أحمد الجار الله


يوما بعد يوم يتعرض لبنان لاختبارات الكفاءة, ويوما بعد يوم يتعرض, كدولة, لاختبار الاهلية, وانه ساحة منيعة غير قابلة للاختراق, ولم تعد تصلح للاستخدام الاجنبي.
آخر اختبارات المناعة التي اجريت على لبنان, الوطن والدولة, تلك التهديدات التي اطلقها الشيخ حسن نصرالله, الذي يمثل هذه الايام مع لحود, حصان طروادة الايراني السوري, والتي اعطى المجتمع السياسي فيها مهلة اسبوعين لتشكيل حكومة وحدة وطنية, وإلا فإنه سينزل الى الشارع لاسقاط حكومة السنيورة تحت الضغط.

هذه اللعبة السمجة, والخارجة عن روح الاجماع اللبناني, وبالذات بعد حرب يوليو الاسرائيلية على لبنان, لن يكتب لها النجاح, ولن تتساوى مع غيرها حين نزلت جموع الشعب اللبناني بالملايين الى الشارع واسقطت حكومة كرامي الموالية لسورية, ولاحقا اخرجت سورية كلها من البلد.
هذه المرة من يريد الشيخ نصرالله ان يسقطه في لبنان, ومن يريد اعادته الى لبنان... هل يريد اسقاط حكومة الحرية والسيادة, واعادة الاحتلال السوري الى لبنان?! واذا كان الامر كذلك, فمن سيمشي معه, ومن سيتابعه لبلوغ هذه الاهداف المشبوهة?

الواضح حتى الآن ان المخطط الايراني السوري الرامي الى اسقاط الحكومة اللبنانية لايرقى الى مستوى المواجهة مع الولايات المتحدة الاميركية في لبنان, فالحكومة السورية لاتسعى الى فرض وصاية اميركية على البلد, والدعوة الى اسقاط هذه الحكومة لانها اميركية دعوة باطلة, وفي الاساس فإن حكومة السنيورة, وفيها وزيران من حزب الله, لم تنتهج خطة مغايرة لخطط المحافظة على السيادة والاستقلال, ولم تعلن انها تمتلك نوايا لابرام اتفاق سلام مع اسرائيل وبالتالي لم تشكل ابدا هدفا مباحا للمعسكر الايراني السوري يبرر اتهامها بالسعي الى جعل لبنان تحت الوصاية الاميركية, وبالعمل على ابرام اتفاق السلام مع اسرائيل.

ربما لهذا السبب لم يعد احد في لبنان ينتمي الى صفوف الالتحاق بالجانب الايراني السوري, باستثناء حزب الله وبعض الدكاكين المحلية المخابراتية, كالمردة والحزب السوري القومي الاجتماعي وبعض فلول حزب البعث.. ولو ان في الامر معركة جدية, وبان هناك ما يشبه الحرب الباردة بين الاطراف الدولية تدور رحاها فوق الاراضي اللبنانية, لما كانت القوى المسلحة التابعة للدولة, جيشا وامنا داخليا, تعلن استعدادها الصارم لمنع اي اعمال شغب وتخريب, حتى لو بلغت هذه الاعمال حد كسر لوح من الزجاج.

الذي يمتحن الآن في لبنان هو حرية الوطن وسيادة الدولة, والتي ذهب زمان استباحتهما منذ اشعال لبنان لحرب يوليو وتعريضه وتعريض شعبه للتدمير والقتل على ايدي الطائرات الاسرائيلية المعتدية... raquo;حزب اللهlaquo; الآن يبدو وحيدا خارج الاجماع اللبناني, ويسعى, رغم تجربة الحرب الخاسرة الى اخضاع الدولة لمواقفه, وهي مواقف في الاساس نابعة من الارادة الايرانية والسورية الساعية الى حماية البرنامج النووي والى الهروب من استحقاق تشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

raquo;حزب اللهlaquo; الوحيد لن يستطيع هذه المرة ان يعاود سيرته الاولى بعد ان اصبح خارج المعركة العسكرية في جنوب لبنان, واصبح سلاحه لاينفع الا في الانتحار ومقاتلة ابناء الوطن, وفي هكذا وضع لايعود امام الشيخ نصرالله الى واحد من خيارين اما الانضواء تحت راية اجماع الشعب اللبناني, وقواه الحرة والسيادية, واما الالتحاق بالآخر الايراني الذي رجح مصالحه على مصالح اهل البلد.
حتى نصل الى هذا الموقف الفاصل نعرف ان لبنان سيعاني بعض المتاعب لكنها ستكون هذه المرة متاعب سياسية لا متاعب حربية وعسكرية, لانه حتى في ميزان ترجيح القوى فإن نصرالله اعجز من مقاتلة الجيش اللبناني الذي يقف وراءه الآن كل شعب لبنان.

ايران ماضية الى مصائرها وكذلك سورية, لكن الدولتين المذكورتين لن تستطيعا بعد اليوم ان تجعلا من لبنان ساحة الحرب التي تقرر هذه المصائر, خصوصا بعد ان ضعف raquo;حزب اللهlaquo; وتهالكت مجموعة الانصار والقبائل التابعة وتحولت الى عصابات قتل واجرام مفضوحة الغرض والغاية.
يمتحنون الآن ارادة لبنان في السيادة والاستقلال لكنهم لن يستطيعوا مصادرتها فالزمن السياسي اصبح زمنا آخر, والدورة الآن تدور على غيره ممن استنفدت قواه وبطل دوره وانتهى.