كثيرون هم الذين أحبّوا تونس، وأشادوا بجمالها، وبكرم أهلها، وحسن ضيافتهم... غربيّون، وآسيويّون، وأفارقة... بينهم شعراء، وفنّانون، وشخصيّات سياسية وفكريّة تتمتع بشهرة عالميّة، وبمكانة مرموقة في بلادها وفي غير بلادها. فتونس عريقة حضاريّا وثقافيّا، وفيها من الكنوز الفنيّة والأثريّة ما جعلها دائما منارة مشعّة وساحرة على ضفاف المتوسّط . وكان الروماني جورجيو سيباستيان من الذين عشقوا بلادنا، وبجمالها فتنوا.لذلك آختار أن يهديها قبل أن يرحل عن الدنيا مَعْلما حضاريّا وفنّيّا أنجز بحسب التقاليد المعماريّة العربيّة-الإسلامية. ولهذا المعلم هيئة روض فسيح مفتوح على فضاء أزرق هو البحر الأبيض المتوسط. وقد توافد على هذا المعلم الذي تحوّل إلى مركز ثقافيّ دولي كبار الشعراء، والكتاب، والفنّانين، والمفكرين من مختلف البلدان، والثقافات ، واللّغات ، وفيه قدّمت أشهر العروض المسرحيّة ، والموسيقيّة. وفيه آنتظمت أيضا ندوات فكريّة، وأدبيّة تفخر بها الثقافة التونسية. ففي السبعينات من القرن الماضي، وبمبادرة من مديره الراحل الطاهر قيقة الذي كان يتقن الفرنسية، ويكتب قصصا وبحوثا جادة بالعربية، آنتظمت في هذا المركز ندوة مهمة عن موجة “الراوية الجديدة” في فرنسا حضرها عرابها الآن روب غريي، وكتاب تونسيون ومغاربة وجزائريون، وخلالها نوقشت قضايا تتصل بفن الكتابة في الرواية، وبعلاقة الرواية بالسينما، والشعر. وفي نهاية الثمانيات، أي خلال الربيع الديمقراطي القصير الذي عاشته تونس في تلك الفترة التي أعقبت عقد السبعينات القاتم بسبب كثرة المحاكمات السياسية، والإنتفاضات الإجتماعية، أتيح للشعراء الشبان الذين كانوا ينتمون الى التيارات الطلائعية الجديدة، تنظيم تظاهرة آمتدت ثلاثة ايام، وشهدت نقاشات ثرية وساخنة بين مختلف الأصوات الشعرية. وبعد الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان بهدف طرد المقاومة الفلسطينية من بيروت، جاء مفكرون وشعراء وكتاب عرب بارزون بينهم ادونيس، وهشام شرابي، وفاطمة المرنيسي، ومحمد بنيس، وأحمد عبد المعطي حجازي، الى المركز الثقافي الدولي بالحمامات لمناقشة الأوضاع العربية في ظل المستجدات الجديدة.
وفي حفلاته الصيفية التي تقام في مسرح الهواء الطلق، استضاف المركز العديد من مشاهير الفنانين والفنانات. من أمثال الموسيقار اليوناني الشهير ميكيس ثيودوراكيس،والشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الابنودي، والفنانة الافريقية المرموقة مريام ماكيبا ،والمغنية التقدمية جون بايز، ومشاهير كثيرين.
غير أن نشاطات المركز الثقافي الدولي بالحمّامات تقلصت خلال الأعوام الخمسة الماضية بحيث اصبحت هذه النشاطات تقتصر على حفلات المهرجانات الصيفية. أما في بقية الفصول فهي تكاد تكون منعدمة . وقد يعود ذلك الى قصور من المشرفين عليه. فبعد انهيار نظام زين العابدين بن علي عيّن الممثل فتحي الهدّاوي مديرا له ليحوّله إلى فضاء خاصّ به وحده يسّيره بحسب رغباته، وأهوائه، ومصالحه، وشطحاته. وهو لا يفتح أبوابه إلاّ لأصدقائه الخلّص من أهل السلطة والنفوذ، ومن حركة النهضة تحديدا التي بايعته خصوصًا بعد ان صرح بان هذه الحركة يمكن ان تساهم بشكل فعال في تطوير وتنشيط الثقافة والفكر في البلاد. وعلى مدى ثلاث سنوات لم يشهد المركز الثقافي الدولي بالحمامات اي نشاط ثقافي مهم، ولم يحتضن اية ندوة من شأنها من تساهم في اثراء الجدل الفكري او السياسي. وبعد فتحي الهدواي، تولى ادراة المركز كمال الفرجاني فأهمل مثل سابقه كل النشاطات الثقافية الجادة ليركز آهتماماته على المهرجان الصيفي. وخلال الأسابيع الماضية، عيّن المسرحي معز المرابط على رأس إدارة المركز. وفي التصريحات التي ادلى بها، أشار إلى أنه سيعمل بعد انهاء اصلاح البنية التحتية التي وجدها "على أسوء حال"، بحسب تعبيره، على إعادة الحيوية للمركز لكي يستعيد إشعاعه الثقافي الفكري والفني الذي كان يتمتع به في السابق، والذي خول له أن يكون واحدا من أهم المعالم الثقافية لا في تونس فقط، وإنما في كامل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
نرجو أن لا يكون هذا الكلام مجرد تكرار لما سمعناه من وعود كاذبة خلال السنوات التي أعقبت "ثورة الياسمين"!








التعليقات