لكى تكتمل الصورة عن السيد احمد خان، ودوره فى نهضة المسلمين بالهند، ارى من تمام الفائدة، وامانة البحث ان نعرض لآراء نقاده ومعارضيه، فنحن حين نتكلم عن رواد النهضة، لا نضعهم فى اطار العصمة من الزلل، وان الاشادة بافكارهم لا تعنى التغاضى عن هفواتهم، او السكوت عن اخطائهم، واذا كان العلامة احمد امين قد اطنب فى ذكر مناقب احمد خان واعتبره من زعماء الاصلاح، فان الامانة تقتضى الاشادة الى حجج خصوم احمد خان، والعوامل التى اقاموا عليها دعواهم، ومنهم العالم الازهرى الدكتور عبدالمنعم النمر، وقد عاش فى الهند سنوات طويلة اتاحت له الاطلاع عن قرب على ظروف المعركة التى دارت بين احمد خان وخصومه من العلماء المسلمين.
ولقد بدأت المعركة منذ انشأ احمد خان كلية ( عليكرة ) فى احضان الاحتلال الانجليزى، واختار لها الاساتذة والمديرين من الانجليز الذين اتخذوا منها وكرا لبث دعاياتهم، والترويج لحكمهم، ما اعطى خصوم أحمد خان سلاحا يشهرونه فى وجهه، وكانت تلك بداية العداء بين تيارين فكريين:

تيار احمد خان وتمثله كلية عليكرة

تيار العلماء المعادين للاحتلال، وتمثله مدرسة "دار العلوم" فــى "ديوبند". وباقى المدارس الدينية التى سارت على نهجها.

وانقسم المسلمون بين هاتين المدرستين، احدهما ترفع لواء التجديد، والثانية تحمل شعار التقليد. ولقد كان من الممكن - كما يرى الدكتور النمر - ان تقف الخصومة بينهما عند حد مصادقة الانجليز او معاداتهم، وكان من المتصور ان تتقارب الفكرتان بمرور الزمن وتطور الأحداث، لولا ان السيد احمد خان القى فى المعركة سلاحا جديدا اقتنصه خصومه وشهوره فى وجهه، فاظهروه أمام عامة المسلمين بانه رجل مارق من دينه، خارج على عقيدته، وذلك عندما تجرأ على تفسير القرآن الكريم على اساس عقله هو، غير ملتزم بدلالات الالفاظ، ومناقضا لما اجمع عليه علماء المسلمين على مر الزمن، فانكر الجنة والنار، والملائكة والجن، واخذ يتطاول على الائمة الفقهاء، ويستهزئ بالمحدثين وبالشعائر الاسلامية. فهاج الرأى العام ضده، وحكم العلماء عليه بالكفر حين زعم ان القرآن نزل على الرسول بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسول الفاظه من عنده. وهو قول جرىء يهدم الاساس الذى قامت عليه معجزة الرسول، وتحديه للناس اجمعين بالقرآن، باعتباره لفظا ومعنى من كلام الله، لا من كلام الرسول.


أغا خان يؤيد أحمد خان

كل ذلك دفع الرأى العام المسلم للثورة عليه، ومحاولة قتله، وكان هذا كله من سوء حظ الجامعة، او المدرسة الوليدة التى انشأها، اذ فهم المسلمون - ولهم العذر كما يقول الشيخ النمر - ان مثل هذه الافكار الخارجة عن الدين سيلقنها احمد خان ومعاونوه من الانجليز فى مدرسته للطلاب، فيخرج منها جيل على شاكلته مارق من الدين، ومع كل هذه الصعاب سار احمد خان فى طريقه، بمعاونة الانجليز، وبعض الشخصيات الإسلامية - وعلى رأسهم "اغان خان" زعيم الطائفة الاسماعيلية، حتى اصبحت جامعة مشهورة تخرج فيها كثير من المثقفين المسلمين، ممن كان لهم اثر كبير فى حياة الهند السياسية والاجتماعية، وزارها بعض الملوك والرؤساء العرب مثل الملك سعود، والرئيس جمال عبدالناصر.


الافغانى يعارض خان

فى اثناء احتدام المعركة بين احمد خان وخصومه : وصل الى الهند السيد جمال الدين الافغانى بعد نفيه من مصر عام 1879 م فوجد الصراع على اشده، فكان من الطبيعى ان يدلى بدلوه، وان يلقى فى الاتون بكل ما يعتمل فى صدره من عداء للانجليز ولكل من يتعاون معهم او يشايعهم، ومنهم احمد خان، فاعلن عدم رضائه عن آرائه الدينية، ولاسيما تلك البدعة التى كانت شائعة آنذاك فى البلاد الهندية. وهى بدعة " النتشرية " اى المذهب الطبيعى المستمد من نظرية (دارون) وقال فيها ان المادة قديمة، وليس وراء المادة خالق ولا مبدع، وانتشرت هذه " المودة " بين المثقفين الهنود، وتشدق بها كل من يدعى الفلسفة او ينتسب للافكار الحديثة. وعندئذ كتب الافغانى رسالته الشهرية باللغة الفارسية، وترجمها الشيخ محمد عبده تحت عنوان " الرد على الدهريين ".


افساد عقائد المسلمين

وانضم الافغانى الى زمرة العلماء الهنود الذين رموا احمد خان بالزندقة والالحاد، واتهموه بانه يتظاهر بالاسلام، ويضمر العداء له ويعمل على افساد عقائد المسلمين، وقد سجل الافغانى حملته على احمد خان فيما كتبه بمجلـة "العروة الوثقى" التى اصدرها مع محمد عبده فى باريس اذ قال : ان اكبر دعاة هذا المذهب " الطبيعى " كان احد مسلمى الهند، وهو احمد خان بها دور لانه كان يريد نفعا خسيسا بمساعدة الانجليز له على تحقيق اهدافهم، وقال ان احمد خان بدأ نشاطه بتأليف كتاب يبرهن فيه على ان التوراة والانجيل لم يحرفا، غير انه ما لبث ان ادرك انه لن يفيد اولياء نعمته شيئا بالطعن فى الاسلام، اذ سبقه المستشرقون الى ذلك دون جدوى، ولذلك اخذ يظهر فى مظهر صاحب مبدأ فلسفي جديد، وهو المذهب الطبيعى، وطفق يدعو اليه، فتبعه بعض المسلمين تخلصاً من واجبات الشرع، وجريا وراء الشهوات، ووجد الانجليز ان صاحبهم قد بدأ ينجح فى التفرقة بين المسلمين، فكرموه وساعدوه على فتح مدرسته التى ظنوا انها ستكون افضل وسيلة لاصطياد اولاد المسلمين لتربيتهم على الالحاد.


آثاره لاتزال باقية

هذا هو رأى الافغانى، المصلح الاسلامى فى الشرق العربى، فى السيد احمد خان، وهو رأي تبدو فيه القسوة المتأثرة بكراهية الانجليز، وان كان هناك علماء هنود - ومن خريجى جامعة عليكرة، يؤيدون الافغانى فى ما ذهب اليه، الا ان الشيخ النمر يتحفظ على التحامل على احمد خان ويقول : غاية ما يمكن ان أراه، ان السيد احمد خان ظل على ولائه للاسلام كما يعتقده هو، لا كما هو ولا كما يراه المسلمون وعلماؤهم وائمتهم، وكان مع هذا رأى خاص فى النهوض بالمسلمين، والغيرة عليهم، والرغبة فى تقدمهم، ولاشك ان طريقته فى الاصلاح - مع ما لابسها من ظروف وعيوب - قد نجحت الى حد كبير فى خلق جيل مثقف من المسلمين كان له اثر بعيد المدى فى النهوض باخوانهم، والاضطلاع بمهام الامور فى بلادهم، والمشاركة فى قيادة حركة التحرير فى الهند، ثم قيام دولة باكستان بعد ذلك. ولا تزال جامعة عليكرة فاتحة تؤدى رسالتها الكبرى كأحدث الجامعات يلوذ برحابها الكثير من الطلاب - ولاسيما المسلمون - الذين تضيق باستقبالهم الجامعات الهندية الاخرى، لسبب ولغير سبب!!

للبحث بقية