تحقيق عبد الهادي روضي: يحلم كثير من المبدعين بإخراج إنتاجاتهم الإبداعية إلي حيز التداول الثقافي من بواباته الشاسعة، غير أن هذا الحلم ـ أو لنقل المغامرة ـ سرعان ما يصطدم بإكراهات بنيوية تمس الوضع الثقافي بالبلاد العربية عامة (معيقات الطبع والتوزيع، ضعف المقروئية، وانحسار أفق تداولهاhellip; إلخ).
فكيف يفكر المبدعون، شعراء وقاصين، في خوض مغامرة الإصدار الأول؟ وكيف يتم الإقدام علي ركوب المغامرة، وكيف يتعاملون مع حيثياتها؟ ثم ما هي الاستنتاجات التي يخرجون بها، وهل يفكرون في تكرير المغامرة؟، تلك بعض من أسئلة طرحناها علي ثلة من مبدعي الوطن العربي، ممن تفاعلوا مع دعوة التحقيق، بترحيب، فكانت هذه أجوبتهم:
نوارة لحرش
(شاعرة / الجزائر)
كل كاتب طموح ومجتهد يحلم طبعا بطبع أعماله ولم شتاتها بين دفتي كتاب يضمها يحضنها ويحفظها إلي ما شاء الله أن تحفظ وأن تتداول وتنتشر. هذا أكيد وبديهي وضروري أيضا.
وضرورته كفعل أدبي يخلد ويؤسس ويؤرخ للفعل الكتابي في شتي فنونه وصنوفه. شخصيا منذ وعيت بالكتابة وقيمتها وفاعليتها وجدواها، وعيت أيضا أهمية الطبع
طبعا الطبع ليس سهلا أبدا وليس في متناول الكثير منا. فالطبع في الوطن العربي مكلف جدا ومستنزف أحيانا. ونحن كما تعرف ( أي الكتاب العرب) إمكاناتنا المادية محدودة وكثير منا لا يستطيع التكفل بطبع كتبه علي حسابه الخاص إلا في ما ندر. لكن الطبع حلم شرعي ومشروع لدي كل كاتب. وكان حلمي الجميل منذ زمنhellip; كنت أحلم بالطبع لكني لم أكن ألهث خلفه ولم أكن متسرعة في هذه المسألة تحديدا. ولهذا لم أستجب للكثير من نداءات الطبع لي من طرف بعض الهيئات الثقافية الجزائرية وكنت في كل مرة أعتذر عن تسليمهم أي مخطوط لي لأن الوقت لم يحن بعد لخوض مغامرة الطبع حسب وجهة نظري الخصوصية وقتها. لكن مؤخرا استجبت ودفعت كتابي لجهة ثقافية كثيرا ما ألحت علي في طلب النشر ووافقت ودفعت بكتابي الأول للنشر ونشر والحمد لله.. والحمد لله أيضا أن فرحتي به لم تدم إلا بضع دقائق.. وهذا في النهاية مهم وضروري لأي كتاب. يجب عليه أن لا يوقف فرحته الكبري والنهائية عند إي إصدار، وهذا كي يظل عشقه الأدبي دوما في توقد واشتعال واشتغال كذلك. وأكبر استنتاج تخرج به حتما هو أهمية الطبع وجدواه وضرورة مواصلة المسيرة بكثير من الحلم والاجتهاد والطموح. وطبعا مهما كانت تجربة الطبع الأولي فهي علي قدر بليغ من الجدوي والأهمية ومهما كانت درجة فرحنا بالكتاب الأول الذي طبع أو درجة خيبتنا به وبالتجربة أو المغامرة، فهذا لا يقتل مطلقا رغبتنا في إعادة المغامرة. فما دامت الكتابة مغامرة الكاتب الأبدية فستظل مغامرة الطبع أيضا مغامرته الأبدية، لأنها مرادفة للكتابة ولحلمه ودخوله الأبدي في ملكوت الإبداع. هكذا أعتقد، وهكذا سأخوض مغامرة النشر والطبع طالما أنا علي قيد الكتابة وعلي قيد الحلم وقيد نهار الحياة الذي يطرقني شعرا.
رشيد الخديري
(شاعر / المغرب)
أعتقد أن الإصدار الأول هو حلم مشروع لكل مبدع، ذلك أنه تجربة نقيس بها نبضنا أولا، ثم نبض المتلقي لأنه هو المرآة التي تعكس حقيقة إبداعنا، شخصيا تنتابني رغبة جامحة في دخول عالم النشر، لكن هذا الحلم يصطدم بمجموعة من العراقيل ويمكن أن نوجزها فيما يلي:
ndash; غياب الدعم من الجهات الوصية علي الحقل الثقافي
ndash; التهميش والتطبيل للأسماء المكرسة
ndash; مشكلة التوزيع
هذه فقط بعض العراقيل التي تحد من حماسك الإبداعي، وكم شاعرا ابتعد عن الشعر لأنه لم يجد الدعم اللازم حتي يتمكن من مواصلة رحلة الابداع، لكن مع ذلك يجب أن نتشبت بحلمنا، بحقنا المشروع في الكتابة والانكتاب.لا أخفيك أنا الان بصدد خوض تجربة الطبع، لكن الضائقة المادية حالت دون مواصلتي هذا الحلم، ومع ذلك سأواصل الحفر والكتابة بأظافري وأسناني كما قال الشاعر العربي الكبير محمود درويش، لأنه قدرنا أن نشقي ونتعب وهذه هي حلاوة الإبداع، الألم هو الطريق للإبداع، هو سلَّمنا للبهاء والجمال، وعموما تبقي تجربة الطبع تجربة متفردة ومتميزة ولن أتواني في خوضها مهما حدث.
مصطفي ملح
(شاعر/ المغرب)
ما زلت أذكره : كان إحساسا ملتبسا أول مرة. أن تصدر مجموعة من القصائد يجمعها كتاب بغلاف وعنوان شاهدين علي عسر الولادة الرمزية. الإحساس بالبعث من رماد ما، والقيام من سقطة كونية عنيفة. هذا الإحساس يسكننا لأيام كأوكسجين يتمدد في شرايين الهواء. لكنه مع الكتاب بين يديك تحمله كما تحمل دمية أحرقت ضفائرها في حادث رهيب. لا أحد يقرأ. أغاني الكليب الراقصة والأعين المفتوحة عن آخرها مشدوهة إلي فداحة الجسد المعروض، فكيف للقصيدة والأمر كما وصفت أن تجد لها موطئ قدم داخل هذه الهستيريا اللاذعة الشاسعة؟
كيف يستطيع الشاعر أن يحقق التوازن بين الأرضي والسماوي؟ بين مهنته الأزلية المتمثلة في صنع الجمال وتمجيد الحق ومدح طيور البحر، وبين تجاوز محنته الوجودية والاجتماعية؟ أما زال للقصيدة دور في صناعة الأوهام الكبيرة : وهم الإيديولوجيا، ووهم الوطن ووهم الطفولة، ووهم الإيقاع المائز والمنحاز إلي بساطة الأشياء؟.
هذه أسئلة مستفزة بالتأكيد. والذي يزيدها عنفا هو الوضع القرائي العام والمستوي التداولي للكتاب والأسئلة الثقافية العميقة التي كانت تطرح بحدة بصدد الإبداع والإنسان والقيم. إضافة إلي سقوط الوهم الكبير: وهم تداول الكتاب الأول ؛ إذ كنت شخصيا أعتقد أنه سيقرأ ببعض الحب والحياد، وسيتداول كأي منتوج رمزي يمكن أن يضيف بعض الثراء إلي المنجز الإبداعي الوطني، وسيكتب عنه بالأسلوب الذي يفجر دواله ومدلولاته، ويكشف عن جمالياته ويضع اليد علي أبرز اقتراحاته، فإذا بي أفاجأ به يعامل معاملة نبي في قومه!
اكتشفت أن موسسة الإعلام مرئيا كان أو مكتوبا أو مسموعا هي مرتع للزبونية ومخبأ للأبوية ووكر فاسد للحزبية الضيقة اللعينة. إذا كنت فلانا أو علانا فسيمرر الإعلان عن إصدارك الجديد وفي الصفحة الأولي وفي أقرب وقت مشفوعا بأحر التماني والدعاء بالإصدار الجديد. .. وهكذا.
أما إذا كنت نكرة بن نكرة من أحفاد نكرات فلا أحد ينتبه إليك ولا إلي ما تكتب حتي ولو ملأت الدنيا وشغلت الناس. .
مالك القلاف
(شاعر وقاص / السعودية)
بالنسبة لي، فأنا علي وشك إصدار مجموعة قصصية، ولم توقفني معيقات الطبع بقدر ما أعاقتني إجازة النصوص من قبل وزارة الإعلام، وهذه هي المشكلة الأزلية والتي يعاني منها كثيرٌ من المبدعين في السعودية، المشكلة لدينا هنا هي قصور في فهم الأدب أو الفن أو الثقافة بشكل عام.
بالنسبة لبعض الطبالين باسم الثقافة، وخصوصاً ذوي المناصب والذين تفوح منهم رائحة ايديولوجياتهم الصرفة فكان مبدأ الرفض واجهة أساسية لكل ما ترفضه أفكارهم سواءً كان سياسياً أو ثقافياً أو حتي عقائدياً، وبحكم مناصبهم (كمجيز نصوص) فأنا مضطر لأحد الأمرين، إما أن أواكب أفكارهم وأطبقها بحذافيرها دون الحياد عنها قيد أنملة، وبالتالي اضمن خروج نتاجي الإبداعي إلي حيز التداول، أو العيش علي حلم حدوث معجزة ما تغير الوضع السائد، أما الخيار الثالث وهو ما ذهبت إليه أنا، فهو أني اضطررت في النهاية الي أن أراسل دار نشر خارج السعودية، وهذا الخيار مكلف جداً، ويعزف عنه كثيرٌ من المبدعين ذوي الدخل المحدود، فيبقون علي خيار الحلم لحدوث معجزة ما.. أما بالنسبة لانحسار افق التداول فالوضع هنا مكرور في أغلب الدول العربية، أنا لا أؤمن بوجود نتاجات إبداعية تخص شريحة دون أخري، ولكن ما يحدث هنا هو بالفعل خرق لهذا القانون، والسبب هو عزوف الكثير من الشرائح وابتعادهم عن القراءة والابداعات المحلية، خصوصاً لغير المعروفين..
أعتقد بالنسبة لي أني وحتي لو لم يتم تداول نتاجي الفكري أو الإبداعي فسأحرص علي إعادة المغامرة مع العيش علي حلم تلك المعجزة التي تكلمت عنها آنفاً. hellip;
فاطمة الزهراء بنيس
(شاعرة/ المغرب)
سؤالك عاد بي إلي البداية. .. إلي محاولة إخراج الكتاب الأول، والوقوف علي عتبة التردد ما بين الإقدام علي المغامرة والتأني، ولأنَّ الشاعر لا يكون شاعرا إلاّ إذا غامر بذاته قبل نصوصه، فقد اخترت خوض المغامرة عن حب وطواعيةhellip;. لأستنتج في ما بعد أنّ لولا تلك المغامرة لما تطوّرت كتاباتي، ولولاها أيضا لما أحسستُ بمسؤوليتي تجاه مشروعي الإبداعي. hellip; أعتقد أنَّ إصدار الكتاب الأول من أجمل المغامرات التي يعيشها المبدع رغم معاناته من واقع لا يعير أي اهتمام للإبداع.
وبما أنّ المغامرة أثارتني واسْتهوتني فلا بدَّ لي أن أعيدها مستلذّة بنارها ونورها.
سعيد ياسف
(شاعر / المغرب)
لم يكن هناك ما يشجعني علي جمع قصائدي والدفع بها لإحدي المطابع، لأن وضعي المادي لا يسمح بذلك، لهذا احتفظت بأرشيف كامل لما نشرت، أملا في أن تتوفر الظروف لطبع الديوان / الحلم.
و في أواخر 2003 زارني الصديق الشاعر عبد الرحيم الخصار، كعادته محملا بجديد الكتب والمجلات وما استجد في الساحة الأدبية، ونصحني بأن أرسل بقصائدي إلي وزارة الثقافة.
علي الفور رقنت القصائد وجمعتها في مطبوع كما أردت للديوان أن يكون ترتيبا وإخراجا، العنوان كي أدرك أنحائي يحتوي علي 31 قصيدة في 4 أبواب هذه الأبواب عبارة عن أنحاء مجازية.
عادة ما كنت أرسل نصوصي للنشر في منبر ما دون انتظار الرد، وحين راسلت وزارة الثقافة في شأن طبع الديوان، انتابني إحساس مختلف، فهذه المرة استثناء، وقد جاء الرد إيجابيا.
هكذا بمحض الصدفة ودون ترتيب لموعد أو تبييت لنية، جري كل شيء بسرعة الحلم.
و عاد ذلك الإحساس المدهش بالنشوة والخدر.
طبع الديوان، بعد أيام، حصلت به علي جائزة بيت الشعر، من الطبيعي أن يثير ذلك في رغبة أكيدة لتجاوز تجربتي والخوض في عوالم وتيمات لم أتطرق لها من قبل، ومن الطبيعي أيضا أن يتسع أفق رؤياي إلي ما بعد طبع ديوان واحد. ولكن قبل ذلك هناك مجموعة من الأسئلة التي تلح علي، وهي مدعاة للتأمل والوقوف عند أكثر من هاوية.
زكي شمسان
(شاعر /اليمن)
كان حرصي علي تجاوز معوِّقات النشر والتدوال في بلدي اليمن سبباً في تأخر نشر مجموعتي الشعرية الأولي (ما نشره البحر.. من ذاكرة الغريق) والتي صدرت مطلع2006 عن دار شرقيات القاهرية وهي واحدة من دور النشر العربية المرموقة.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ معيقات الطبع والتوزيع في كل بلد عربي تنجح في عزل كتَّابها عن الأوساط المثقفة في البلدان العربية الأخري، ولكن في نهاية الأمر يظل الأدب العربي المعاصر إجمالاً، يظلُّ معزولاً عن الخارج (المتمثل في الثقافات الأخري)، وعن الداخل أيضاً المتمثل في جمهور عربي مهتم بالأدب يُفترض وجوده، وجميعنا يدرك أن المشكلة الحقيقية التي تطال الأوساط الثقافية العربية برمَّتها هي مشكلة محدودية القراءة وضآلة الجمهور المتلقي والمهتم بالشعر خاصة، وببقية الأشكال الأدبية بشكل أعم.
صحيح ان انحسار جمهور الشعر هو مشكلة عالمية في الوقت الراهن (ربما بسبب عدم تبلور مفهوم متماسك للحداثة الشعرية وهيمنة التجريب علي معظم التجارب الشعرية الراهنة) لكن هذا لا ينفي أن مشكلة المجتمعات العربية هي مشكلة انحسار الجمهور المهتم بالقراءة أياً كان موضوعها، ربما لانشغاله بالركض واللهث تارةً وراء لقمةِ العيش، وتارةً بالركض هرباً من رصاصةٍ طائشة.
علي أيَّةِ حال.. فالكاتب لا يملك إلا أن يستمر في طريقه وإن بدا مغامرة أو حتي مقامرةhellip;! ففي نهاية الأمر تبقي الحياة بِرُمَّتها في أوطاننا..مغامرة لا تكف عن المقامرة بأحلامها علي طاولةِ جنرالٍ لا يقامر أبداً بأكثر من رصاصةٍ واحدة من مسدَّسه المحشوّhellip;
سعيد بوكرمي
(قاص ومدير دار أجراس للنشر / المغرب)
كانت مغامرة إصدار الكتاب الأول شاقة، بل مؤرقة إلي أبعد الحدود. فعندما كنت أكتب قصصي متفرقة سواء أخذت طريقها للنشر أو بقيت داخل عتمة درج المكتب. كنت أحس أن الديناصورات الكبيرة تلتهم في طريقها الكتاب الجدد.
وفي كل الأحوال كنت مهووسا بالكتابة والكتابة فقط ولا تهمني الطباعة. حتي المنابر الاعلامية المتاحة لم تكن تغريني. كنت أعيش الكتابة بكل أنفاسها الصاعدة من مسام الواقع المغربي الجريح: طالبا في الثانوية ثم في الجامعة. كان الكاتب الكبير أحمد بوزفور يعاتبني باستمرار علي عزوفي عن النشر متسائلا عن السبب. ثم جاءت فرصة النشر في دار نشر حديثة كان صاحبها شابا يحلم بإشعاع ثقافي ومستقبل للنشر. لكن للأسف لم تستمر. فوقع اختيارهم علي قصصي لتطبع بذلك مجموعتي الأولي في 3000 نسخة كانت متلألئة بتقديم أحمد بوزفور عن المرحلة الزرقاء في القصة القصيرة. وبعد تقشير البطل أي بعد ست سنوات جاءت مجموعتي الثانية الهنيهة الفقيرة ثم هواء خرائبي التي نشرتها بعد ذلك بخمس سنوات لدي أزمنة بالأردن. النشر في المغرب مغامرة حقيقية فإذا لم يكن لديك دعم فإنه انتحار مادي ومعنوي خصوصا وسط سماسرة النشر وأمية شعب لا يقرأ.
رشيد منيري
( شاعر / المغرب)
أعتقد أن المغامرة هي مغامرة الكتابة، النشر مسألة لاحقة دائما. بالنسبة لي لم أفكر كثيرا في النشر. كتبت نصوص مجموعتي الأولي لأنه كان لا بد لي بشكل ما من ذلك، ما كان يهمني وما يزال هو ان اكتب. النشر كان مجرد رد فعل عنيف تجاه الرفوف. رد عنيف من جهتي بالطبع اما سوي ذلك فكل شيء شاحب..لا يُعامل الشاعر في دوائر النشر وتلك الدوائر الضيقة عادة للتلقي كمبدع يجهر بحالة قلقه الوجودي، لا تهم الأسئلة التي يطرحها ولا الدموع التي يغسل بها الحيرة. إنه مجرد رجل يكتب الشعر، صورة المراهق الذي يبدد الحزن ستظل تترقرق في أفكار من لا يعرفون شيئا عن جوهر الأدب وهم يفكرون بالشاعر، وهؤلاء هم الأكثر للأسف، قبل سنتين تقريبا كان يقول لي مسؤول بوزارة الثقافة المغربية بالرباط وأنا أطلب قراءة عقد سأوقعه ليتلو ذلك نشر كتابي في سلسلة الإصدار الأول، وقد بدا له ذلك في ما احسب تشكيكا بعظمة الموظفين: أنت الرابح، فسيطبع كتابك وستأخذ خمسة آلاف درهم وثلاثين نسخة!
هكذا..لا أحد يعتقد ان الأدب يقدم شيئا ما، لهذا من حيرتي أنفقت الخمسة آلاف درهم في الشرب والتسكع وأنا أفكر بجدوي الأدب وبالشعر وحده..ثم عدت إلي غرفة ألتهم سجائري السوداء واكتب لأنه لا بد من ذلك.
وما دمت حيا سأنشر كتبي لأنها الحب الذي أجهر به.
عبد السلام المساوي
( شاعر/ المغرب)
كان ذلك في صيف 1986.. رنوت إلي المخطوط الذي ضم إضمامة نصوص البدايات، وقلت لم لا أنشره في ديوان وأنضم إلي صف الشعراء، فيتحصل لي من ذلك خير كثير وأغدو كسائر الأدباء مزهوا بالشهرة والمجد؟! استشرت من توسمت فيهم الحميمية والاهتمام فتوزعوا بين مشفق من جلال الأمر الذي أنا مقبل عليه، وبين مكبر لروح المغامرة التي قصمت ظهورا وأسندت أخري(hellip;)، توقفت عن استفتاء ذوي النصائح وكاتبت الشاعر محمد بنعمارة الذي اعتبرته وصيا علي تركتي من النصوص، وهو الذي حرص منذ البداية علي إذاعتها علي أمواج إذاعة وجدة ضمن برنامجه الشهير حدائق الشعر .. ورجوته أن يكتب مقدمة للديوان تضفي عليه بعض المصداقية وتوطد ثقة القارئ به.. فقبل مشكورا أن يفعل(hellip;).
أذكر اليوم أن أول قرض من البنك بعد الوظيفة رصدته لنفقة طبع الديوان.. كان المبلغ كبيرا وكافيا لشراء سيارة.. لكن الشعر في ذلك الوقت كان أهم من السيارة في تقديري؛ والناشر البيضاوي نفسه أقسم لي يوم زرته علي أن النقود تفني ويبقي الأثر، وعندما ودعني بباب المطبعة كان المبلغ قد اختفي تماما في جيبه ولم يبق له أثر ! وعدت إلي فاس وقد تملكتني نشوة غامرة وغرور لا حد له، كيف لا وبعد أسابيع قليلة يصدر ديواني الشعري الأول، وأكون جديرا بأن يحسب لي ألف حساب، وأصبح من طينة الأدباء الذين قرأت عن مكانتهم في المجتمع والحياة.. ولشدة جهلي بحرفة النشر وحيل أصحابها صرت أخرج كل يوم لأتفقد الأكشاك عساني أري عملي المطبوع يرفل بين معروضاتها، فينتهي بي المطاف إلي مكتب البريد لأؤدي فاتورة مكالمة يستعمل فيها الناشر كل ألفاظ تطييب الخاطر لربح مزيد من الوقت ومن فرص التنكيل بصبري وأعصابي.. ووجدتني ذات يوم أكتب له خطابا طويلا ركزت فيه كل مشاعري؛ فكلت له من الرجاء أضعاف ما كلت له من العتاب.. لكن الشهور كانت تمضي ببطء، فيمضي معها ما تبقي من ملامح الفرح بالإصدار الأول الذي يعرف قيمته كل من جرب هذه المعاناة !
توالت مكالماتي المكلفة وتوالت اعتذارات الناشر بلا حساب، ومرة هددته بعد أن فقدت السيطرة علي لساني: لم لا ترد إلي نقودي ويرتاح كلانا من هذه الصفقة الموجعة؟! فسمعت صوته علي الطرف الآخر من الخط يهمس بأن علي أن أزوره في الأسبوع المقبل للنظر في أمر توزيع الديوان.. وفي الموعد كنت هناك أتملي بمظهر الديوان وأقارن بين غلافه الغريب وبين الورق الذي يستعملونه عادة لتلفيف قوالب السكر.. قال الناشر يومها بأنه لم يدخر جهدا لكي يخرج الديوان في هذه الحلة البهية (!).. ولما حملني بسيارته إلي شركة سوشبريس لإمضاء عقدة التوزيع، عرض علي خدماته بأن يكون هو الطرف الموقع مع الشركة لكي أضمن خصما مخففا من سعر التوزيع باعتباره عميلا لها، فصمت عن عرضه وقبلت بالـ 45 % علي أن أعرّض نفسي لمزيد من دسائسه.
وقعت العقد دون أن أقرأ بنوده، وظهر الديوان بعد أيام في الأكشاك، وكنت أستعرضه كل يوم وأتفقد وضعه بين ضرائره ومنافسيه، فأخرجه من بين الأكداس لعله يظفر بعطف المارة وبنظراتهم الشحيحة، ولم تمض غير أسابيع قليلة حتي صارت ألوانه تبهت وورقه يتآكل من فرط الشمس.. وذات صباح خرجت لاستعراضه كعادتي فلم أجده.. ونازعت فرحا طارئا بكون الديوان قد بيع عن آخره، لكن صاحب الكشك الخامس أوقف كل سبيل للافتراضات التي كانت تسير في اتجاه ما أتمني، قال: لقد جمعوه هذا الصباح .. ثم أردف: أتمني أن يكون في بيتك متسع لاستضافة المرجوعات !. . ولم أكن قد سمعت بهذه اللفظة من قبل (المرجوعات)، قلت له: ولكن لم يمض علي التوزيع غير شهرين أو أقل.. فقال: وكذلك يفعلون..
بعد شهر من اختفاء الديوان من الأكشاك استلمت رسالة من سوشبريس وبداخلها شيك بمبلغ بيع 498 نسخة من أصل 1200 نسخة بعد خصم نسبة التوزيع، ومع الشيك رسالة شبيهة بالتهديدات الصادرة من المحاكم أو من قسم الضرائب تقول: إذا لم تستلم المرجوعات بعد انصرام الأجل الفلاني فإن الشركة ستكون ملزمة بإتلافها! .
مصطفي لغتيري
(قاص/ المغرب)
ليس خفيا علي أحد أن معضلة النشر في المغرب مستعصية ويكتوي بنارها الجميع، فحتي الكتاب الذين قطعوا شوطا كبيرا في ممارسة الكتابة ونشروا عددا لا بأس به من الكتب لا يزالون يعانون من هذه المعضلة، فكيف بالكتّاب الشباب الذين لا يزالون يبحثون لأنفسهم علي موقع قدم في مجال النشر؟ وهذا الأمر يحتاج إلي معالجة عميقة وجدية تأخذ بعين الاعتبار كل أبعاد الظاهرة البارزة والخفية، فمسؤولية وزارة الثقافة حاضرة بقوة باعتبارها المسؤول الأول عن قطاع الثقافة في البلاد، كما لدور النشر نصيب من المسؤولية، دون أن ننسي اتحاد كتاب المغرب بما يمثل من سلطة معنوية، يمكنها أن تؤثر إيجابا من أجل حل المشكلة من خلال الضغط علي المتدخلين في مجال النشر، وباقتراح بدائل علمية وعملية.. ومن خلال تجربتي فقد كنت إلي حد ما محظوظا في تجربة النشر الأولي، إذ استفدت من مشروع الكتاب الأول الذي تشرف عليه وزارة الثقافة، لهذا لم أعان ما عاناه كثير من الكتاب من أجل طبع كتابهم الأول.. ومع ذلك فإنني بحكم علاقاتي بباقي الكتاب خاصة الشباب منهم، أعرف مدي المعاناة التي يعانونها من جراء هذا الأمر.. وأظن أن الدولة ملزمة اليوم قبل غد باتخاذ تدابير ترفع من المقروئية وتفتح الآفاق الواعدة أمام الكتاب ولكي يزدهر الكتاب في بلادنا.. ولعل ندوة عاجلة تفتح أحضانها للكتاب قادرة علي صياغة أكثر من حل.. المهم أن تتوفر الإرادة الحقيقية للتعاطي مع هذا المشكل بروح المسؤولية والجدية المطلوبة.
عز الدين الماعزي
(شاعر وقاص / المغرب)
تشبه عملية النشر الابداعي علي الحساب الخاص ولادة قيصرية لا هي بالصحيحة ولا هي بالمكتملة، الكل سيان كما يقال والحق يقال إن نعمة النشر لدي البعض نقمة عند الاخرين، يعني أن تنشر فإنك تورطت والتفريخ يلزمك بآخر وآخر.كما اللعبة الي ما لا نهاية، الأصعب أن تصبح لعبة بيد لعبة أكبر لكي يبقي اسمك لائقا وحاضرا ومسموحا به للمرورإلي قلوب الناس وليس إلي القراء، فالقراء قلة في وطني وأكثرهم يهتمون بالخبز ونتائج الكرة والمدرب وأدوية الأطفال أو بتكوين أعشاش خرسانية أو الموت ببطء بين طوابير الاقتراض مع وضع الأحلام جانبا إلي أن يستيقظ ذاك الذي ليس علي البال. نحتفي بالإصدار الأول وكأننا نحتفي بأول مولود ولكل منا حكاية مع كتابه عذابه وحكايتي كالتالي هي حكاية مؤلف ضائع (أكثر من 500 نسخة سردتها للأصدقاء والباقي يقاوم الجمود في المنزل لا أنا أنزلته إلي السوق ولا هو انتهي مني وقد ظل لدي منسوخا لأكثر من عامين وكذلك المنشورالثاني -احتجاج الاعمي- الذي يقبع في بطن الحاسوب لأكثر من ثلاث سنوات ينتظر أن تحن عليه الظروف وان تفرج
عنه جمارك المصاريف والتعديلات في آخر لحظة، مرة فكرت ورفضت أن أرميه كطرد ليتشرد بين أيدي وزارة الثقافة لعل وعسي يحن عليه البعض..الأعداد المتبقية من (حب علي طريقة الكبار) تنقص يوما عن يوم للاهداء أو لتقديمها للاصدقاء ومن يذكر لي التوزيع أصاب بالصدمة والدوخة. وأقسم لو أني لم أنشر،لأني ضيعت وأضيع بعضا من مصروف الأطفال وثقل الزمان أو أني وأني،،أفكر الان أن لم أجد من يساعدني في نشره ويقاسمني بعضا من همومه وصراحة بت لا أريد أن اكون وحدي الخاسر أريد من يتقاسم معي ألم الخسارة وألم الكآبة لكي ابتسم لظلي في سري. .
لا أحب أن أكون حزينا البتة، فتجارب الأصدقاء بل والأعداء تحتم علي أن أكون صبورا كالجمل. .. وحكاياهم تعفيني عن التحدث ولو بالقليل لعلي أنام قليلا أو كثيرا لكي تسعفني العبارة وأحلق عاليا كالسنونو في انتظار أن يعفو الرب علي أمثالي من ركوب المغامرة.
محمد بلمو
شاعرـ / المغرب
بدأت أكتب الشعر في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، واكتفيت بالنشر في الجرائد والمجلات إلي حدود سنة 2001 حيث تم نشر ديواني الأول صوت التراب ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب. صحيح أنني حاولت قبل ذلك بسنوات نشره، لكنني لم أستطع تحقيق ذلك، بسبب طغيان الهاجس المادي علي صناعة الكتاب، وغياب احتضان مؤسساتي، فسلسلة الكتاب الأول التي تصدرها وزارة الثقافة مثلا لم تكن موجودة آنذاك. اتذكر أن الصديق الطاهر الطويل كان قد خطط ديواني الأول، فحملته مبتهجا إلي إحدي دور النشر، لكن لسوء حظي أنني وجدت أحد الكتاب المشهورين بالتخصص في كل شيء بما في ذلك السب والقذف والبوكس هناك مع صاحب المطبعة. وقد وجدها فرصة للنيل مني وتحريض صاحب المطبعة ضدي، فقط لأنني كنت قد كتبت يوما أعاتبه علي استعماله العنف ضد أحد الزملاء. عندما استقبلني صاحب المطبعة وهو فنان وطيب، فهمت أن صاحبنا البوكسور قد قام بالواجب ضدي علي أحسن وجه، فعدت خائبا، وقد قررت ألا ألجأ إلي أية مطبعة، حتي لو تطلب ذلك الاقتصار علي النشر في الملاحق والمجلات المتوفرة. وطبعا أنا ممتن لاتحاد كتاب المغرب، وبالخصوص للشاعر الصديق حسن نجمي الذي شجعني علي نشر الديوان ضمن منشورات الاتحاد. لقد كانت فرحتي بباكورتي الشعرية لا يمكن تصورها، خصوصا أنها نشرت ضمن مجموعة من مجاميع الشعراء الأصدقاء كحكيم عنكر.
* لقد أعدت المغامرة فعلا، رفقة الشاعر الصديق عبد العاطي جميل، عندما أصدرنا في السنة الماضية ديوانا شعريا مشتركا بعنوان حماقات السلمون بمطبعة الداوديات بمراكش. ولن أتأخر عن القيام بمغامرة ثالثة ورابعة إن تمكنت
- آخر تحديث :



التعليقات