مع بدء عامِ 2026، يتكاثفُ السؤالُ في وعيِ الشعوبِ كما في قلقِ الأفرادِ: هل نحنُ مُقبِلونَ على عامٍ جديدٍ من الحروبِ وتصفيةِ الحساباتِ، أم أنّ العالمَ سيتعلّمُ أخيراً كيف يلتقطُ أنفاسَه؟ هذا السؤالُ لا يولدُ من فراغٍ، بل من تراكمِ مشاهدِ القتلِ، وانهيارِ المعاهداتِ، وصعودِ لغةِ القوّةِ على حسابِ العقلِ، حتّى باتَ السلامُ يبدو وكأنّه استثناءٌ تاريخيٌّ لا قاعدةً إنسانيّةً.

من يُطالعُ خريطةَ العالمِ اليومَ يرى سطحاً متصدِّعاً: صراعاتٌ مفتوحةٌ، نزاعاتٌ مؤجَّلةٌ، أحقادٌ تاريخيّةٌ لم تُحلَّ، وقوىً كبرى تُعيدُ ترتيبَ نفوذِها دون اكتراثٍ يُذكرُ بكلفةِ الدمِ. في مثلِ هذا السياقِ، يصبحُ عامُ 2026 رقماً رمزيّاً أكثرَ منه تاريخاً، كأنّه اختبارٌ جديدٌ لقدرةِ البشريّةِ على الاستمرارِ دون الانزلاقِ إلى هاويةٍ أعمقَ.

الحروبُ لم تَعُد تُعلَنُ كما في السابقِ. لم نَعُد ننتظرُ بياناً رسميّاً أو صافراتِ إنذارٍ كبرى. الحربُ اليومَ قد تبدأُ بعقوباتٍ اقتصاديّةٍ، أو بحصارٍ رقميٍّ، أو بحملةِ تضليلٍ إعلاميٍّ، ثمّ تتطوّرُ تدريجيّاً إلى مواجهاتٍ عسكريّةٍ. لذلك فإنّ السؤالَ الأدقَّ ليس: هل ستندلعُ حروبٌ جديدةٌ؟ بل: هل توقّفتِ الحروبُ أصلاً حتّى نقولَ إنّها ستعودُ؟

ما يُثيرُ القلقَ في أفقِ 2026 هو تلاقي ثلاثةِ عناصرَ خطيرةٍ: هشاشةُ النظامِ الدوليِّ، تصاعدُ الشعبويّاتِ القوميّةِ، وتقدّمُ التكنولوجيا العسكريّةِ بوتيرةٍ أسرعَ من تطوّرِ الأخلاقِ السياسيّةِ. العالمُ يعيشُ فراغاً أخلاقيّاً حقيقيّاً، فالقانونُ الدوليُّ يُخرَقُ باسمِ «الضرورةِ»، وحقوقُ الإنسانِ تُعلَّقُ بذريعةِ «الأمنِ القوميِّ»، والضحايا يُختزَلونَ إلى أرقامٍ في نشراتِ الأخبارِ.

تصفيةُ الحساباتِ ليست دائماً عسكريّةً. أحياناً تكونُ اقتصاديّةً، حيث تُستخدَمُ العملاتُ والغذاءُ والطاقةُ كسلاحٍ. وأحياناً تكونُ ثقافيّةً، عبر شيطنةِ الآخرِ وتجريدهِ من إنسانيّتِه تمهيداً لتبريرِ ما يُرتكَبُ بحقِّه. في هذا المعنى، قد يكونُ 2026 عاماً لتصفيةِ الحساباتِ المؤجَّلةِ منذ عقودٍ، حساباتِ الاستعمارِ القديمِ، والحروبِ الباردةِ التي لم تُغلَقْ ملفاتُها، والصراعاتِ الدينيّةِ التي أُسيءَت إدارتُها حتّى تحوّلتْ إلى قنابلَ موقوتةٍ.

غيرَ أنّ التاريخَ لا يسيرُ في خطٍّ مستقيمٍ. فكما يحملُ كلُّ عامٍ بذورَ الدمارِ، يحملُ أيضاً فرصاً ضائعةً للسلامِ. المشكلةُ ليست في غيابِ المبادراتِ، بل في غيابِ الإرادةِ. العالمُ يعرفُ جيّداً كيف يوقفُ الحروبَ، لكنّه غالباً لا يريدُ ذلك، لأنّ الحربَ صارت جزءاً من الاقتصادِ العالميِّ، ومحرّكاً للصناعاتِ الكبرى، ووسيلةً لإعادةِ رسمِ النفوذِ.

في منطقتِنا العربيّةِ، يبدو السؤالُ أكثرَ إلحاحاً. نحنُ شعوبٌ تعيشُ على خطوطِ الزلازلِ السياسيّةِ، وتدفعُ ثمنَ صراعاتٍ لا نملكُ قرارَ إشعالِها ولا قدرةَ إيقافِها. عامُ 2026 قد يكونُ امتداداً لسنواتِ الاستنزافِ، وقد يكونُ أيضاً لحظةَ انفجارٍ إن استمرّ تجاهلُ جذورِ الأزماتِ: الظلمِ، الفقرِ، غيابِ العدالةِ، وتهميشِ الإنسانِ لصالحِ الأنظمةِ والسلاحِ.

لكنْ، وسطَ هذا المشهدِ القاتمِ، لا يمكنُ إلغاءُ دورِ الوعيِ. فالحروبُ لا تبدأُ فقط في غرفِ القرارِ، بل تبدأُ حين يُصدّقُ الناسُ أنّ العنفَ قدرٌ، وأنّ الآخرَ عدوٌّ بالفطرةِ، وأنّ الدمَ أقلُّ كلفةً من الحوارِ. حينها تُصبحُ الحربُ خياراً سهلاً، بل مرغوباً، حتّى لو كانت نتيجتُه الخرابَ.

هل سيكونُ 2026 عامَ الحروبِ؟ الاحتمالُ قائمٌ، بل قويٌّ، إذا استمرّ العالمُ في إدارةِ أزماتِه بالعقليّةِ نفسها. لكنّه ليس حتميّاً. المستقبلُ ليس نبوءةً مُغلَقةً، بل نتيجةُ خياراتٍ. كلُّ صاروخٍ يُطلَقُ كان يمكنُ أن يكونَ مدرسةً، وكلُّ ميزانيّةِ حربٍ كان يمكنُ أن تكونَ مشروعَ حياةٍ. المشكلةُ أنّ من يُقرِّرُ لا يدفعُ الثمنَ، ومن يدفعُ الثمنَ لا يُقرِّرُ.

ربّما يكونُ السؤالُ الأهمُّ: ماذا سنفعلُ نحنُ، كأفرادٍ وكُتّابٍ ومثقّفينَ، أمامَ هذا الاحتمالِ؟ هل نكتفي بدورِ المتفرّجِ القَلِقِ، أم نحاولُ، بالكلمةِ والموقفِ، أن نُعيدَ للإنسانِ قيمتَه وسطَ ضجيجِ السلاحِ؟ الكتابةُ، في زمنٍ كهذا، ليست ترفاً فكريّاً، بل محاولةٌ يائسةٌ لإنقاذِ ما تبقّى من المعنى.

عامُ 2026 قد يكونُ عاماً للحروبِ، نعم. وقد يكونُ عاماً لانكشافِ الوهمِ الكبيرِ الذي يقولُ إنّ القوّةَ وحدها تصنعُ التاريخَ. في النهايةِ، الحروبُ تنتهي، لكنّ آثارَها تبقى في النفوسِ، وفي الذاكرةِ، وفي سؤالٍ سيطرحُه الأبناءُ لاحقاً: لماذا فشلَ العالمُ في أن يكونَ أكثرَ عدلاً؟

الجوابُ لم يُكتَبْ بعدُ. وربّما ما زال في متناولِ من يملكُ الشجاعةَ ليقولَ: ليس كلُّ ما هو ممكنٌ يجبُ أن يحدثَ، وليس كلُّ ما يُخطَّطُ له قدراً لا يُردُّ.