المقبرة في التصاق وثيق بين الموت والحياة. ويطلق الكاتب على هذه الصور الحية تعبير "الكرنفال الليلي الذي يليق بـ "جرت ميدان". معترفا ان الثالوث "جرت ميدان" وبستان "كاوورباغي" ومقبرة "سيد علاوي" قد ترك بصمات لا تمحى على أقاليم روحه. في بستان كاوورباغي وتحت أفياء أشجار الزيتون، أثناء احتفالات العوائل بقدوم الربيع وتناولها مختلف الأطعمة فيها على أزيز بخار "السماور" حيث تدور أقداح الشاي، كم قلب غض يبدأ بالتعرف على نبض الحب، ويعيش خفقانه وهو يرى غادة ترتشف بشفتيها الوردتين قدح الشاي وترمقه بنظرات هي أبلغ تأثيرا من ألف كلام، مختصرة عشرات الجمل المفيدة، بنظرات خاطفة فيها الغنج و القبول المدلل، ليبدأ منذ تلك اللحظة لهيب قصة حب يعلم الله متى تخمد. مثلما كان "كاوورباغي" كائنا حيا بالنسبة للجميع، ينهض في النهار ويسترخي في الليل، فان سحر هذا المكان ظل في قلب الكاتب حتى عند بناء مدرسة ابتدائية قلب هذا البستان واقتلاع عدد من أشجار الزيتون في سبيل ذلك.
ليس في وجدان الشاعر حنين إلى حيه (جرت ميدان) ورديفه (كاوور باغي)فحسب، بل يتحدث بحميمية عن تلك اللحظات التي كان يخلد فيها للقراءة في عربات القطار، التي كانت تخلد للراحة بعد رحلة متعبة إلى بغداد، تستغرق ثماني ساعات. ففي محطة قطار كركوك " محطة القطار..الدفلى والأسفار التي لا تنتهي " يلجأ مع رفاقه بحثا عن مكان مريح للقراءة أو اتقاء للأمطار الغزيرة. وهنا يشير الكاتب إلى ورود اسم (محطة قطار كركوك) في رواية (الشبح الرهيب) لأجاثا كريستي من خلال الوقائع التي تسردها في الراوية، الممرضة ايمي ثيران، التي تركب القطار الصاعد من بغداد إلى كركوك، حيث الأحداث تقع في بعض المناطق الأثرية التابعة لمدينة الموصل، في المكان الذي كان يعمل زوج الروائية كريستي فيها كعالم آثار. ويتساءل ترى هل ركبت آجاثا كريستي هذا القطار، ومرت من كركوك؟
وفي حديثه عن السوق العصري " بنفسجتان بين يدي السوق العصري " الواقع بين شارعي المجيدية وأطلس، يتحدث الشاعر فاروق مصطفى عن تفاصيل هذه السوق، التي تقع " المكتبة العصرية " التي كان يتزاحم على واجهتها : يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس ومحمود عبدالحليم وميخائيل نعيمة ومارون عبود ومطبوعات الهلال ومجلات الأديب والآداب والمعارف.
إحدى كوتي في السوق العصري، محل لصياغة الذهب يعود إلى شقيق القاص جليل القيسي. وقد حل القاص محل أخيه الغائب (أعتقد انه كان معتقلا)، وكان وجود القيسي كافيا ليحول المحل إلى منتدى لتجمع أدباء جماعة كركوك. فمن المترددين القاص الراحل يوسف الحيدري وجان دمو تتقدمه (كما يقول الكاتب) قصائده الغرائبية،وسركون بولص الذي يصل على دراجته الهوائية وفي جعبته مشاريع قصصية وشعرية وقصاصات. وبذلك أصبح المحل بفضل وجود القاص جليل القيسي فيه إلى مقصد لكل أديب ومتأدب يفد إلى كركوك.
مدينة كركوك لا تنام إلا على إيقاعات شعرائها ولا تستيقظ (كما يسجل الكاتب) إلا على وقع تلك الأغنية التركمانية الشعبية، التي يتمنى فيها المغني ان يكون حجرا عند أساسات القلعة ليعرض وده للعابرين. ليس غريبا أن يكتب الشاعر فاروق مصطفى عن مدينته ويمزجها بسيرته الذاتية صبيا وكهلا. ففي ولهه هذا، كأن به يقول لمدينته وأحيائها ما قاله لاجيء في بابل قبل قرون "فلتنسني يميني ان نسيتك يا قدس!"
فاروق مصطفى يسترجع في كتابه الصغير حجما، المغاير، المطلسم، والمؤثر بمصداقيته ولغته الشعرية الرائقة والراقية،نشوة النزهة في المدينة، وسط ضباب الذكريات في المدينة وأزقتها وأحيائها، التي طالما قاسمته أيامه ومعاناته وصداقاته وخبزه اليومي.
في كتابه هذا يقدم فاروق مصطفى اضمامة ورد تعبيرا عن الشكر والعرفان إلى مدينته كركوك وحيه الأثير (جرت ميدانى) معاهدا نفسه، أن لا يكف عن حبها وحب أهلها وشوارعها وسكينتها وعواصفها في كل مكان وزمان مهما تغيرت الأحوال والظروف.
إصدارات الشاعر فاروق مصطفى :
ـ قمصان الغيوم المتدلية / شعر
ـ أرصفة الدفلى / شعر
ـ جماعة كركوك / استذكارات.




التعليقات