في المسافة الفاصلة بين ما يكتبه فيصل القاسم اليوم، وما عُرف به بالأمس، تتشكّل منطقة رمادية تستحق التأمّل لا الاتهام، والفهم لا التخوين. فالرجل، بلا شك، يمتلك قدرًا عاليًا من المصداقية والجرأة، ويمارس صراحة تكاد تبلغ حدّ الفجاجة أحيانًا، وهي صراحة لم تكن منفصلة يومًا عن المساحة الواسعة من حرية النشر والتعبير التي أُتيحت له، وسمحت له أن يقول ما لا يستطيع كثيرون قوله، وأن يكتب ما يعجز غيره عن مجرّد التفكير فيه. وهذه الحرية، في حدّ ذاتها، ليست تهمة، بل شرطٌ أساسي لأي خطاب إعلامي حيّ.

لا يمكن إنكار ما قدّمه القاسم عبر سنوات طويلة، ولا ما رسّخه برنامجه الأشهر من ثقافة الجدل وكسر المحرّمات، حيث تحوّل «الاتجاه المعاكس» إلى منبرٍ للاشتباك الفكري، ومختبرٍ حقيقي للصراع بين الروايات، ومرآة تعكس تشقّقات الواقع العربي بكل تناقضاته. غير أن التساؤل المشروع اليوم لا ينبع من إنكار هذا الإرث، بل من ملاحظة التحوّل في النبرة والموقع، لا سيما في المرحلة الأخيرة، وبعد عودة سوريا إلى واجهة المشهد، ودعم الحكومة الانتقالية القائمة، في وقتٍ لا تزال فيه قطاعات واسعة من السوريين غير معنيّة بها، أو رافضة لها، أو متشكّكة في شرعيتها ومسارها.

هنا يتقاطع السؤال الأخلاقي مع السؤال السياسي: هل بات القاسم، في برنامجه ذاته الذي منح الآخرين حق قول ما يريدون، أقرب إلى موقع المدافع عن السلطة الجديدة؟ وإن صحّ ذلك، فما سببه؟ أهو تكيّفٌ مع معطيات جديدة؟ أم مراعاة لتوازنات إقليمية ودولية؟ أم قناعة فكرية بأن أي سلطة انتقالية، مهما كانت هشّة، أفضل من الفراغ والفوضى؟ هذه الأسئلة لا تُطرح من باب التشكيك بالنوايا، بل من باب البحث عن اتساق الخطاب مع ذاته.

غير أن ما كتبه القاسم عن «الكلاب الإلكترونية» في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 3/1/2026 يفتح بابًا آخر للفهم. فالنص، في جوهره، ليس مجرّد شتيمة أو استعارة قاسية، بل فلسفة كاملة في التعامل مع الضجيج، ومع أولئك الذين لا يملكون سوى الصراخ وسيلة لإثبات وجودهم. هو نصّ عن التجاهل بوصفه موقفًا، وعن الصمت كفعل قوّة، وعن الفرق الجوهري بين من يسير نحو هدفه، ومن يكتفي بالنباح على أطراف الطريق. وفي هذا المعنى، يمكن قراءة موقف القاسم الإعلامي ذاته: ربما يرى أن كثيرًا من الأصوات الرافضة اليوم ليست سوى ضجيج بلا مشروع، وأن الردّ عليها يمنحها حجمًا لا تستحقه.

لكن الإشكالية تبقى في أن التجاهل، حين يتحوّل من سلوك فردي إلى خيار إعلامي، قد يبدو أحيانًا انحيازًا، وقد يُفهم كتبرير، لا كتعالٍ عن الضجيج. فالعدل الإعلامي لا يعني مساواة الحقيقة بالزيف، لكنه يقتضي إنصاف الأسئلة الصادقة، حتى وإن جاءت غاضبة أو فوضوية. وسوريا، بتاريخها وتعدديتها وخبراتها العميقة، أكبر من أن تُختزل في لون واحد، أو طائفة واحدة، أو مدينة واحدة، وأكبر من أن تُدار بمنطق القفز السريع فوق التعقيدات.

إنَّ التسوية بين ما طرحه القاسم في مقاله، وما يطرحه الواقع السوري، لا تكون بتخوين هذا أو تمجيد ذاك، بل بالعودة إلى جوهر الفكرة: القافلة لا تتوقّف عند النباح، نعم، لكنها أيضًا لا تنكر وجود الطريق، ولا تتجاهل أن بعض النباح قد يكون صرخة ألم لا عواء حقد. والإنصاف الحقيقي هو أن نميّز بين الكلب الذي ينبح لأنه مأجور، والذي ينبح لأنه جريح. وحده هذا التمييز ما يمنح الخطاب الإعلامي عدالته، ويمنح صاحبه مصداقية لا تهزّها التحوّلات.