يحمل كتاب توماس فريدمان الجديد عنوان: العالم مسطح أو مسطحاً. وهو يعني بذلك الترابط الشديد بين أجزاء العالم في كل شيء. وفريدمان أحد أكبر المنظرين للعولمة، وهذا هو كتابه الثالث في هذا الصدد، وقد اشتهر كتابه الأول بعنوان "ليكساس وشجرة الزيتون". وهو يتوازى في ذلك مع المنظر الآخر الأكثر نقدية تجاه العولمة، وأعني به بنيامين باربر الذي اشتهر بكتابه المعنون بـ"الجهاد وعالَم ماك". شجرة الزيتون لدى فريدمان رمز للعالم القديم أو التقليدي، وليكساس رمز للعالم الجديد أو لعالم العولمة. وعند باربر، كما هو معروف، الجهاد رمز لردة فعل "العوالم المتخلفة" على عالم الماكدونالد. والواقع أن في كلا التشبيهين تسطيحاً لا يصح أخذه على علاته. فالعالم التقليدي ليس خالياً من المشاكل مثل شجرة الزيتون التي تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، والعولمة ليست فقط سيارات اللكساس والماكدونالد. فحتى باربر المفتون بالعولمة، عاد في كتابه الصادر عام 2004 لتبيان الآثار السلبية للعولمة، من خلال دراسة آثار الحرب على الارهاب، الناشبة منذ أكثر من أربع سنوات. وقد صار الأمر واضحاً الآن حتى لبعض المحافظين الجدد. فرانسيس فوكوياما نأى بنفسه عنهم. بينما تأخر آخرون حتى زلزال وعواصف كاترينا في نيو أورليانز وغيرها.
بيد أن هذه المداخلة ليس هدفها إدانة العولمة أو التشنيع عليها. بل النظر في أمرين اثنين: الدولة ومصائرها، ومعنى العمل السياسي في ظل العولمة، وأيديولوجيا الديموقراطية والمجتمع المدني. راهن المحافظون على اختلاف نزوعاتهم على ضعف الدولة أو إضعافها أو انكماشها، إما بسبب الافتتان بالسوق وقدراتها على الضبط والتسيير، أو بسبب الركوب على حصان المجتمع المدني ومؤسساته وجهاته وقدراته الخارجة على الأطر الرسمية. ويتبيّن الآن أن السوق ذاتها تحتاج الى السلطة أو السلطات الضابطة من خارجها، وإلا أكلت الناس، ثم تآكلت هي نفسها. فبإشراف العسكريين والاداريين الأميركيين قامت الشركات الأميركية بالعراق بنهب الثروات، وحتى تلك التي خصصتها الولايات المتحدة لإعمار العراق بعد احتلاله. وليس هذا فقط، فالشركات نفسها أو غيرها قامت بنهب إسهامات المساهمين والشركاء الأميركيين بالولايات المتحدة، واضطرت إدارة بوش مرغمة للتدخل لتصفية تلك الشركات كلياً أو جزئياً. وهكذا فعلى خلاف رؤية لينين، هناك مطالب كبيرة وكثيرة الآن لتدعيم دور الدولة وتوسيعه في مجالات الرقابة السياسية والقضائية.
أما الأمر الآخر، أمر العمل السياسي، فهو تابع للنظر في أدوار الدولة والساسة المنتخبين من جهة، وعلاقة السياسة بالأخلاق من جهة ثانية. المواطنون الأميركيون يخشون فساد ذمم السياسيين والمحامين والأطباء. وهناك من الشواهد ما يدعم هذه الخشية وتلك الشكوك. لكن المحافظين الذين يراجعون أفكارهم السابقة الآن، هم الذين ثاروا على الدولة باسم الأخلاق ومكافحة الفساد، على أن الذي يحدث الآن في الولايات المتحدة والبرازيل... ولبنان، يدل على أن المشكلة ليست في ضعف الدولة أو قوتها، بل في تحول السياسيين والأمنيين والقائمين على أجهزة الرقابة، الى فريق ضمن فرق السوق المستغِلة والمستغَلّة. فأولو الأمر والإمرة، والذين وصلوا إلى مناصبهم بدواعي النظافة والإصلاح ومكافحة الفساد، يتشاركون مع فريق من السياسيين والأمنيين وولاة أجهزة الرقابة، ويتحولون الى ما يشبه المافيا، أو ما هو أكثر من ذلك. فالمافيا الايطالية التي ظلت جهازاً خارج الدولة، رشت بعض السياسيين والأمنيين، دون أن تتمكن من ضرب جهاز الدولة، بدليل أن القضاء الايطالي، وفي حملته "الأيدي النظيفة" استطاع إنقاذ الدولة الايطالية من المافيا وامتداداتها بفضل بعض القضاة الشجعان. أما في أميركا والبرازيل ولبنان؛ فإن أجهزة الدولة الأمنية وبعض القضائية هي التي تولت أمر الفساد والافساد وصولاً للتآمر على حياة رئيس الوزراء في لبنان، والوصول الى مساعد رئيس الجمهورية في البرازيل، وترك المواطنين لمصيرهم أمام العواصف في نيو أورليانز والميسيسبي. ونحن نتحدث هنا عن دول ديموقراطية أو شبه ديموقراطية، وإحداها أعرق الدول الديموقراطية في العالم.
السياسة إدارة صالحة للشأن العام. وأياً تكن قوة المؤسسات؛ فإن الأخلاق الشخصية تظل شديدة الأهمية. ولأن الشكوك في الطبيعة البشرية قوية حتى لدى الديموقراطيين؛ فقد قامت أجهزة الرقابة، والسلطة القضائية، لحفظ حقوق الناس وحرياتهم؛ لكن أيضاً لحفظ سمعة الدولة، باعتبارها بحسب هيغل ذروة الخير وأعلى تجليات العقل البشري!
ولست أرى أن الفساد والاجرام أو الفساد الى حد الاجرام هو من طبيعة العولمة، دون النظم الرأسمالية والاشتراكية السابقة. لكن الذي يبقى الأحجية حول علاقة السياسة بالأخلاق بحسب ماكس يبر. كما أن الذي يبقى أيضاً أن العمل السياسي، بما هو إدارة صالحة للشأن العام، هو المفصل قبل العولمة وبعدها.














التعليقات