تشجعتْ، بدورها، كي يشق صوتها الجو، بعد هنيهة، بالغناء. تمسح أخشاب الغرفة، تبدل أغطية السرير وهي لاهية. روحها مشغولة وجسدها يمدّ عنقها قيثارة للأمام بما تهواه من الحان. مقاطع من أغنيات مختارة، على مزاجها، معظمها مقلدة أغاني المطرب المصري محمد عبد الوهاب القديمة لتكمل النشوة القصوى لديها:
يا دنيا يا غرامي يا دمعي يا ابتسامي
مهما كانت آلامي قلبي يحبك يا دنيا

تجرأتْ، على ما يبدو، بعد عودتها للبيت قبل فترة، حين رأتْ أختها منى جالسة باطمئنان تشاهد البرامج الغنائية في فضائية لبنانية للمغنين الهواة. أعيدتْ ذكريات أيام الصبا وأزال منظرها التجاعيد وهي تراها مطمئنة مرتاحة. ابتعدت غيمة عنها، ليست بالصغيرة، طالما امتلأت بالقلق والأحزان. هذه الأغاني الكلاسيكية، على حد تعبيرها، غُيبت في الوقت الحاضر، أهملوها لانهماكهم في السياسة المدمرة بالمنطقة كلها، مكتفين بالإكثار من وصف بعضهم بعضا بشتى التهم والألقاب من أجل القسوة والإيذاء. صفات لم يحفل بها القوم، يوما، حين كان الطرب سيد الأوطان، يحتل الساحة الواسعة للأرواح الفرحة والحزينة المعذبة معاً، سواء بسواء. يصغون، اليوم، مكتفين بمعزوفة هذا شيوعي وفلان إسلامي ذاك بعثي وهذا أمريكي وهنا قومي عروبي وهنا ليبرالي وفلان علماني وما شاكل. بالإضافة، لديهم فائض شر الذين يقتلون، ينهبون، يفجرون أنابيب النفط، يخطفون ويغتصبون النساء بالعراق. تغني، الآن، بمعجزة، ناسية كل هؤلاء، لا تعبأ بهم:
يا دنيا ايه جرى لي أنا اللي كنت خالي
مهما غيرت حالي قلبي يحبك يا دنيا

إنسان طبيعي. هكذا كانوا يغنون بمصر أيام زمان، متفائلين، آملـين رغم الشكوى المتوقعة من صروف الزمن كالعادة. المرأة ترقص مع الرجل بخفة ورشاقة من دون دنس أو قذارة. أين صار ذاك الجمال والطهر في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي؟ لماذا يحاربونها الآن؟يرهبونها بالعذاب والعار إذا مشت سافرة. ما ذنبها إن ْخلقت جميلة؟ يخافون منها. يكرهونها، يغارون لأنهم لا يملكونها هم باختصار. لا تستطيع أن تجد عذرا لمثل هؤلاء. تسير في أنحاء البيت، اليوم، مستخدمة لسانها وحنجرتها كصنّاجة إسبانية ممسكة بها تدور بساحة الرقص:
آي.. أيا .. آي .. أيا آي يا حبيبي
طال غيابك ليه .. يا حبيبي
اللي بالمحبوب ده العذاب أرضاه
ده الهوى المكتوب للفؤاد وياه
آي.. أيا…. آي أيا ..آي … يا حبيبي

ظلت تكرر اللحن، تصقل به كي تجيده. تريد أن تنجح في إيصال جودة أداء محمد عبد الوهاب كما كان يفعل بالماضي:
آيْ، آيْ، آيْ، آي ْ يا حبيـبي
يا ترى المحبوب طال غيـابه ليه؟!
ده أنا من بدري مستني توافيني
قاعد لوحدي أفكر فيك
استنى تجيـني أصبر القلب
أقول د الوقت حا تتهنأ بنور عيني

كلام صريح واضح مفهوم، يؤنس الروح. شكوى لذيذة دافئة، لا غش فيها. شاءوا أم أبوا سيظل الرجل والمرأة مفتشين عن الحبيب دوما، في كل زمان ومكان، منذ بدء الخليقة، لنبدأ بآدم وحواء والأخيرة من دون حجاب، لو فكروا في الموضوع مليا. هل يريدون تغيير ناموس الكون.حكماء عندما قالوا قديما: (كلٌ يفتش على ليـلاه)، نعم، طبيعة بشرية. لا يُفتش عن الحزب أو الدين أو الملك أو رئيس الجمهورية عندما يشب الفتى أو الفتاة .لا فائدة من تفرقتهم، أو منعهم، التنغيص عليهم بشتى أنواع الحجب والأستار. اشتطوا في كره العيش كلما فقدوا عاطفة الحب والغرام، صاروا تعساء. سهل بعدها، تفجير أنفسهم بالسيارات أو بالأحزمة الناسفة، للوصول للجنة من أجل الحوريات كما أخبروا، أليست النتيجة واحدة تُرى؟!
شطر أغنية من هنا وبيت ناقص من هناك لا زال عالقا بذاكرتها المجهدة. نادتْ على أختها التي لا زالت في الغرفة حتى هذه اللحظة، تعتقد أنها ما زالت متنقلة بين الفضائيات العربية مستمعة لوصف تفجير أنفسهم بين أفراد الشرطة، بالسيارات الواقفة في الأسواق المكتظة بالناس، بالجوامع بالكنائس، الذبح، الخطف، الاغتيالات، الدمار:
-أتعرفين، كانت كل هذه الأغاني ُتـغنى ما بين الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. من بين أسباب احتجابها الخوف من إسرائيل و الحرب معها وما سمي بالنكبة آنذاك عندنا. صارت معظم الألحان، بعدئذ، مثل القرص والقفز والنط على الجيران. اختفت البراءة والسكينة والطمأنينة. أظن ما جرى بالمنطقة أزال النية الحسنة وملأ النفوس بالحقد والشك عند طرفي الـنـزاع. الغناء وليد عاطفة الحب للجميع، للعالم كله بجميع مخلوقاته من إنسان ونبات وحيوان، وحتى للجماد فيه.

أرتفع صوتها ضاحكاً من تفسيراتها التي سيراها السياسيون الفطاحل عجيبة غريبة، تتفلسف بالترهات. لم تسمع تعليق أختها على رأيها، لكنها أحست بانخفاض صوت مذيع يهدر برتابة وروان، يأتي من غرفتها، فعرفت أنها سمعت ما قالته لها:
-بالإضافة صرنا نرتاب بالغرب وبنواياه. وكما تعرفين الحضارة الغربية مهمة لنا في العصر الحديث. فيها العلم قبل كل شيء.
- تمام.
سمعت الكلمة الأخيرة تأتي من الغرفة المعنية واصلة باقتضاب. تلاها صمت تام. تركت استمرار الحوار معها متجهة للمطبخ كي تجلب للنبتة البيتية الصغيرة الخضراء ماء. سقتها على مهل بإنائها الفخاري في نهاية الممر المؤدي للحديقة. تروح وتجيء مكللة بالأحاسيس والانفعالات. أية أغنية أخرى تحبها لميـاء لم تذق جزءا من طعمها اليوم كطبق غذاء متنقل على مائدة؟ للأسف، معظم الأغاني التي تحبها نسيتها ذاكرتها. الجزء الأعظم من كلماتها امحت لعدم الممارسة والاستعمال.صارت العملية تحتاج إلى جلو حقيقي من شدة الصدأ بدماغها. كانت تحفظها كلها عن ظهر قلب. حرمان طويل، أخرسوها فيه أبناء جلدتها بحجة أنهم في حالة صراع. مع من؟ الله أعلم. حين هربت منهم إلى لندن لاحقوها بالفضائيات الهوائية، معظم البرامج كلام في كلام. منتشين بالأحداث الجسام كلما اشتد خصام. تعود صاغرة لهم مرة أخرى.
الموصل، الفلوجة، الحدود السورية، إيران من الجهة الأخرى؟! الموت من ورائكم، والحجاب أمامكم، دخيلكم، أين المفر؟! صاحت على أختها مرة أخرى:
-منىهل ما زلت تسمعين الأخبار؟
لم تسمع لها ردا، خمنت أنها مشغولة مرة أخرى بالسماع للفضائيات. ما كانت تدري أن أختها تكفكف دموعها بعجلة كي لا تعرف أنها تبكي بصمت في الطرف الآخر، مهملة شاشة تكرر الأنباء المفزعة بارتياح مع مزيد من صور نساء محجبات ملفلفات. خنقتها العبرة بعد سماع صوتها يلعلع في أنحاء البيت، مطربة مرة أخرى، مستأنسة بالغناء. قلبها يرجف عليها من فرط الحنان. عادت مغنية بيتهم القديمة كما كانت بالماضي. يوعزون إليها كي تغني أمام ضيوفهم من شدة الإعجاب بصوتها الرخيم آنذاك. كانت مطربة حقيقية أثناء الأعراس والحفلات الخاصة التي يقيمهاأهلها المملوءة بالأصحاب والخلان. كيف استطاعت أن تصمت كل هذه المدة، لله درها. لا تستطيع مـنى الجواب بسرعة عليها لئلا تكتشف سرها وهي تبكي. سمعتها تكرر سؤالها مرة أخرى لها: هل ما زلت تسمعين الأخبار؟

أية أخبار، بالإضافة للمصائب الجمة، المرأة محجبة مرة أخرى في الشوارع ومقرات الأحزاب، بل في الجمعيات العمومية؟ كالجدات وجدات الجدات إلى ما لا نهاية لهن أثناء فترة قمع القرون المظلمة. اعتقدت حفيداتهن أنهن نجون أخيرا. صرن حرّات. هيهات، عادوا عليهن مرة أخرى بزخم هجوم أتعس من السابق تساعدهم فيه ما يسمى بالتكنولوجيا الحديثة. ترى النساء خائفات أن يكشفن شعورهن لئلا تستثار غريزة الرجل الجنسية. شيء مخجل دون حياء. مأساة ومهزلة أمام العالم كله. يضعون اللوم عليها وحدها. أين العقل؟ الحس السليم؟ أين مظاهرات النساء المطالبات بالسفور في بداية القرن العشرين، هل ذهبت هدرا جهود صفية سعد زغلول وهدى شعراوي وغيرهن وهن ينادين بحقوقهن بالمظاهرات. نساؤكم يا أبناء مصر أخرجوكم من قرونكم الوسطى يوما، أهذا جزاؤهن الآن؟! تبكي بصمت في الغرفة وحدها، لقد أدركت عظم الحزن والخيبة الذي أصاب أختها في السنوات الأخيرة، لتصير بكماء خرساء. كيف قطعوا أوتار روحها الشفافة بأكاذيبهم وسيوفهم .
مسحت دموعها بسرعة وصاحت من بعيد لتجعل الأمر طبيعيا:
-صوتك ما زال جميلا.
- صحيح، قولي الحق؟

2005.7.4