هي ما تبقى من الهندسة الحضارية للإمبراطورية الرومانية القديمة، بقايا أسوار وبنايات شاهدة على تاريخ عريق يعود إلى فترة ما قبل الميلاد. وأوردت عدة مصادر تاريخية ذكر وليلي، وكشفت الحفريات الأركيولوجية التي أقيمت في الموقع منذ بداية القرن الماضي على عدة بنايات عامة وخاصة، ما رجح كون الاستيطان في المدينة يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد مثلما تدل على ذلك إحدى النقوش.
يحيى بن الطاهر: في بداياتها كانت وليلي حاضرة موريتانية (المغرب القديم) وتحولت إلى مدينة رومانية خلال العقد الرابع الميلادي حتى أواخر القرن الثالث، قبل وصول إدريس الأكبر مؤسس الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى الذي استقر بجوارها سنة 789م، على بعد ثلاثة كيلومترات، حيث عاصمة ملكه مدينة زرهون التي تعتبر أولى المدن الإسلامية في منطقة شمال إفريقيا.
شهدت المدينة أقصى درجات توسعها سنة 169م، بعد أن أحيطت بسور كبير ذي أبراج شبه دائرية تخترقه سبعة أبواب. وشيدت منذ الحقبة الموريتانية بنايات لا تخلو من رونق ودقة في الإبداع أشهرها المعابد. وبعد إلحاقها بالإمبراطورية الرومانية عرفت تشييد العديد من المعالم التي لا زال التاريخ يخلدها، إذ تم تخصيص مساحة مهمة لحي سكني مكون من منازل جميلة مزخرفة ساحاتها بالفسيفساء والنقوش.
كشفت الحفريات المنجزة عن وجود بنايات ضخمة وعناصر أثرية مختلفة كالأواني الفخارية والنقود ومجموعة مهمة من المنحوتات الرخامية والبرونزية، تشكل جزءا مهما من معروضات المتحف الأثري في العاصمة الرباط أين تم نقلها.
إلا أن الحفريات لا زالت تتوقع الكشف عن الكثير من المعلومات التي لم يتم التوصل إليها بعد حول quot;أسرارquot; هذه المدينة الضاربة في القدم، إذ يعتقد الباحثون أن ثمة كنوزا أثرية نفيسة ومعلومات من شأنها إضاءة جوانب تاريخية مهمة في منطقة الشمال الإفريقي وحضارتها القديمة.
لعهود طويلة ظل الموقع الأثري لمدينة وليلي، أو فوليبيليس كما يطلق عليها باللاتينية ((Volubilis، منسيا قبل أن يحظى في العام 1997 باعتراف منظمة اليونيسكو التي صنفته موقعا أثريا وأركيولوجيا إنسانيا عالميا، واعتبر الموقع القديم الأكثر أهمية في المغرب الذي تم الحفاظ عليه على أحسن حال، إضافة إلى أنه الموقع الأكثر استدعاء للأسطورة وتحفيزا للمتخيل...
جولة عبر التاريخ
تكتسي وليلي طابعا خاصا سواء من حيث أهميته التاريخية والأركيولوجية أو السياحية، إذ يمثل أحد أهم المواقع الأثرية بالمغرب وأكثرها إقبالا من قبل الزوار. ما تبقى من مآثرها العمرانية كأنه يحمل إصرار ما على شهادة شموخ حضارات متعددة مرت من هنا وعمرت لقرون طويلة في المنطقة وامتزج فيها الروماني والإسلامي والأمازيغي والإفريقي على عادة فضيلة التنوع التي عودتنا إياها الحضارات القديمة للمتوسط.
مع مملكة موريتانيا القيصرية خلال فترة حكم الملك الأمازيغي يوبا الثاني وابنه بطليموس ما بين سنة 25ق.م و40م شهدت وليلي ازدهارا كبيرا أهلها لأن تصبح عاصمة لموريتانيا الطنجية بعد سنة 40 م، كان هذا هو اسم حضارة المغرب القديم على عهد الرومان، إذ شهدت وليلي خلال فترة حكم الأباطرة الرومان تطورا كبيرا وحركية عمرانية كثيفة.
اعتبر يوبا الثاني الملك الشاب، مثقفا كان يشجع ويناصر الفنون و العلوم، ولذلك ازدهرت في عهده هذا الملك الشاب الفنون الجميلة من نحت ورسم ونقش وموسيقى وغناء ورقص، فكان عصره هذا عصرا ذهبيا حيث برزت إلى الوجود مدن نوميدية وموريتانية رومانية بروح أمازيغية، إذ ساهم الأمازيغ في ظهور الحضارة والتمدن في الشمال الإفريقي، وبرز فيهم عمال يتقنون فنون النحت والبناء والرسامون مثلما برزوا أيضا في مجالات الفلسفة الدينية والأدب.
يضم موقع وليلي عدة بنايات عامة شيدت في أغلبها من المواد المستخرجة من محاجر جبل زرهون القريبة، منها معبد الكابتول الذي شيد عام 217 للميلاد، وقوس النصر ثم المحكمة والحمامات والساحة العمومية.
وشملت المدينة الأثرية على عدة أحياء سكنية تميزت ببيوتها الواسعة والمزينة بلوحات الفسيفساء، منها منزل فينوس ومنزل أعمال هرقل وقصر كورديان في الحي الشمالي الشرقي، ومنزل أورفي في الحي الجنوبي.
وكشفت الحفريات الأثرية المنجزة عن آثار مواقع أخرى كمعاصر للزيتون ومطاحن الحبوب، وأيضا بقايا سور دفاعي شيد في عهد الإمبراطور مارك أوريل أواسط القرن الثاني للميلاد يمتد على أكثر من كيلوميترين وتتخلله ثمانية أبواب وعدة أبراج للمراقبة.
مكان يغري بالحياة والفسحة
ساهمت عدة ظروف طبيعية في استقرار الإنسان بهذا الموقع منذ عهد قديم، ولعل أهمها اجتماع كل عناصر المهيئة للحياة وفرها المكان: وفرة المياه حيث يتواجد وادي الخمان ووادي فرطاسة، والسهول المنبسطة الملائمة للنشاط الزراعي وأيضا مواد البناء التي كانت توفرها محاجر جبل زرهونالقريبة منذ آلاف السنين.
أصبح الموقع مكانا مغريا ومفضلا لأجل الفسحة، إذ لا يكاد يخلو من الزوار الأجانب بشكل يومي، وأيضا من المغربيين. في حين خصصت وزارة الثقافة المغربية المشرفة على المواقع الأثرية تذاكر دخول رمزية إلى المواقع الأثرية بحولي دولار، إلا أنها تخصص يوم الجمعة الدخول المجاني، لذا يكثر الزوار من الأسر المغربية أيام الجمعة بحثا عن الفسحة والهدوء وهم يتجولون بين أسوار وأعمدة وليلي الهادئة وأنها تعيد كتابة التاريخ أمام أعينهم في صمت لا يخلو من رهبة يطلق العنان لاستحضار الأساطير القديمة بكل ما تكتنز من متخيل.






التعليقات