ليس المكان مجرّد مساحة نعيش فوقها، ولا إطاراً صامتاً تدور داخله تفاصيل أيّامنا، بل هو كيان حيّ يتشكّل معنا وبنا. فحياتنا لا تنفصل عن الأمكنة التي تحتوينا، وكلّ بقعة نحلّ فيها تترك فينا أثراً، كما نترك نحن فيها شيئاً من ذواتنا، وإن غادرناها ظانّين أنّنا نغلق الصفحة إلى الأبد.
المكان، في جوهره، ليس جغرافيا فحسب، بل ذاكرة، وهويّة، وامتداد خفيّ للروح.
حين يغترب الإنسان، لا ينتقل من مكان إلى آخر فقط، بل يدخل في صراع صامت بين ما كان وما صار عليه. الاغتراب ليس فعل الرحيل، بل ما يتبقّى بعده. هو ذلك الشعور الذي يتسلّل إلى القلب حين يدرك المرء أنّ الأمكنة التي احتضنته يوماً لم تعد له، كما لم يعد هو لها تماماً. ومع ذلك، يظلّ الحنين قائماً، عنيداً، لا يخضع لمنطق العقل ولا لقوانين الزمن.
نولد ونحن مربوطون بأوّل مكان فتح لنا ذراعيه: بيت الطفولة، الشارع الأوّل، المدرسة، رائحة الجدران القديمة. تنشأ بيننا وبين هذا المكان علاقة غامضة لا تفسير علمياً دقيقاً لها، لكنّها تسكن الوجدان كحقيقة لا تقبل الشكّ. لذلك، مهما ابتعد الإنسان، تظلّ تلك النقطة الأولى مركز دائرته، ومنها يبدأ، وإليها يعود، ولو في أحلامه وحنينه.
غير أنّ الاغتراب يعلّمنا درساً آخر: أنّ الحنين لا يقتصر على الوطن الأمّ. فالمغترب الحقيقي يكتشف، مع الوقت، أنّه قادر على الانتماء لأماكن لم يولد فيها، لكنّها احتضنت غربته، وشاركت وحدته، وشهدت تحوّلاته. في تلك الأمكنة، نكون أكثر هشاشة وصدقاً، لأنّنا نصلها بلا تاريخ مسبق، ونمنحها وجوهنا كما هي، بلا أقنعة.
أنا ممّن يحملون حنيناً متعدّد الجهات. لا أشتاق لمكان واحد، بل لكلّ مكان مررت به وترك فيَّ علامة. مدينة أقمت فيها عاماً، شارع اعتدت السير فيه مساءً، مقهى شهد صمتاً طويلاً أو حديثاً من القلب، شجرة ظلّت ثابتة بينما كنت أنا في تغيّر دائم. هذه الأمكنة لا تغادرني، بل تظلّ ترافقني، تظهر فجأة في لحظة تعب، أو في أغنية عابرة، أو في رائحة تشبهها دون أن تكون هي.
وقبل أن أغادر أيّ مكان، أقف متأمّلاً تفاصيله كمن يودّع صديقاً قد لا يلقاه ثانية. أسأل نفسي سؤالاً لا إجابة له: هل سيجمعني القدر بهذا المكان مرّة أخرى؟ ثم أمضي، تاركاً خلفي أثراً لا أراه، لكنّه موجود. فكما تؤثّر الأمكنة فينا، نؤثّر نحن فيها. نترك ضحكاتنا في زواياها، وهمومنا على جدرانها، وأحلامنا المؤجّلة على أرصفتها. المكان يحتفظ بكلّ ذلك، حتّى وإن بدا لنا صامتاً.
وعندما تحدث العودة، إن كُتبت، نشعر بفرح يشبه اللقاء بذات قديمة. نكتشف أنّ المكان تغيّر، وأنّنا تغيّرنا، لكنّ شيئاً ما ظلّ ثابتاً: ذلك الخيط الخفيّ الذي يربطنا به. تتدفّق الذكريات، الجميلة والمؤلمة، دون تمييز، فنشكرها جميعاً، لأنّها صنعتنا كما نحن الآن.
الحنين، في جوهره، ليس ضعفاً، بل دليل حياة. هو اعتراف ضمني بأنّنا كنّا هنا، وأنّنا شعرنا، وأنّنا انتمينا. وإذا كان حنيننا للبشر مفهوماً، لأنّ الإنسان لا يُحتمل في وحدته، فإنّ حنيننا للأماكن يظلّ لغزاً عجيباً. كيف نشتاق لبيت لم يعد يسكنه أحد؟ أو لرصيف جمع أصدقاء تفرّقوا؟ أو لحديقة كانت ملاذ غرباء مثلنا؟
ربّما لأنّ للأماكن أرواحاً، وإن لم نرها. أرواحاً تتفاعل معنا، تستقبلنا حين نكون متعبين، وتمنحنا مساحة لنكون على حقيقتنا. في بعض الأماكن، نجرؤ على الضحك بصوت عالٍ، أو البكاء دون خوف، أو الحديث مع أنفسنا كأنّ المكان يُسمَع ويُفهَم. وكأنّ هذه الأمكنة تشاركنا اغترابنا، وتخفّف وطأته، ثم تُطالبنا بالعودة كلّما ابتعدنا.
وهكذا، يظلّ المغترب سائراً في دروبه، حاملاً أمكنته في قلبه، موزّعاً روحه على خرائط متعدّدة. يكتشف، في النهاية، أنّ المكان لم يكن يوماً مجرّد محطة عابرة، بل شاهداً على تحوّلاته، ورفيقاً لوحدته، وحنيناً دائماً لا يهدأ مهما طال السفر.






















التعليقات