رغم بُعد فنزويلا عن المغرب بنحو 7400 كيلومتر، لم يتوانَ هذا البلد الأميركي اللاتيني عن حشر أنفه في «الطاجين المغربي»، ومناكفة الرباط في وحدتها الترابية، ودعم انفصاليي جبهة البوليساريو المدعومين من الجزائر.

كان يوم السبت الماضي يومًا مشهودًا في بلد سيمون بوليفار، قائد معركة التحرر من الاستعمار الإسباني، بعدما نفّذت قوة «دلتا»، وهي وحدة مكافحة الإرهاب الرئيسية في الجيش الأميركي، عملية خاطفة جرى خلالها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله، رفقة زوجته، إلى نيويورك لمحاكمته في قضايا جنائية.

حكم مادورو فنزويلا منذ عام 2013، عقب وفاة الرئيس هوغو تشافيز، الذي عُرف بعدائه لواشنطن، وبكونه حليفًا قويًا لإيران وروسيا، وداعمًا لكل ما يشمّ فيه رائحة الانفصال. وسار نيكولاس مادورو على النهج نفسه، لتدخل البلاد في مستنقع أزمة خانقة، عنوانها انهيار الاقتصاد، وتضخم غير مسبوق، ونقص حاد في الغذاء والدواء، فضلًا عن هجرة ملايين الفنزويليين إلى خارج البلاد، إلى جانب ترافق كل ذلك مع فرض عقوبات دولية، واندلاع صراع سياسي داخلي، وتشكيك دولي في شرعية الانتخابات.

ظلت الأوضاع في فنزويلا تتأرجح بين تناقضات سافرة إلى أن وقعت «واقعة السبت». فمن التحرر إلى الغوص في بحر الاستبداد، ومن الثراء النفطي إلى السقوط في وهدة الأزمات العميقة. فالنفط، الذي شكّل مصدر قوة كبرى للبلد، كان في الآن ذاته أحد أسباب هشاشته.

بعد عشر سنوات من وصول تشافيز إلى السلطة، وبفعل توجّه سياسته الخارجية نحو التحالف مع دول تتبنى خطابًا مناهضًا للغرب، والانغماس في دعم الحركات الانفصالية في إفريقيا وأميركا اللاتينية، قطعت الرباط علاقاتها الدبلوماسية مع كاراكاس عام 2009، جراء دعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو الانفصالية في المحافل الدولية، وهو النهج الذي تواصل في عهد مادورو.

ورغم التوتر الذي خيّم على أجواء العلاقات المغربية–الفنزويلية، عرفت هذه الأخيرة بعض محاولات التهدئة؛ إذ حاولت كاراكاس القيام باتصالات دبلوماسية غير مباشرة، غير أن الرباط لم تكن متحمسة لإعادة علاقة لا تراعي وحدة ترابها الوطني. وكان لذلك تداعيات على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، التي أصبحت شبه منعدمة.

ولئن اختار المغرب نهج سياسة الهدوء الدبلوماسي مع فنزويلا، وعدم الانجرار إلى المواجهات الإعلامية، فإنه راهن بذلك على عامل الزمن، باعتباره الوحيد الكفيل بإرجاع الأمور إلى نصابها.

إن ما حصل في فنزويلا بدا بمثابة «لعنة الصحراء» التي أصابت هذا البلد، وإن كان كثير من المراقبين يعتبرونه نتاج صفقة دولية كبرى تدخل ضمن ما يُسمّى بـ «يالطا الثانية»، تروم تطويق الصين بالدرجة الأولى. وهي ملامح بدأت تتضح في مناطق عدة من العالم، بدءًا من «صومالي لاند»، مرورًا بالغليان في اليمن وتداعياته على منطقة الخليج، واشتداد الاحتجاجات في إيران، وتطورات الوضع في أوكرانيا، والبقية تأتي.

فهل فهمت الجزائر «رسالة اعتقال مادورو؟»، لا سيما وأن ما جرى سيجعلها تحسّ باليُتم، نظرًا لكونها أصبحت تفقد، يومًا بعد يوم، الداعمين لأطروحتها الانفصالية. وهل ستتعامل إيجابيًا، في نهاية المطاف، مع تصريحات ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، التي أدلى بها في أكتوبر 2025 حول إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بينها وبين المغرب خلال 60 يومًا من ذلك التاريخ، عبر مفاوضات تدعمها واشنطن بالتعاون مع الأمم المتحدة، لا سيما وأن المهلة انتهت في ديسمبر الماضي؟

إن الدرس المستخلص مما جرى في فنزويلا هو أن الانخراط في سياسات خارجية عدائية، قائمة على تصدير الأزمات ودعم النزعات الانفصالية، لا يمنح الدول نفوذًا دائمًا، ولا يحميها من السقوط الداخلي. لذلك كان لا مفر من إسدال الستار على مشروع تشافيز–مادورو، الذي استثمر في النفط وفي الشعارات الإيديولوجية أيضًا، وانتهى إلى عزلة خانقة وانهيار مؤسساتي عميق دفع البلاد إلى حافة الهاوية.

يبقى من الضروري على الجزائر إدراك أن التحولات الدولية لا ترحم السياسات المتصلبة، وأن الفرصة قد تكون مواتية لمراجعة الحسابات قبل فوات الأوان، والانخراط في مقاربة واقعية تُغلِّب منطق الحوار والاستقرار على رهانات الاستنزاف والمواجهة المفتوحة.