الأستاذ أحمد محمد نعمان، الصانع الأول لقضية الأحرار اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن العشرين، عاش تجربة حافلة على امتداد سنوات حياته في شمال اليمن وجنوبه وخارج اليمن، حتى التقى بقحطان الشعبي، أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، والذي كان قائدًا من قادة الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل.

جمعت محافل العمل السياسي بين النعمان والشعبي - رغم فارق السن بينهما - داخل عدن والقاهرة، أثناء حكم الأئمة في الشمال "المعتل"، وحكم الإنجليز في الجنوب "المختل"... كلٌّ يناضل في سبيل شطره اليمني، من الشطر الآخر.

قحطان الشعبيولما قامت الثورة في الشمال، عُيِّن قحطان الشعبي (الجنوبي) في إحدى الحكومات وزيرًا مسؤولًا عن شؤون الجنوب المحتل. وبتقلبات الأحوال، ترأّس وفد الجنوب إلى مفاوضات الاستقلال عن بريطانيا، واقتصر الوفد على الجبهة القومية حصريًا، دون أن يضم إليه الفعاليات الوطنية الجنوبية الأخرى، فكانت بداية انفراد في المشهد، انتهت نهاية مأساوية بالرئيس الشعبي – سجينًا بأمر رفاقه الجنوبيين حتى وفاته في 7 تموز (يوليو) 1981 – والجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي اليمني ككل، بما شهد من دورات تصفية وإقصاء، أشدها قسوة أحداث كانون الثاني (يناير) 1986، قبيل إعادة توحيد اليمن عام 1990، ثم حرب 1994.

احمد النعمانفي رسالة استشرافية للمشهد الجنوبي، وجّه الأستاذ النعمان (المتوفى عام 1996) إلى الرئيس الشعبي نصيحة بعدم الإقصاء والمزايدة بالشعارات، وغيرها من الوصايا "النعمانية" التي فات على عقلاء الأمس الأخذ بها.

ومع ذلك، بقيت رسالة النعمان إلى الشعبي مرشدًا هاديًا في ظل حوادث يمانية، شمالًا وجنوبًا، لم تزل تتكرر...


رسالة الأستاذ أحمد محمد نعمان إلى الرئيس قحطان الشعبي، أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية

الابن والأخ الحبيب قحطان الشعبي، والأبناء الأعزاء،

بعد التحية والتمنيات الطيبة والدعوات الصادقة، أكتب إليكم هذه الرسالة العاجلة، وقد حرصت على البدء بها في هذه اللحظة التي نتطلع فيها إلى مستقبل أفضل للجنوب، الذي ابتُلي بالاستعمار ما يقرب من قرن وثلث قرن، فعزله عن الشمال سياسيًا، ولم يستطع أن يعزله أرضًا ورحمًا وقربى وشعورًا وعاطفة وحبًا.

وقد لقي في السنوات الأخيرة من المحن والشدائد فوق ما يتحمل ويطيق، وسالت دماء أبنائه على أرضه، وذهبت أرواحهم في سبيل حريته واستقلاله، ووزّع أعداء الإنسانية الأحقاد والضغائن بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه.

ولكن لن نيأس من اللقاء الأخوي بين من كانوا بالأمس أعداءً، يحارب بعضهم بعضًا جهلًا وغباءً وتعصبًا وعمًى. فاسترجعوا القلوب الشاردة، وضمدوا الجراح، وامسحوا بالدموع كل ما صُبغت به أرضكم من الدماء، واستعيدوا خلق أجدادكم الذين سجلوا لنا قانونًا إنسانيًا في أدبهم وتقاليدهم وتاريخهم:

إذا احتربت يومًا فسالت دماؤها
تذكّرت القربى ففاضت دموعُها

كونوا مدرسة أخلاقية إنسانية، واضربوا المثل للذين يتخذون من السلطة وسيلة للانتقام والبطش. وأعلنوا في هذه اللحظة التي تنتصرون فيها أن الجنوب لأبنائه جميعًا، وأن المسؤولية يتحملها القادرون عليها جميعًا، وأن الاستبعاد لأي مواطن لا يجوز. أما العزل السياسي لمن أجرم في حق الشعب عامدًا متعمدًا ومحاسبته وعقابه، فهذا متروك للعدالة.

اشعروا الجميع، حتى الذين اختلفوا معكم وناصبوكم العداء، أنكم فوق الخصومات وفوق الخلافات.

اجعلوا المخطئين يشعرون أنهم ليسوا أول من أخطأ أو ضلّ، أو خُدع، أو غُرّر به بالدعايات المضللة والشعارات الزائفة.

أرجو ألا تستبدّ بنا نشوة الانتصار على إخواننا ومواطنينا، مهما كان الخلاف، فإن أكثر الخلافات، كما نعرف جميعًا، كانت تُغذّى من خارج بلادنا، ومن غير طبيعتنا وأخلاقنا.

وانتصروا على أنفسكم وأهوائكم في هذه اللحظة، فهذا هو الانتصار الحقيقي.

إن المسؤولية هي الأمانة التي "عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا".

لا تحرموا الوطن من أي عنصر يصلح لخدمته ويسد فراغًا، ولو كان من ألدّ خصومكم، فمن الخدمة للوطن والوفاء له الإنصاف:
"ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى."

علينا أن نستفيد، نحن أبناء جنوب الجزيرة العربية، من مصارع أشقائنا في شمال الجزيرة، وكيف رجعوا بعد الاستقلال يلعن بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، وتمزقوا شيعًا وأحزابًا، ولم يحصدوا سوى الهزيمة تلو الهزيمة، والنكبة وراء النكبة.

وقد جاءت نكسة 5 حزيران لتكشف لنا أن "الثورية الحاقدة الضاربة" جلبت على الأمة العربية من العار والخزي والهزيمة، ما لم تجلبه "الرجعيات" التي ثاروا ضدها، ومزّقت من الوحدة الوطنية لشعوبها ما لم تبلغه الأحزاب في العهود الرجعية.

إن الدعوة للوحدة العربية لم يتخذها الناعقون بها خلال السنوات الماضية إلا مثارًا لتمزيق الوحدة الوطنية.

إنني، كلما تذكرت أن اللاجئين من سوريا في لبنان بلغ عددهم سبعمائة ألف سوري، فزعت فزعًا شديدًا من عقلية الحكام الحاليين الذين يدعون لوحدة القوى الثورية في البلاد العربية. فهل يريد هؤلاء التعاون مع زملائهم "الثوريين" في الأقطار الأخرى على تصفية المواطنين وتحويلهم إلى لاجئين؟

إن إسرائيل، منذ خمسة أشهر، تحتل المرتفعات السورية وما يقرب من محافظة كاملة، ومع ذلك يقف حكام سوريا يبرقون ويرعدون ويحاربون المواطنين، وكأنهم لا يحسون ولا يشعرون بوطأة الاحتلال. فأين بهؤلاء القوم؟ والويل كل الويل لمن يتخذ منهم قدوة حسنة.

يا قحطان، إنني مشفق عليكم حقًا من ثقل المسؤولية، ولكنني أعرف قحطان الإنسان معرفة تامة، وأتمنى أن يكون زملاؤه متأثرين به إلى حدٍّ كبير.

ولذلك، آمل أن تتوفر النوايا الطيبة، وتتضافر الجهود لتحقيق الوحدة الوطنية بين أبناء الجنوب أولًا وقبل كل شيء، وأن تتركز الجهود الكبيرة لتحقيق السلام النفسي وكسب الجبهة الداخلية في الجنوب كله، وتطمين الخائفين والمتفزعين، ودعوة الشاردين، والتعاون مع كل من يرغب مخلصًا صادقًا في التعاون. وتجدوننا معكم عاملين ومؤيدين وداعمين.

وأُنبهكم إلى أمر هام جدًا ابتُلينا به، وهو التبشير بالاشتراكية، التي حوّلها الكثيرون إلى إباحية مطلقة، لنهب الناس وسلب أموالهم، ولم يكسبوا من وراء ذلك سوى المزيد من الفقر والإفلاس.

راجعوا الشعارات التي ملأت أذهان الجماهير العربية خلال خمسة عشر عامًا، وخاصة: "الوحدة"، و"الحرية"، و"الاشتراكية"، وماذا حقق الذين أطلقوا هذه الشعارات لشعوبهم؟ إنهم لم يحققوا سوى الفرقة، والاستبداد، والفقر، والحرمان، وهزيمة 5 حزيران التي لا مثيل لها.

هذه كلمات أمينة مخلصة، أرجو أن تلقى قبولًا من الجميع. وأهنئكم من كل قلبي، وأدعو الله لكم بالتوفيق والسداد.

والدكم،
أحمد محمد نعمان
1 رمضان المعظم 1387 هـ
2 كانون الأول (ديسمبر) 1967