كتب محمد باقي محمد:
فصل الرحيل:
جرت القصة على النحو التالي: على البعد كانت الأقدام الخائفة تدهس أنصال العشب عند أطراف الوادي المنحدر، عند الأطراف تمامًا. وكصورة سينمائية أبطئت حركتها، كصورة أبطئت تحت سماء شزرة، شزرة وزرقاء بشكل فظّ، كان الرجل يهرول مُحتضنًا صغيره على نحو ما، لكنّ طرفيه، الطرفين السفليين للصغير، كانا يتدليان كخرقة مبلولة. وفي الخلف، في الخلف نحو الأعلى، ربّما لأنّ الرجل بدأ ينحدر سريعًا نحو الوادي، أو لأنّ المرأة كانت تركض بتثاقل، تتعثر... تتعثر فتعلو ضفائرها نحو السماء كجناحين كسيرين لطير مهيض، وترتفع يداها بشكل لا إراديّ، ترتفعان كمن يروم توازنًا مُفتقدًا!
وأخيرًا بان لهما نهر الأردن في الشرق مُتجهّمًا لسبب ما مجهول!
على نحو ما توقف الرجل. توقف، وأدار عينيه الحائرتين الدامعتين في سماء مُحايدة، سماء مُحايدة تقطعها رؤوس الشجيرات وذرى المرتفعات المُتكسّرة على تفاوت.
هل أراد أن يقول : quot;لا!quot; أن يحتجّ أو يحتدّ مُعترضًا!
ألهذا بدأت الذاكرة تستعيد، بطريقة سينمائية سيئة - ربّما لأنّها تفاجأت بحصار اليهود للقرية التي ما فتئت تتمسّك بحافة المنحدر على جزع - صور القتل، صور القتل والدمار!؟
هل عجز عن تبيان الطامة لزوجته؟ هل عجز فتشبثت عيناه الغؤورتان المحتكمتان إلى اليبس بالصخور النافرة بشكل مُبهظ، ثمّ تابعت قدماه المتقصفتان هرولتهما بصورة أبطأ!
ولكّن متى... متى وأين!؟
لقد اختطف الصبي على عجل. اختطفه، وحضّ زوجته المرعوبة على اللحاق به، فمتى وكيف وأين!؟ إذْ ها هو يتفاجأ بسائل دافىء يخضّب قميص الصغير فقميصه! وآنّ وضع يده الراعشة على قلبه، تمامًا على قلب الصغير، ترنحت الأرض تحت قدميه، ترنحت ومادت أو ارتطمت بماء النهر في أسفل الوادي، أسفل الوادي حيث تتدثّر الأرض بخضرة داكنة!
ألهذا - مثلاً - راحت الذكريات تنفر من شقوق المخيلة خيولاً ترمح في عراء ليس له نهاية!؟
مقدّمات لفصل الرحيل:
هناك، قريبًا من بحر فيروزي، راح يتوسّط الجهات، كان ثمّة فندق عريق، وهناك في الداخل، هناك في الجهة المطلة على البحر، كان ثمة جناح ملكيّ، جناح تكلف المنامة فيه ألفي دولار لليلة الواحدة، ألفي دولار فقط!
وفي أصل من ذاكرة الكبار كان الفندق قصرًا لآل محمد علي باشا، أمّا الجناح فكان ينضوي على غرفة نوم الملك فاروق، آخر حاكم في سلالة ملعونة. هناك كان الملك ينام. نام الملك - إذًا - تاركًا جنده لرمال سيناء تذروهم على أصابع رمالها. راحت الرمال تذروهم ثمّ تدفنهم، غبّ رصاص ما طفق يرتد نحو نحورهم. كان ذاك إبّان حرب وسمت بالإنقاذ، حرب خيضت ضدّ المُحتلين الصهاينة، لكنّ مكر التاريخ - بعيدًا عن هذر الجغرافية - وجّه الرصاص، فيما بعد، إلى شخصه على نحو ما بجريرة ما فعل!
في التفصيل على المقدمات:
هو كان ابن عائلة عريقة تقليديًا، بيد أنّه تفاجأ بما حصل حدّ الذهول، الذهول والانخطاف معًا، وفي التوّ سقط في الرُجعى، فاستعادت المخيلة - في جملة ما استعادت - تعليق شقيقه الساخر quot;أن كفاك كذبًا، فأنت عاجز - حتى - عن استعادة قطعة أرض تخصّ العائلة!quot; إذاك كان يُسطر خطابه الناري مفرداته - عن أرض سليبة ستُستعاد - برماد مُطفأ، وراح تصفيق الجمهور الهادر يطعن القلب كشفرات رهيفة!
كان ذاك غبّ استفتاء أو إحصاء قامت به حكومة ما، في عهد ما، في مكان ما، في زمان ما. وعلى عادتها وسمتها حكومة أخرى تلتها بالرجعية، من غير أن تلغي نتائج ذاك الإحصاء. ولأنّه كان ما يزال متفاجئًا، حدّ الذهول والانخطاف، نسي أن ينبس ببنت شفة، فهمس الأخرون في أذنها، أذن الحكومة طبعاً: quot;ولكنّه كان في الأمس القريب رئيسًا لأركان جيشكم، فكيف سقط اسمه من لوائح المواطنة؟ كيف سقط ليتهاوى كورقة خريفية تهرأت في خانة أخرى!؟quot;
تفصيل على تفصيل:
لقلب مجيد فصل من الانكسار إذ هي ذي فقرات العمر تشرف على خريف أعجف! وها أنت يا مجيد صنو الجنون، فمن يُقايض عرق الحنطة بقطعة أرض في براري الله الوسيعة!؟
وها هم - كعهدك بهم - يتجاهلون هذرهم عن جنونك، ويلحقون بك كنزيف، نزيف مدرار خلّفَ ظهورهم عقدًا من القرى، عقدًا ترابيًا كاملاً من القرى التي خوت أو تكاد!
فهل كنتَ تعاندهم، وأنت تقايض جهد بائع جوّال - هذه المرّة - بمربع أرض في مقاطعة أخرى!؟ هل كنت تعاندهم، أم أنّك كنت ترى إلى ما لا يرون!؟
ولكن أن تخذلك مفاصل القدمين، وأنت لم تفرغ من قراءة كتبك الصفراء القديمات تلك، وأن تغيب إذاعة حبيبة إلى القلب ذات فجأة، أن تغيب كتبك القديمة والإذاعة دفعة واحدة، فتقف على الحواف منتظرًا الأفول، فقط مُنتظرًا كقمر مُنكسر أو كذئب كسيح؛ أن تخذلك مفاصل القدمين آنئذ، فذاك أمر جلل!
وها هو الجنى يسفر عن هباء، ولا شيء غير الهباء، إذاك كانت الدروب بينك وبين السجن سالكة مُعبدّة. هم يلعنون الساعة التي استقرّ رأيهم فيها على اعتقالك المتوالي كحبات سبّحة. هم يلعنون وأنت تكفر بهم جهارًا!
وها أنت ترتب حلاً للمعضلة على طريقتك، فتلقي بمتاع زهيد - اسفنجة رثة، وبطانية فقدت ألوانها بسبب الحياء ربما، أو تحت وطأة عمرها المديد، ووسادة غادرت ريشها منذ أمد -. تلقي به فوق ظهرك، وتقف كنبتة إثل بجانب جسر هرم، جسر أوكل إليه حراسة المارين من وإلى، من بيوت متعبة مصدورة إلى بلدة فتية وخجولة!
وها هي عربة الدورية تقطع الجسر في طريقها لاعتقالك للمرة الـ ... للمرة الألف ربّما!
وها أنت تنادي على رئيسها، فتتوقف العربة بسبب من دهشتها، لتجيبه بأنك كنت تنتظرهم!
وها هو رئيس الدورية يُخفض رأسه كالمُتألم ربّما، أو كمن اكتشف - للتوّ - مدى التلف والحيف اللذين ألحقوه بأعصابك!
وها هو يرفع رأسه أخيرًا، مربتًا على كتفك، ليُسرّ إليك بصوت خفيض، وهو يغمز لك بهدوء باسم يشبه التعاطف على نحو ما:
quot;ألم نتأخّر يا رفيق مجيد!؟quot;
ذلك أنّ الأوامر - في المؤدّى - هي الأوامر ...!
فصل التشظي والجنون:
ولأنّ ما حدث كان يفوق طاقته على الإدراك، طاش في فلوات وسيعة لا يعرف مسالكها أحد! ولأنّ ما حدث كان موغلاً في جسد الغرابة، راح الأهل يبحثون عن ابنهم الفقيد. كانوا يبحثون عنه بلا جدوى كالخذروف. أمّا كيف وقعوا عليه ذات فجأة... أين أمضى ذينك الشهرين الطويلين؟ ولماذا اعتقل الصمت لسانه تحت عباءته البكماء...؟ صمت مُدوّ وفارق. ولماذا كان يفيق عندما تسبل المنازل جفونها، لماذا كان يفيق غارقًا في لجّة من العرق، ليصرخ وينشج بحرقة ما بعدها حرقة!؟ فلا أحد على وجه التحديد يستطيع أن يُضيء تلك الأسئلة!
فيما بعد... فيما بعد، وبالتدريج ستستعيد ذاكرته تفاصيل كابوس لا يُحتمَل، كابوس زرعه في دائرة من دهشة، لم تُعْط الوقت لتفصح عن نفسها، إذ كيف لقوم انقسموا شيعتين، في مسألة تنتمي إلى حقل التاريخ لا الجغرافية!؟ كيف لهم أن يمحضوا بعضهم حقدًا خالصًا، حقدًا شبيهًا بحقنة سمّ زعاف!؟ حقدًا سيدفع بطرف منهم إلى تفريق الجمع إلى جمعَيْن، فيصْطفُوا فريقهم، يصْطفُونه ويحذفون الفرقة الأخرى بدلالة رصاص ضاغط، رصاص لم يتردّد أبدًا في الإسراع نحو الصدور العزلاء كخرافة!؟
ولأنّ المكان كان ضيّقًا كخرم ابرة، أو لأنّ العدد المحشور في مضيق الموت كان كبيرًا، لم يعد يعقل كيف ألقى بنفسه على عجل في وجاق النار المُطفأ، ولا كيف ألقى زميل له بنفسه فوقه مسوطًا بالهلع والرعب والدهشة والاستنكار!
ولأنّ المكان كان ضيقًا وكتيمًا، ولأنّ الجسدين اندغما بفعل الخوف، بفعل الخوف والضيق وأحاسيس أخرى عصيّة على الفرز، أعياه معرفة مصدر الدم الساخن، الذي راح يُخضّب جسده في غير مكان، ربّما لأنّه- لوهلة - توهّم بأنّه هو الذي ينزف، لكنّه- وإلى الآن - لا يعرف كيف نجا من الإرث المُعمّد بالكره والدم، ولا كيف هام في البراريّ لشهرين طويلين... طويلين!
فصل من سورة النساء:
أنّه جاء في كتب التاريخ كافة، تأسيسًا على أنّهن قد خُلقن من أقمار مكسورة ونبيذ وأقحوان وعنبر: بأنّ الأمهات الفلسطينيات إذ انشغلن بصناعة القنابل، قنابل قيل- والله أعلم - بأنّّها قُدّت من حجارة سجيل، ربّما لأنّهن كنّ ينتمين إلى خير أمة أخرجت للناس، كان ثمّة أخريات في مكان ما... في زمان ما ... في قطر عربيّ ما أو أكثر، قد اقتعدن رصيفًا ما، في شارع ما، يعرضن عليه باقتي بقدونس، وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عليّ، بل جرزتي بابونج، أو ثلاثاً من علب الكبريت، أو من دخان مُهرّب! مُضيفًا بمكر ربّما، وربّما بأسى، بأنّهن كنّ قد نسين كل ما يتعلق بتاء التأنيث الساكنة من زينة، وأنّ رائحة طيبٍ كانت تفوح منهنّ، ربّما - والكلام ما يزال بيمين عبد الله - لأنّهن كنّ كالسمك يتحمّمن كل سنة مرة، وبشيء من إسراف مُكابر!
فصل الهُويّة:
ولأنّك بدوي بسيط كالماء، ولأنّك بدوي واضح كطلقة مُسدّس، ولأنّك أقرب إلى الفطرة الأولى والسذاجة الأولى والأرض العذراء البكر، أعياك استيعاب النظرة المطلة من عينيّ المُوظّف، النظرة المُطلة من عل، أعياك الاستيعاب وأربكك، بل وأخافك بعض الشيء!
ألهذا أضيفت إلى موطن خيباتك الخصيب انكسار جديد!؟
ألا يكفي الحرمان من لحم مشويّ راح يسوط الذاكرة بغلاء مباغت، وأنت الواهم بحلم بسيط... بسيط ولكن عزيز!؟
بيد أنّ جاركم ذنون حتو رجل طيب وشهم... رجل طيب... نعم، رجل طيب وكريم، فلماذا رمقك الموظف بتلك النظرة الشزرة المُستنكرة!؟
ثمّ أنك لم تقل شيئًا خطيرًا، فإلامِ ذهبت به المظان!؟ فقط كان الفضول يسوطك، كان يسوطك بقوة، فسألته ببراءة طفل... أن أين ستذهبون بالبطاقات الشخصية القديمة، غبّ أن استُبدِلت ببطاقات جديدة... جديدة ولامعة على نحو مُفرط!؟
ولمّا جاءك جوابه بأنّها ستنتهي إلى الفرم، فلا يبقى منها سوى نثار تذروه الرياح، عندما جاءك جوابه ذاك، أفلت منك السؤال كنابض مشدود:
quot;ولكن لماذا لا تمنحونها لأولئك البدون المساكين..!؟quot;
أنت لم تكن تقصد... مُؤكّد أنّك لم تكن تقصد، ثمّ أنّك لم تكفر بالآلهة... أليس كذلك!؟
خاتمة فصل الرحيل:
لم يستطع أن يخبر زوجته بمصابهما الجلل، هو لم يستطع أن يُخبرها، فتابع مسيره الواهن فوق أرض سكرى، أرض سكرى راحت تترنّح، وسماء متماوجة، مُتماوجة وزرقاء أو مزرقة على نحو غريب. وأخذ النهر المتعرّج كذيل أفعى مُعمّرة يدنو. كان النهر يدنو، بيد أنّ السرّ الضاغط كان يُثقل على فؤاده الجريح، لقد تأكّد له موت وحيده، فحتّام يُخفي المصيبة عن زوجته!؟ أكثر فأكثر أنشأ النهر يقترب، وإلى الشرق منه، إلى الشرق تمامًا، نهضت الحافة الشرقية التي تحدّ الغور على صورة حيوان خرافيّ ضخم، حيوان ضخم أو ضرع بقرة مُتعدّد الرؤوس، إنّها الأرض التي ترتمي إلى الشرق من نهر الأردن إذن..
quot;ولكن لماذا أيها الإله الرحيم!؟ لماذا... ولمصلحة من!؟quot;
مُبرّحًا كان السؤال، ومبرحًا كان الجواب المؤسي، مُبرحًا إلى درجة استحال معها التكتّم أكثر، فالتفت إلى الوراء، التفت ليُفضي إلى زوجته بالوشل المدمّل الذي أخفاه خفق الضلوع، وراعه أن لا أحد كان هناك، هناك حيث ينبغي لزوجته أن تكون، فانصعقت ذريرات الوعي، التي أعياها اكتناه الموقف.
quot;ولكن هذا - على نحو ما - غير منطقي... غير منطقي وغير عادل!quot;
انصعقت الذريرات، وهبط قلبه نحو القدمين، نحو القدمين تمامًا. وبهلع مُتوجّس تململت عيناه في محجريهما لائبة... هناك... هناك عند المنعرج، هناك حيث تُغيّبُ شجيرات قصيرة وكثة ملامحَ الدرب، كان ثمّة جسد مُتكوّر... مُتكوّر ومُتكوّم على ذاته بشكل كبير. وفي المسافة التي بدت - آنئذ - شاسعة وباهتة تلوّنَ المشهد بأحمر شبيه بالحناء... أحمر كالحناء ولزج، خوّض في الماء إلى الركبة، وكم شعر - إذاك - بالعطش... وعلى نحو ما تهاوى ببطء نحو الأسفل، وأفلتت يداه جسد الصغير البارد، أفلت جسد الصغير، ليرتفع في الأمداء عواء إنسانيّ مديد.. مديد!
*** *** ***



التعليقات