كيف بفجري وقد ثقل على كتفي نعشك؟

1

لم تمهلني ، فتركت على بابي غيمة ارملة
اسلمتني الى مدينة مقفلة
بابها الغربي من صحراء مسلحين
وجنوبها البسيط من بساتين اوباش وفسائل كراهية
لم اوافيك بحلمي الأخضر
ولا يداك اخذتني الى شرق بيتنا
خشية منك على طراوة في قلبي
وحذرا من اعياء
ورفقا بسماء مبددة في شرق البلاد
لم تمهلني ، فتركتني الى قلق
كأنه الندى الإنثوي في رمضاء الفحولة .
مالمنفى ان لم يكن يتمي بعدك
اين اذن فرحك بكلامي
"المنفى : مكان لم اعد بحاجة اليه"

2
في رثاء الجمال ...في مديح الأمل

في العام 1961 كنت في سنتي الدراسية الاولى حين جاءت الشرطة و" داست" بيتنا في المسيب الغافية على الفرات ، واقتاد رجال بمسدسات الى سيارة الشرطة الخضراء اخي الذي كان يقضي عصر ذلك اليوم الصيفي قرب مكتبته .لم يكن الحدث سهلا عليّ لجهة ما اشقاني منظر امي وهي تشهق بالدعاء لحرية قاسم عند كل صلاة ثم تجهش ببكاء مرّ فامضي اليها سريعا واجلس على طرف سجادتها مستنشقا رائحة " ماء الورد" في آزارها الذي كنت اقارنه بين ما تعلمته في "القراءة الخلدونية" حيث " آزار امي ازرق "، ولكن ازار العلوية خديجة محمد حسن كان ابيض ، وكنت اتمنى لو تطابق اللون بين ما تعلمته في الدرس الأول ومشهد امي وهي تصلي.
الحدث علمني مبكرا ايضا، معنى الجدية ومعنى المعرفة ومعنى التحدي، فاثيرت حال طوارىء في البيت لا من اجل اطلاق قاسم من سجنه ، بل من اجل ايصال كتب السنة النهائية ( البكالوريا) اليه في السجن ، فالامتحانات على الابواب ، وقاسم قرر تحدي سجنه في الاستعداد للامتحان المصيري الذي يرسم المستقبل ( الدراسة الجامعية) ، وامي استلمت الرسالة ووقفت الى جانب قاسم بقوة في خياره ، وجابت من اجل ايصال الكتب الى داخل السجن ، جابت طرقا مغلقة تارة وسهلة تارة اخرى ما بين المدرسة ودائرة التربية ، والقاضي الذي كان يسكن في واحد من بيوت حكومية عدة مطلة على شاطىء الفرات .ولأن النفوس لم تكن مغمورة تماما بالفساد والنذالة في تلك الايام ، فقد وافق القاضي على حق قاسم باداء الإمتحان النهائي واصدر حكما الزم الشرطة بتنفيذه ، وعلى ضوء ذلك حملت الكتب مع امي وذهبنا الى السجن فقابلنا قاسم بفرح لم اجد مثله وقد شع في عينيه ، وفي باحة السجن احتضن امي ثم رفعني وانا ابكي مع الكتب التي كنت اضغط عليها كي لاتسقط وكأنني كنت احمل سر خروجه الى الحرية.
بدأ قاسم يؤدي امتحاناته ، وفي ضحى يوم صيفي كنت الهو في باحة بيتنا مع صقر صغيرحمله الفلاحون من زبائن كانوا يفضلون شراء البضاعة من محل بقالة والدي ، حملوه هدية لي لكنني تركت الطائر ما ان دفع شرطي الباب وهو يصطحب قاسم المقيد اليدين الى داخل البيت .كان الشرطي رافق قاسم الى المدرسة لإداء امتحانه ، ويبدو انه رق لحال الشاب فاستجاب الى طلبه بزيارة قصيرة الى البيت ، ولكن فرحتي بعودة اخي انتهت اذ سرعان ما اخذه الشرطي ثانية الى السجن ،مثلما انتهت فرحتي بالصقر الصغير فنسيت الخيط الواصل بين اصابعي وقدمه ، فطار الصقر وعاد قاسم الى السجن فمضيت الى حضن امي ابكي الإثنين.
في السجن نجح قاسم في البكالوريا ، صحيح انه لم يحقق نتيجة كاملة وهو الذي اعتاد ذلك في الايام الطبيعية ، لكنه لم يكره " معدله المتوسط" الذي اوصله الى كلية الزراعة ، وفي جدية لافتة اعتبر وجوده في ذلك المحيط العلمي تحديا جديدا فاكمله بتفوق رغم مشوار سجن جديد رافقه في دراسته ، وجاء بعد انقلاب البعث الدموي في 1963، وحينها عشت قصة اخرى مع سجن قاسم ، حين جبت متعلقا باذيال عباءة امي طرقا وممرات بين امن بغداد ومديرية الأمن العامة وسجن الحلة وصولا الى بيت الحاكم العسكري العام رشيد مصلح التكريتي ، الذي انتظرت والدتي خروجه من البيت لترمي نفسها امامه متوسلة له اصدار امر اطلاق قاسم بكفالة حتى موعد مثوله اما المحكمة متهما بنشاطه كشيوعي.
وفي حين مثل هذا الأمر والذي وافق عليه التكريتي ،ما يشبه المعجزة، كنت انا من افسد على امي فرحتها برؤية قاسم حرا وعائدا الى دراسته الجامعية ، فقد وضعت موافقة الحاكم العسكري بين يدي كي احفظها جيدا ونحن في السيارة ما بين بغداد والحلة، لكنني ولسوء حظي سهوت قليلا ، فضاعت ورقة الموافقة على اطلاق قاسم من سجنه ، ضاعت في مكان ما بين الأمكنة الكثيرة التي تنقلنا بينها ، ولتبدأ والدتي من جديد بالرحلة الطويلة ذاتها بلا كلل او ملل ، باحثة عن الامل وان كان ضيقا وبين اقبية سجون "البعث" وسلطة " الحرس القومي" الدموية.

3
هنا ارثي الجمال في سيرة انسان انيس وحالم وعادل وموضوعي ، تعلمت منه رقة الموسيقى دون ان يتحول الى ملقن ، مثلما تعلمت منه جدوى الفكرة الإنسانية حين تتحول موقفا حياتيا، وتستحق حين تكون عادلة ان يجند لها الفرد كل ما فيه من دأب واخلاص . تعلمت منه التسامح في بيئة سياسية وثقافية واجتماعية عراقية قائمة على الكراهية والإقصاء ، وعرفت منه شهد الصدق موقفا حيال سموم الزيف والتضليل والخداع ، جبلت معه على حب الأدب الرفيع منذ ان اهداني " ثلاثية نجيب محفوظ" تقديرا لنجاحي بتفوق وانا انهي دراستي المتوسطة ، مثلما عرفت معه كيف يتحول البيت الشخصي الى فسحة محبة مفتوحة على خطوات الناس ، ثم كيف تتحول روح البلاد دمعا صادقا واملا حتى وان ضاق بين خنادق الموت في الحرب ، او مع المعاني السود للطغيان ، وهنا للراحل الجميل اكثر من حكاية وموقف ، فهو الذي راوغ القسوة دون ان تتمكن ثقافة الإنحطاط من جوهر فكرته ، رغم ان عملي كاتبا وصحافيا معارضا لسنوات في خارج البلاد جعله تحت دائرة ضغوط السلطة الغاشمة . في سنوات منفاي كانت رسائله نصوصه متوهجة بالعذوبة وبالعذاب ، تشع وجدانا مجبولا على الأمل ، كان يمدني باشارات لاتنتهي – وان كانت رموزا – من ان امضي في خياري الى آخر الشوط حتى وان كان مثار متاعب لا تنتهي بالنسبة اليه . كان يشدني الى فجيعة شخصية ، حين يقول لي انه شعر باليتم الحقيقي حين اصبحت المسافات بيننا بعيدة ، مثلما كان يلعب بمهارة على اشواقي حين يصف زياراته الى كربلاء او النجف كلما شعر بان خطرا جديا بدأ يحيط بي ، وكيف كان يحيي ذكرى وفاة امي وابي بشموع وابتهالات مضاعفة سببها غيابي الذي كان بدأ ليس من خروجي الى المنفى ، بل منذ ان اخذتني الحرب من بيته الرحيب الى مواسمها المرعبة ، وكيف قطع مئات الكيلومترات مرعوبا يبحث عني بين الجثث والاشلاء الممزقة يوم انكسر ظهر البلاد في حرب الخليج الثانية ، وكيف ضمني اليه وانا حطام انسان ، وكيف ضمني مودعا اياي قبل سفري الى خارج البلاد حاملا معه نصي " هذه الارض ليست لي" الذي احزنه كثيرا بل اشقاه لما وجد فيه من نبوءة ما كان يريد ان يصدقها رغم انه تحدث لي مطولا عن عميق رؤاها، وكيف ضمني باكيا كطفل حين عدت الى البلاد ليهدأ قليلا من مخاوفه علي ثم عاد اليها مع اول اطلالة لوحش العنف البعثسلفي ، وهو يراني ناشطا في الاعلام والمؤسسة السياسية ( مجلس الحكم) دون ان يدري ان القتلة سيكونوا ابرع مما تصور ، فقتلوني يوم حفروا برصاصهم جبهته المضيئة.

قاسم عبدالأمير عجام بعدسة اخيه
لم يعلمني حب الأرض لكنني ادمنت ذلك فيه حين زاوج بمهارة بين حكمة التربة حيث تخصصه العلمي وحذاقة النقد الأدبي والفني ، ولم يكن يشير الي بحاجة الأديب الى المعرفة العلمية التي تزيد اللغة والخيال خصبا لكنني عرفت ذلك من مشاريعه التي امتدت من " مايكروبايولوجيا التربة" الى دأبه العميق في تحليل النصوص الأدبية والنظر بمزيج نادر من الفكر الإجتماعي النقدي والدراية بجماليات فنية الى الاعمال السينمائية والدراما التلفزيونية.

4

واذا كنت بدأت استذكار رحيلك ايها الحبيب بابيات من نص طويل ، فها انا انهي هذا التطواف حول حدائق عبيرك بابيات منهكة كروحي:

ماالأمل المكسور الجناح
ان لم يكن البلاد بلا قلبك الرحيم؟
مالفرح الذي ترقص له الروح
ان لم يكن نهارا ناعما
من ريش حمامات ، تحط آمنة في باحتك
قل لي كيف بفجري وقد ثقل على كتفي نعشك؟
وكيف لي ان اشدو عدلا والميزان اختل بموتك؟
امهلني يابن امي بالله عليك
كي لايجف في دمي غدك
بالبتول عليك ، ان تشفق على غربتي

واشنطن 14 ايار 2005