قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

العولمة والإعلام
ثقافة الاستهلاك..


العولمة في المعنى المعجمي هو أن يتخذ شيء ما بعداً عالمياً.. إلى هنا يبدو الأمر بريئاً وشرعياً.. غير أننا عندما نذهب إلى معناها الاصطلاحي المتعارف عليه في حقول السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام فإن الأمر لا بد من إخضاعه للمساءلة، التي قد تطيح بهذه البراءة وتلك الشرعية، ولا سيما إذا جرت ـ المساءلة ـ على وفق المعايير الإنسانية والأخلاقية العامة.ولكن هل تستطيع عملية الإخضاع هذه المجردة إيقاف زحف العولمة وتأثيراتها الواسعة؟. الجواب بالتأكيد هو؛ لا.. ذلك أن العولمة تتحول اليوم إلى قوة شبحية هائلة، تسيّرها مصالح واستراتيجيات وأطماع.. وتشتغل على الأصعدة كافة.. فهي تسعى إلى تغيير صورة العالم، والبطش بتوازناتها القديمة، والتأثير في دقائق حياة الأفراد والمجتمعات.. ولذلك فإن لها آلياتها العاملة في حقول الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام .. فالعالم مع العولمة يتحول في علاقاته وأشكال مؤسساته، وأنماط مفاهيمه، وأنظمة قيمه، واتجاهات السلوك في مجتمعاته ، وهويات هذه المجتمعات، (حتى أن مفهوم الهوية ذاتها يتخذ بعداً ومحتوى مختلفين ). وكذلك في اهتمامات البشر وأذواقهم وحسهم الجمالي ، وثقافتهم وأخلاقهم . وفي كل هذا تلجأ العولمة من خلال استثمار التطورات الحاصلة في مجالات الاتصال وتقنيات المعلوماتية والإعلام إلى تهيئة الأرضية النفسية والثقافية في المجتمعات الأخرى، ولا سيما في العالم الثالث ، لقبول طروحاتها والانجذاب إلى ( النموذج الحياتي ) الذي ترغب في تعميمه، وبذلك فإن الخطوة الأولى أمام هذا الطوفان العارم هو أن نفهم ماهية هذه العولمة واستراتيجياتها وأهدافها ، والمؤسسات والحكومات التي تتبناها وتروج لها، وكيف تعمل؟. وماذا تريد على وجه الدقة ؟. وإذ ذاك علينا أن نطرح السؤال الضروري والخطير: ما العمل؟. وأيضاً؛ هل تعد هذه العولمة قدراً نهائيــاً على العالــــــــم الاستسلام له.. أم هي ظاهرة تاريخية شاذة وعابرة ، كما الاستعمار، وإن كانت تمتلك وسائل وأساليب وآليات أكثر حذاقة وخطورة ، وفاعلية؟.
وعلينا في البدء أن نفهم أن هذه العولمة ـ بصورتها وموجهاتها، وقواها المحركة الحالية، على الأقل ـ لا تنطوي على حلول سحرية لمشاكل العالم المتخلف والنامي، ولن تقودنا، في ظل اختلالات القوى السائدة في العالم، إلى الفردوس المفقود على الأرض، كما تدعي. وعلينا بالمقابل، أن نؤمن بأن الإنسانية، في جانبها الخيّر تحوي من الممكنات ما تجعلها، إذا ما توفرت لها الإرادة والتصميم وشروط الفعل، أن تتعايش مع هذا المقترح الرأسمالي، من دون أن تكون مطية له.
وإذا كانت العولمة من خلال الشركات عابرات القارات، والمؤسسات والمنظمات المالية والتجارية الكبرى قد عولمت أسواق كثيرة انفتحت أمام منتجاتها ورساميلها فإن العولمة في الجانب الآخر تروم غزو العقول وتفتيت الثقافات، وإشاعة النمط الحضاري الغربي، ليسهل عليها، من ثم، إحكام سيطرتها على العالم بأسره. وفي هذا فهي تعمل على عولمة الإعلام، وجعل الإعلام في خدمة العولمة ظاهرةً وإيديولوجيا. فالعولمة هي إيديولوجيا الرأسمالية في ذروة احتكار السلطة والثروة.. هي التصور الشمولي لتلك الفئة من البشر التي تركز عناصر القوة كلها بيدها، لتجعل من العالم رقعة شطرنج هائلة، عبر محاولة تدجين الإرادات تحت سيطرة الرأسمالية الغربية، ولا سيما الأميركية.

* * *
يستهل الدكتور مؤيد عبدالجبار الحديثي مقدمة كتابه ( العولمة الإعلامية والأمن القومي العربي ) بمقولة ألفين توفلر: (المعرفة هي المحور الذي ستدور حوله حروب المستقبل وثوراته الاجتماعية.. إنها القاعدة الأساسية لظاهرة العولمة " Globalization " ) .. ففي عصرنا الراهن تغدو المعلومة هي قاعدة القوة، والمجال الحيوي للاستثمار الرأسمالي الذي يدر أعلى النسب من الأرباح.. وتكون المعرفة سلطة من نوع آخر، تتفوق في تأثيراتها على أية سلطة أخرى عرفتها الإنسانية في السابق، فنصبح تحت طائلة التغيرات المتسارعة الحادثة في حقول الاتصالات والمعلوماتية والإعلامياء في حقبة أخرى تختلف في خصائصها وموجهاتها عن الحقب السابقة.. وعندما يقول لنا الدكتور الحديثي أن العولمة ( ليست ظاهرة جديدة، بل قديمة قدم التاريخ، عندما كانت تتصدر حضارة ما باقي الحضارات وتقود العالم ) مستلاً، ومعولاً على أطروحة حسن حنفي في ذلك، فمن حقنا أن نوضح أن العولمة، وإن كانت تشبه في هذا النزعات العالمية الكوزموبوليتية للحضارات والدول السابقة فإنها تختلف عنها من حيث الكيف، في وسائلها وأهدافها وادعاءاتها..
وحين يستعرض المؤلف مفردات من قبيل ( التبعية، الاندماج، التكيف، الاعتمادية المشتركة، الهيمنة، الإمبريالية، أمركة العالم.. الخ ).. يرى بأن ( العولمة ليست رديفاً لأي من هذه المفردات أو المصطلحات، لأن حقيقتها أكبر من تلك المفردات مجتمعة. فهي نظير لمجموع تلك المصطلحات في الأقصى، ولمعظمها في الأدنى. لذا لا ريب أن تضحي العولمة نظاماً تتكامل فيه لغة السياسة والاقتصاد والمعلوماتية. حيث يجد فيه النفوذ السياسي مداه الاقتصادي، بينما يتكئ النفوذ الاقتصادي على ظهيره السياسي، ويتدخل عالم الثروة الاتصالية ليؤطر الظاهرة بأبعاد متداخلة.. ).
وقبل شيوع مفهوم العولمة طرح ألفين توفلر مفهوم الموجة الثالثة التي دشنتها البشرية مع عصر المعلوماتية والحواسيب بعد الموجة الأولى الزراعية والموجة الثانية الصناعية، وهو ـ توفلر ـ يقول لنا أن الهم الكبير ( كان في العصر الصناعي، هو صنع الأشياء. وفي الوقت الحاضر يبدأ همنا الأول بإدارة الأشياء ). وكذلك يؤكد أن ( المبدأ القائل بأن المعرفة هي السلطة أصبح منذ الآن عتيقاً. فلكي تُمارس السلطة تحتاج إلى معارف عن المعرفة ). وبهذا نكون مع العولمة أمام ظاهرة مركبة ومعقدة، متعددة الأوجه إطارها المفهومي ملتبس، ومن الصعب الإمساك بجميع آلياتها.. فهي إيديولوجيا بمعنى انطوائها على منظومة من أفكار وأهداف محددة. وهي مجموعة من الإستراتيجيات المتوافقة لمؤسسات وحكومات وأشخاص تبدو مستقلة بعضها عن بعض، ولكنها تعمل، إلى حد بعيد، بالموجِّهات والاتجاهات ذاتها. والسؤال المحيرالآن، ربما، هو: هل أن العولمة حالة متحققة، أو هي في طور التحقق؟. أهي حلم حالمين، أم خدعة رأسمالية؟.

* * *
يجري العمل على نطاق واسع، ويغدوالاتجاه الغالب، في عالم اليوم هو عولمة الإعلام، وتحتكر أميركا، على سبيل المثال، نسبة عالية من صناعة الأخبار، وبث المعلومات عبر الفضائيات وشبكة الانترنيت، ووكالات الأنباء، وهي ـ أي أميركا ـ ( تصدر عبر شركاتها ما يقارب ثلاثة أرباع البرامج التي تبثها عبر العالم، في حين لا تتعدى نسبة ما تستورده 2% ) وتشير الدراسات ( إلى أن 97 % من الأجهزة المرئية موجودة في الغرب الذي يمتلك أيضاً 87% من الأجهزة المسموعة وأن 90% من مصادر الأخبار في دول العالم الثالث مستوردة من الدول الغربية ). والمفارقة أن أوروبا نفسها ( ناهيك عن العالم الثالث ) تعاني من هذا الغزو الإعلامي والثقافي الكاسح، فعلى سبيل المثال ( يتجلى العجز الأوروبي في كون هذه المجموعة قد صدّرت إلى أميركا عام 1992 ما يقدر بـ 250 مليون دولار من الإنتاج السمعي المرئي في ما استوردت من الولايات المتحدة ما يقدر بـ 3750 مليون دولار ) . ونلمس هيمنة كاملة للغة الإنجليزية التي باتت اليوم لغة الاحتكار المعرفي والإعلامي / المعلوماتي، لتكون بذلك أداة للثقافة الأنجلوسكسونية، في فرض نموذجها الحضاري:
( إن 88% من معطيات { الانترنيت } تبث باللغة الإنجليزية مقابل 9% بالألمانية و 2% بالفرنسية، و 1% يوزع على بقية اللغات الغربية ) و ( أن السيطرة الأميركية على العالم تستند إلى هيمنتها على الاتصالات. فثمانون بالمائة من عدد الكلمات والمشاهد والصور التي تدور حول العالم تأتي من الولايات المتحدة الأميركية ).
أما في ما يتعلق بعدد مستخدمي الانترنيت في العام 1997 ـ مثالاً ـ ( يقدر… في ثمانية من الأقطار العربية ما مجموعه " 215503 " مستخدم مقارنة بما مجموعه 30 مليون مستخدم في الولايات الأميركية و 9 ملايين في أوروبا ).
كما أن الثروة الاقتصادية تتركز يوماً بعد آخر في يد قلة قليلة من المليارديرية الغيلان ( وفي تقدير للأمم المتحدة أن 358 شخصاً من كبار أثرياء العالم يساوي حجم مصادر ثروتهم النقدية حجم المصادر التي يعيش منها ملياران وثلاثمائة مليون شخص من فقراء العالم ).بالمقابل تتركز سلطة الإعلام بيد من يسمون ببارونات الصحافة ( من أمثال ماكسويل وروبرت مردوخ وهيرست. ففي الولايات المتحدة هناك خمسون شركة تمتلك معظم وسائل الإعلام. وفي بريطانيا هناك ست شركات إخباريـة كبرى تسيطر على ثلثي الصحــف والمجلات ). نسوق هذه الأمثلة لبيان أن قوى بعينها توجه الوعي والمخيال لمليارات من البشر ـ تبعاً لمصالحها الخاصة، الضيقة في غالب الأحيان ـ فهذا الإعلام يخلق الإنسان المستسلم الذي لا يعرف إلا ما يريــــدون له أن يعرف.. فالصناعة الإعلامية ( العولمية ) جعلت تغيّر من أنساق الأفكار والقناعات والآراء بوسائلها المعروفة وغير المعروفة.
يعتمد الإعلام في عالمنا المعاصر على الصورة، والعولمة الإعلامية هي نتاج تزاوج بين سيل المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة. فالمعلومة باتت تعبر من خلال الصورة.. وقد أضحت الصورة وساطة خطيرة للتأثير في الوعي والمخيال.. في الأفكار والقناعات.. في العواطف والغرائز.. وهذا كله يجعلنا إزاء حقيقة راهنة تفرض نفسها علينا، ولا يمكننا تجاوزها، وهي أننا لا نستطيع مواجهة تحديات العولمة إلا باستثمار هذه الأداة نفسها ـ بالاتجاه الآخر ـ فالصورة أداة حيادية وخام، قبل استخدامها، بالمستطاع ، إذا ما توفرت القدرة والكفاءة والرؤية الصحيحة، جعلها في ضمن فاعليتنا الثقافية والإعلامية، وتعزيز آراءنا وأفكارنا من خلالها. وإذا كان بالإمكان المراوغة في صياغة الجمل عند التعبير عن حدث أو فكرة، والسكوت عن تفاصيل وجوانب وأشياء، فإنه في حالة الصورة أيضاً يمكن المراوغة، وربما بشكل أكبر. فاختيار صور بعينها وإخفاء أخرى وتحديد زاوية الرؤية عند تقديمها سيؤثر على وجهة نظر المتلقي. ناهيك عن أن الصور قد لا تعكس حالات العالم الداخلي/ الباطني، وما تعتمل فيها من أفكار وهواجس ومشاعر، وتكون بحاجة إلى معونة الكلمات.. هنا تغدو الكلمات في خدمة الصور المختارة، وليس العكس كما كان يجري سابقاً في مجال الإعلام.
وتهيئ ثقافة العولمة ـ إن جاز أن نطلق عليها اصطلاح ثقافة ـ إلى حد بعيد، مستلزمات وشروط الهروب من الواقع، أو التعامي عنه.
يحتكر الغرب، ولا سيما أميركا صناعة الصورة ـ إنتاجها وتسويقها ـ فواشنطن ( لوحدها تسيطر على 65 % من حجم الاتصال المتداول في العالم، كما أن أميركا نفسها تحتكر 35% من عملية النشر في العالم و 64% من الإعلان الدولي و45% من التسجيلات و 90% من أشرطة الكاسيت و 35% من البث عبر الأقمار الصناعية.. وهذا يعني أن أكثر من ثلثي حجم الإعلام الذي يبث في العالم قادم من أميركا.. ). وهكذا نجد أن الصور اليوم تخدم غايات وإستراتيجيات قوى ومؤسسات وأنظمة بعينها تمثل العالم الرأسمالي الغربي، وتدفع الآخرين إلى مواقع السلبية والهامشية والاستهلاك المحض. ويتنبه مفكر من طراز الفرنسي ريجيس دوبريه إلى هذه المعضلة الشائكة، فيؤلف كتاباً بعنوان ( الميديولوجيا )، والتي يقصد بها ( العلم الذي يدرس الوسائط المادية التي يتجسد عبرها الكلام ). ويطلق على المجتمع البشري ( دائرة التواصل الإعلامي ) ويرى في طوفان الصور الذي يحاصر الفرد المعاصر مفارقة، ذلك أنها بدلاً من أن تشحذ الرؤية فإنها تسبب العمى.. ولقد أضحينا بحسب دوبريه ( بالرغم من نباهتنا معرضين لفقدان البصر، فعندما نرى كل شيء لا يعود لأي شيء قيمة ). وإذا كانت ثقافة الاستهلاك من خلال صناعة الصور تنمِّط العقل وتسطحه، فإنها بالمقابل تخاطب الغرائز، جاعلة من الجسد الإنساني ـ الفتي ـ ثيمتها الرئيسة.
إن المرأة تُختزل إلى جسد مشتهى، ويكون التركيز على الشكل الخارجي.. وبذا فإن هذه الثقافة تطيح بكرامة الشخصية الإنسانية بعدّها حقيقة مركبة، واعية ومنتجة، وليست جسداً محضاً يُستثمر تجارياً لتحقيق الربح.

(تحتفل الثقافة التي ترافق مجتمع الاستهلاك بالجسد كحامل للذة، إنه يشتهي، وهو أيضاً محل رغبة الآخرين. وكلما اقترب الجسد العيني من الصور الممثلة للشباب والصحة واللياقة البدنية كلما ارتفع شأنه واحتل موضعاً في سلم القيم والمثل).وفي الوقت الذي به يبرز الجسد الفتي يتم نبذ الجسد الآخر ـ غير الفتي ـ فمثلاً (الجسد الذي نراه في الإعلان لا يبدو لنا مطلقاً جسداً صائراً إلى موت، إنه ما يمكن أن نسميه حقاً جسداً ممجّداً) كما يقول رولان بارت، الذي يضيف بأن ( ثمة خاصة ثابتة، تندرج ضمن تعارض، هو الآخر أسطورة عصرية محضة، تعارض بين الجسد الفتي والجسد العجوز. ويبدو أن مجتمعنا ليس متسامحاً إلا إزاء الأجساد الفتية. كل مرة تتمكن فيها التقنية الثقافية من الجسد، أكان ذلك بالإعلان، أو بالسينما، أو بالصورة الفوتوغرافية فإنها ـ أي هذه التقنية ـ تبرز على مسرحها، ما طالما روجـــت له، جسداً فتياً، وكأن مثال ما يتمناه المجتمع ألا يرى الجسد إلا في أنواعه التي تبينه كائناً سرمدياً، لا يموت ). وبذلك يُستبعد الجسد الآخر، ويكون مجازاً، جسداً ميتاً.. أو على أقل تقدير، لا ضرورة له.
ها هنا يُحتفى بالقوة المجردة، في لحظة فعلها ـ بغض النظر عن الباعث الأخلاقي ـ ويصير العنف ـ حتى الحقيقي منه، والمعروض على الشاشة ـ وسيلة للتسلية والترفيه.. أما الحب ـ الذي هو أسمى القيم الإنسانية ـ فيُفرغ من محتواه، أو يُقدم مثل شيء مؤقت، عابر، يمكن بيعه وشراءه. وفي المحصلة، يكون فعل الحب لعباً بارداً، وفعل العنف لعباً بارداً، يفقد خلاله الوجود الإنساني دفئه وعذوبته.. وصميميته.
إن كل شيء في عصر العولمة يتحول إلى لعبة وإثارة، بما في ذلك صور المآسي والكوارث، كما حدث إبان الحرب على العراق.. إذ عمدت القنوات التلفازية الغربية إلى إدهاش المشاهد الذي يرى ما يفعله قصف الطائرات والصواريخ كما لو أنه ألعاب إلكترونية مسلية.

* * *
إن القفزة الحاصلة في الفلك الإعلامي بنتيجة ثورة الاتصالات والمعلوماتية باتت تسرع من إيقاع الحياة.. فالتحولات الهائلة والمفاجئة في ما حول الإنسان جعلته يعاني من صعوبة في التكيف، والملائمة مع ما يجري واستيعابه.. ولم يعد هناك وقت كاف للتأمل والتمحيص عند اتخاذ القرارات.ويقيناً لن يكون الحل في صب اللعنات على هذه الثورة المعلوماتية، أو بالانكفاء على الذات، وبناء السدود حولها لدرء مخاطر تلك الثورة، وإنما في إيجاد المؤسسات الكفوءة ووضع الإستراتيجيات الناجعة لاستثمار ممكناتها خارج ما ترتئيه إستراتيجيات المؤسسات الرأسمالية الكبرى من العولمة.. يقول برهان غليون:
(وليس للثقافات الأخرى { ويقصد غير الغربية } أي مستقبل إلا إذا أدرك أصحابها طبيعة هذا النمط الجديد من السيطرة الثقافية وآلياتها، وبلوروا الإستراتيجيات المناسبة التي تسمح لثقافاتهم أن تبقى على مستوى المشاركة العالمية الإبداعية، وألا تتحول إلى مجرد ثقافات هوية، أو معبرة عن الاستمرارية والديمومة التاريخية لمجموعة بشرية. وهذا يفترض التعمق في فهم آليات هذه السيطرة الثقافية وتجديد أساليب طرح مشكلات تحول الثقافات والمهام المطروحة على أصحابها للنجاح في هذا التحول والارتفاع بثقافاتهم إلى مستوى متطلبات العصر ).
وإذا كانت العولمة تسعى إلى فرض النمط الحضاري الواحد فعلينا أن ندرك بأن تحقيق الذات وتأكيد الشخصية الحضارية لا يتأتى إلا من خلال الفعل الإبداعي الذي يجعل لنا مساهمة فعالة في صيرورة العالم المعاصر وتحولاته، وبهذا سنفرض منطق التنوع الثقافي والذي هو منطق أكثر فعالية وخصوبة وفائدة لمستقبل البشرية من المنطق العقيم المطالب بإشاعة نمط واحد من الثقافة في ظل العولمة.. والأفق المتاح أمام الثقافات المنكفئة والمهزومة الآن، مع ما توفره تقنيات الاتصالات الحديثة وقنوات الإعلام هو العمل ( على إعادة خلق الواقع من جديد بالقول والعمل أو بالفكر والممارسة، فليس عالم الإنسان فكرة جاهزة ينبغي تجسيدها، أو نموذجاً أصلياً مغلقاً لا يقبل المناقشة والتفاعل، بل هو مساحة حرة من الإمكانات المفتوحة دوماً على المجهول واللامتوقع، على نحو يتيح نسج علاقات عديدة مع الواقع يتغير معها نظام المعنى ومنظومات التواصل.. أنظمة المعرفة وقواعد الممارسة.. جغرافية العقل وخارطة القوة ).

المصادر:
( 1 ) الدكتور مؤيد عبدالجبار الحديثي [ العولمة الإعلامية والأمن القومي العربي ] ـ الأهلية للنشر والتوزيع ـ عمّان .. ط 1 / 2000 .
( 2) ألفين توفلر [ خرائط المستقبل ] ترجمة ؛ أسعد صقر ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ سورية .
( 3 ) الهوية والعولمة / ندوة الأكاديمية المغربية 1997 ـ مجموعة كتاب وباحثين ـ المغرب ص 125 .
( 4 ) الدكتور محمد عابد الجابري [ قضايا في الفكر المعاصر ] .. مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 / 1997 .. ص 140 .
( 5 ) الدكتور برهان غليون [ ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ] بالاشتراك مع الدكتورسمير أمين ـ دار الفكر ـ دمشق .. ط2 / 2000 ـ ص 47 ـ 48 .
( 6 ) الجسد ( نصوص مترجمة ) ترجمة ؛ هشام الحاجي ـ دار نقوش عربية ـ 1994 تونس . ص 40 .
( 7 ) مجلة ( الفكر العربي المعاصر ) العدد السابع ، صيف 1989 ـ حوار مع رولان بارت .. ص 143 ـ 149 .


[email protected]