الثلاثاء12 ديسمبر2006


مذكرات برويز مشرف علي خط النار


ترجمة واعداد: محمد حسن، القبس

وضعت أحداث 11 سبتمبر 2001 دولة باكستان على خط النار، فيما بات يعرف بالحرب على الارهاب. وقد اختار الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف عبارة 'على خط النار' عنوانا لمذكراته التي صدرت أخيرا وتناولت حياته ونشأته والتحاقه بالقوات المسلحة الباكستانية حتى اصبح قائدا لها. كما تعرض في مذكراته للعلاقة الشائكة فيما بين السياسيين الباكستانيين والمؤسسة العسكرية.

وقد اخترنا ان نقدم هنا الجزء الذي يعرض دور باكستان في الحرب على الارهاب في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.. وخاصة العلاقات مع 'طالبان، والقاعدة، وكذلك الملا عمر وأسامة بن لادن'.
رغم مواصفات الملا عمر، فلم يكن في مقدورنا التخلي بكل بساطة عن افغانستان وتركها لطالبان بسحب اعترافنا بحكومتها واغلاق ابواب سفارتنا في كابول. والله يعلم ان طالبان قد اعطتنا اسبابا كافية لفعل ذلك، فقد احرقوا ذات مرة سفارتنا، واعتدوا بالضرب على سفيرنا الذي نقل جوا الى باكستان محمولا على نقاله.
ومن اسوأ الامور التي ارتكبتها طالبان كان تفجير تمثالين تاريخيين ضخمين لبوذا يعود عمرهما الى قرون مضت في منطقة باميان. وعندما هدد الملا عمر في البداية بتدمير التمثالين، لجأ العالم الى باكستان لمحاولة اقناعه بتغيير رأيه، ودول العالم جميعا تقريبا ارتكبت خطأ عدم الاعتراف بنظام طالبان، وفتح سفارات في كابول. وكنت قد دعوت الى نهج مختلف حيث طلبت من عدد من قادة العالم البارزين الاعتراف بطالبان، وذلك حتى نتمكن من بذل ضغوط جماعية على الحركة لتغيير مواقفها. ولو كانت سبعين او ثمانين دولة اقدمت على فتح سفارات لها في كابول، لكنا قد تمكنا من استخدام نفوذنا عليها وقد قلت ذلك للرئيس بيل كلينتون وولي العهد حينها الامير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود (الملك حاليا)، والشيخ زايد بن نهيان وكان الامير عبدالله من اشد منتقدي الملا عمر، وقد وصفه بالكذاب فقد قال لي: 'لا استطيع ان التقي شخصا كذابا فانا لا احب الكذابين'.

في عالم آخر
وعليه فقد تركت لنا مهمة محاولة اقناع الملا عمر بعدم تدمير التمثالين. وعندما ذهبنا وحدنا للتفاوض معه نيابة عن العالم، وجدنا انه كان يعيش في عالم اخر. فقد قال ان الله يود منه ان يفجر تمثالي بوذا، وذلك لان الله سبحانه وتعالى انزل المطر لخلق حفر ضخمة في اسفل التمثالين حيث يمكن وضع المتفجرات، وكانت تلك اشارة من الله سبحانه لتفجير التمثالين، ولم يعر الملا عمر اي اعتبار لمحاولتنا ثنيه عن ذلك واقدم على تفجيرهما، وقد ادت تلك الخطوة الى تصوير الاسلام على انه دين لا يراعي الاديان الاخرى او يحترمها.
وقد اساء الملا عمر كثيرا للدين الذي يؤمن به ايمانا قويا. وكان من السهل علينا قول ان ذلك الامر لا يمثل الاسلام فهو دين تقدمي معتدل ومتسامح، وهو في الواقع كذلك، ولكن.. لماذا يتعين على الناس في العالم بذل اهتمام وقضاء جزء من وقتهم الثمين في النظر في مصادر الدين الاسلامي الصحيحة؟ فهم سوف يحكمون على الاسلام وفق اقوال وافعال المسلمين، وبصفة خاصة تلك الاقوال والافعال التي تؤثر في حياتهم وليس ما يقوله الاكاديميون والمعتدلون مهما قدموا من ادلة.
وقد اتضح لي بجلاء بعد 11 سبتمبر ان السبيل الوحيد لتفادي غضب الولايات المتحدة ضد افغانستان وطالبان، هو اخراج اسامة بن لادن واتباعه من هناك. وكان همي الاول هو التأثير السلبي لاي ضربة عسكرية للولايات المتحدة ضد طالبان على باكستان، وانه من المهم بالنسبة لافغانستان هو التفاوض حول الاستسلام او ابعاد اسامة بن لادن. وقد ادرك العالم والولايات المتحدة الان اهمية وجود العلاقات الدبلوماسية لباكستان مع طالبان. وثبتت صحة استراتيجيتنا المبكرة الداعية للحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع افغانستان وذلك حتى نتمكن من محاولة العمل على تغيير الوضع من الداخل. وانه اذا كانت هناك عدة سفارات في كابول، وانه اذا بذلت ضغوط جماعية على الملا عمر لمواجهة أسامة بن لادن لكنا قد حققنا النجاح.

السوبرمان
ولم يفهم الملا عمر وطالبان تأثير 11 سبتمبر، فقد قال عمر 'انها عقاب من الله على المظالم التي ارتكبت بحق المسلمين'. فالله سبحانه كان معهم، وان أسامة بن لادن يعد سوبرمان، وعليه فالتفاوض مع الملا عمر كان أكثر صعوبة مما يبدو، وكأن الشخص يضرب رأسه على الحائط، فقد كانت لدينا وجهتا نظر مختلفتان حول ما يدور في العالم، اذ بينما كنت اعتقد ان على المرء ان يطرق كل الأبواب لتفادي وقوع الحرب والموت والدمار، كان عمر يرى ان الموت والدمار نتيجتان غير مهمتين في هذه الحرب العادلة.
وهو مثل كل المتطرفين في طالبان والقاعدة يرى ان الموت من أجل القضية الحقة يصبح غير ذي أهمية، بل يتحول الى شهادة ويضمن دخول الجنة، غير ان المشكلة هي الاتفاق حول ما يشكل حربا عادلة أو مقدسة، والناس من امثالي لديهم مبدأ ثابت هو ان الواجب الأول لأي قائد أو زعيم هو حماية بلاده، وأرواح الناس وممتلكاتهم، اما من هم أمثال الملا عمر فهم يرون ان متاع الدنيا بما في ذلك الحياة نفسها تأخذ مرتبة ثانوية مقابل مبادئهم وتقاليدهم. ومن بين تلك التقاليد حماية الضيف، فأسامة بن لادن واتباعه كانوا ضيوف الملا عمر وطالبان، وهنا تكمن الصعوبة.
وقد بذلنا كل ما في وسعنا ولم نستطع اقناع الملا عمر بطرد أسامة خلال الفترة المتبقية حتى 7 اكتوبر 2001 التاريخ النهائي الذي حدده الرئيس بوش قبل بدء الحرب، وابلغناه ان بلاده سوف تواجه الدمار، ولكنه لم يفهم، فهو كان يعتقد انه يستطيع هزيمة القوات الأميركية. وقد خدع في هذه المسألة أولا عن طريق أسامة بن لادن نفسه، وأيضا من قبل غيره من المفكرين الدينيين المخدوعين في باكستان أيضا.
وبدأت الولايات المتحدة حملة قصفها الشامل لأفغانستان في 7 اكتوبر متزامنة مع الهجوم البري مع تحالف الشمال، وبعد مقاومة منظمة استمرت لفترة قصيرة، فر قادة طالبان الى المناطق الريفية والجبال التي يتقنون شن حرب العصابات منها، وخلال الأسبوع الأول من ديسمبر ،2001 فر الملا عمر الذي شعر باقتراب الهزيمة على متن دراجة نارية هوندا واختفى عن الانظار. وفي ذات مرة سألني رئيس الوزراء الياباني كويزومي عن مكان تواجد الملا عمر، وقلت له انه فر على متن دراجة هوندا، واضفت مازحا ان هذه تعد أفضل دعاية لشركة هوندا، يظهر فيها الملا عمر اثناء فراره على ظهر الدراجة النارية والريح تلعب بردائه.

أين هو؟
ولم يسمع احد عن الملا عمر منذئذ، وانني متأكد من انه لا بد ان يكون في المناطق المحيطة بقندهار قاعدته الاساسية في جنوب افغانستان. واقول هذا بكل ثقة لسببين:
اولا انه منذ بروز الملا عمر على الساحة وسلطت عليه الاضواء في عام 1994 لم يزر باكستان البتة، فكيف يمكنه الشعور الان بالاطمئنان في بلادنا، وثانيا نجد الآن ان معاقل حركة طالبان موزعة في المقاطعات الجنوبية لافغانستان. فالمناطق الريفية، ومعظم المدن تخضع لنفوذ الحركة كما انها تسيطر على معظم نقاط التحركات اثناء الليل، والملا عمر سيجد من السهل عليه العيش والاختباء مع اتباعه في مناطقه التي يعرفها جيدا وحيث يجد الترحيب من السكان المحليين. وكان بعض القيادات الرفيعة في افغانستان اشارت الى انه قد يكون في كويتا في باكستان. وهذا تلميح يثير السخرية وقد ينبئ عن مكره لانه اذا كان في كويتا، لكنا قد القينا عليه القبض منذ فترة طويلة، كما حدث في حالة العديد من مسؤولي طالبان. غير انه مع استمرار الحرب ومع زحف قوات تحالف الشمال بقيادة الاميركيين نحو مواقع طالبان والقاعدة، فر عدد كبير منهم وعبروا الحدود الى داخل المناطق والمدن العشائرية في باكستان وقد خلق هذا الامر مشاكل خطيرة.
ولان الملا عمر مازال على قيد الحياة وطليق السراح، فان ذلك يعني ان حركة طالبان لم تنته، فهناك بعض الحالمين يعتقدون ان الملا عمر قد انعش آمال قومه لانه رفض الانحناء امام الاميركيين. بيد انه من السهل اطلاق هذا القول والمرء يعيش عيشة مريحة مع اسرته وفي بيته، ولكنك اذا ما سألت مواطنا افغانيا للاختيار فيما بين اسرته وبيته وبين الشعور باحترام الذات فانه سيختار الامر الاول.

المطارد الآخر
والهارب المطارد المشهور الاخر من جبال تورا بورا هو بالطبع اسامة بن لادن، فالبرغم من ان العالم يعرف عن اسامة اكثر مما يعرف عن الملا عمر فانه من المفيد تقديم بعض التفاصيل القليلة حول خلفيته فبعد الاحتلال السوفيتي لافغانستان، هب المسلمون في جميع انحاء العالم وبتشجيع من الولايات المتحدة وحلفائها للانطلاق نحو باكستان للانضمام الى المجاهدين الافغان للاشتراك في الجهاد ضد السوفيت، فقد اسس الفلسطيني عبدالله عزام ومجموعة من القادة الروحيين في عام 1982 منظمة اطلق عليها اسم مكتب الخدمات في بيشاور بباكستان. وكان اسامة بن لادن نائبا لعزام. وقد وفرت تلك المؤسسة التمويل والدعم اللوجستي وغير ذلك من المساعدات للمجاهدين.
وقد جاء معظم التحويل من اسامة بن لادن الذي ينتمي الى اسرة واسعة الثراء، وبالطبع فان هذا الامر لم يحدث من فراغ، كما انه لم يكن بمبادرة خاصة قام بها عدد قليل من الدول العربية. فقد قدمت وكالة المخابرات المركزية الاميركية واجهزة الاستخبارات الباكستانية الدعم والتشجيع ايضا.
ولكن بحلول منتصف الثمانينات دخل اسامة بن لادن في خلاف مع راعيه عبدالله عزام، فهو لم يكن يرغب فقط ان يكون مجرد شخص يساهم بتبرعاته من اجل تلك القضية بل كان يرغب في التحول الى مجاهد. بيد انه بدلا من الانضمام الى جماعة من جماعات المجاهدين شرع في تأسيس قوة عربية خاصة به قوامها بضع مئات من المقاتلين العرب. وقد اشتهرت هذه القوة باسم 'الكتيبة العربية' في اوساط المشاركين في الجهاد. وكان اسامة يرى ان المقاتلين الافغان يتسمون بالبراغماتية اي انهم قد يتخلون عن القتال اذا ما احسوا بقرب الهزيمة، والعودة الى القتال في وقت آخر. اما مقاتلو اسامة العرب فهم مشحونون بحماس بالغ، فقد قطعوا المسافات للقتال في سبيل الله، لتقبل الشهادة بأذرع مفتوحة، اما الافغان فهم على الارجح قد يعودون الى قراهم لزراعة منتوجاتهم او حصادها. او للزواج او حضور مناسبات الزواج او العزاء، وليس لدى العرب مكان يذهبون اليه، لكنني اعتقد ايضا ان الاهم من ذلك هو ان اسامة بن لادن كان يرغب في صياغة هوية خاصة به، مستقلة ومميزة وغير تابعة لقادة المجاهدين الافغان.

القاعدة
اسس اسامة بن لادن في عام 1986 قاعدته الخاصة قريبا من احدى الحاميات السوفيتية في شرق افغانستان قرب قرية جاجي التي تبعد مسافة عشرة اميال (16 كيلومترا) عن باكستان، وفي خطوة تنم عن التفاخرة اطلق عليها اسم 'عرين الاسد'، واعتقد انه اطلق عليها الاسم تيمنا باسمه اسامة الذي يعني الاسد. وفي ربيع عام 1987 دخل اسامة في معركة عنيفة ضد القوات السوفيتية في جاجي، وقد غطت اجهزة الاعلام معركة جاجي واشاد بها الكثيرون، وكانت تلك اول مرة يذوق فيها اسامة بن لادن طعم الشهرة، ولا بد انه يكون قد احب ذلك، وقد قاتل الى جانبه المتشددان المصريان ابو حفص وابو عبيدة في هذه المعركة، وبعدها بوقت قصير تعرف على الطبيب المصري ايمن الظواهري، واصبح صديقه، وكان الظواهري يعمل خارج بيشاور في معالجة جرحى المجاهدين.
وكان اسم القاعدة قد استخدم للمرة الاولى من قبل عبدالله عزام في ابريل عام 1998 في مقال نشره في مجلة 'الجهاد'، وكانت فكرته تقوم على تأسيس منظمة توفر الخدمات الاجتماعية للمسلمين، وتقوم بدور القاعدة ل 'البعث الاسلامي'، ولم يكن يقصد الى جعل القاعدة تقوم على اساس عسكري، وفي الواقع فإن الاسم الكامل الذي اطلقه عزام عليها هو 'القاعدة الصلبة'، اي الراسخة.
وكان مفهوم عبدالله عزام للجهاد هو طرد المحتلين من الاراضي الاسلامية، غير ان اسامة بن لادن كان يرغب ايضا في اسقاط الحكومات في البلدان الاسلامية التي كان يعتبرها 'مرتدة'، وهذا الامر كان سيؤدي الى نزاعات بين المسلمين، بيد ان عبدالله عزام لم يكن يؤيد ذلك.
وقد ادى ذلك الى بروز خلاف بينهما، واخذ اسامة بن لادن الاسم الذي اقترحه عزام واسس القاعدة التي اسقط من اسمها كلمة 'الصلبة'، وبعد مضي عام من ذلك اي في 24 نوفمبر عام ،1989 اغتيل عبدالله عزام وقد اتهم اسامة بأنه كان وراء اغتيال راعيه.

لا مركزية في العمليات
وفي فبراير عام 1998 اي بعد تسع سنوات من تأسيس القاعدة، اقام اسامة بن لادن منظمة جامعة اطلق عليها اسم 'الجبهة الاسلامية العالمية'، وكان الهدف من وراء اقامتها هو النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين، اما القاعدة من جهة اخرى، فهي منظمة متطرفة تضم مختلف الجنسيات، لكنهم كانوا بصفة خاصة من المصريين كما كان لها حضور في مناطق عديدة من العالم.

أهداف الجبهة الاسلامية العالمية
1 ـ تشجيع الجماعات الإسلامية القائمة على تبني الأفكار الراديكالية، وتأسيس جماعات جديدة حيث لا توجد مثل تلك الجماعات.
2 ـ الدعوة
3 ـ اخراج القوات الأميركية من بلاد المسلمين.
4 ـ مكافحة المخططات الإسرائيلية الأميركية في الشرق الأوسط.
5 ـ دعم نضال المسلمين في كل مكان من أجل الحرية.
6 ـ حشد المصادر الإسلامية من أجل قضية الجهاد.

ولدى القاعدة مجلس استشاري أو مجلس شورى يشرف على أربع لجان وهي اللجان العسكرية، والإعلامية والمالية ولجنة الشؤون الدينية. ويعتقد ان خلاياها العامة تنشط في حوالي أربعين بلدا بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا. وهي تركز بصفة أساسية على العمليات في افغانستان،والعراق، والمملكة العربية السعودية، وباكستان وتركيا، وجنوب شرق آسيا وشمال افريقيا، وأوروبا ، والولايات المتحدة، وبريطانيا وكندا، وعمليات القاعدة تقوم على اللامركزية، ويتم الاحتفاظ بالمتدربين تدريبا جيدا في حالة سبات، أي ما يسمى الخلايا النائمة، وذلك حتى تحين فرصة لحظة تسديد الضربات.
إلى أين ذهبت؟
والآن، وبعد الانتكاسات العديدة التي عانت منها القاعدة، يقال ان قاعدتها الجديدة وساحة تدريباتها أصبحت في منطقة السهل التي تمتد عبر وسط القارة الافريقية من الشرق الى الغرب. كما بدأت القاعدة تأخذ شكلا جديدا بعد اغتيال واختطاف كبار قادتها، وان اعادة تشكيل صفوفها باتت عملية مستمرة ما عدا ما يتعلق بالقيادة العليا.
ولقد بذلنا كل ما في وسعنا لملاحقة أسامة بن لادن والوصول اليه، ولكنه تمكن من التخلص منا، وأخيرا ظل يستخدم مراسلين بدلا من اجهزة الاتصال الالكترونية في اتصالاته، وهذا الأمر بكل تأكيد يخفض الوقت الذي تأخذه مراسلاته في الخروج من المناطق الجبلية والوصول اليها، وهي المناطق الممتدة على طول الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، حيث يأخذ الوقت ثلاثين يوما في كل اتجاه وقد تمكنا من اعتراض بعض تنقلات هؤلاء المراسلين.
ولقد ظل موقع تواجد أسامة بن لادن والعدد القليل من اقرب أعوانه سيشكل لغزا، وهو أمر يشغلنا أكثر من أي جهة أخرى في محاولة حله، وقد ظهرت بعض الأدلة على اماكن تواجد أسامة خلال التحقيقات، فهناك رمزي بن الشيبه الذي كان من المفترض ان يكون المختطف رقم عشرين ضمن مختطفي الطائرات في 11 سبتمبر. وكان رمزي قد فر من تورا بورا من دون ان يصاب، واعتقلناه بعد معركة جرى فيها اطلاق للنار في كراتشي، هو ومواطنين من بورما هما: سيد أمين وأبو بدر، واثناء التحقيق ابلغنا أمين انه التقى أسامة بن لادن في مكان مجهول حوالي شهر يونيو عام .2002
اما خالد الشيخ محمد، الذي كان يتولى ثالث اعلى رتبة في القاعدة (اعتقل في بيشاور)، فقد انكر انه التقى اسامة بعد 11 سبتمبر، ولكنه قال انه على قيد الحياة وبصحة جيدة وانه كان على اتصال به. وذكر ايضا ان آخر رسالة وصلته من اسامة تسلمها عبر مراسل. وقال ان اسامة تلقى مساعدة قبل عملية اناكوندا للخروج من تورا بورا والذهاب الى وزيرستان من جلال الدين حقاني وشخصين افغانيين هما محمد رحيم وامين الحق وايراني بلوشي الاصل اسمه احمد الكويتي، وفي 4 مارس 2003 قال خالد الشيخ انه يتوقع ان يكون اسامة في كونار بافغانستان.
كما ابلغنا ابو فرج الليبي الذي كان قد تولى مهام خالد الشيخ محمد انه الى وقت يعود الى شهر مايو ،2005 بعد اعتقاله كانت لديه اتصالات مع اسامة بن لادن عبر مراسل وان آخر خطاب تلقاه منه كان في وقت ما في شهر ديسمبر .2004 وقد ظللنا نبحث عن المراسلين بجدية.
واثناء اقتحامنا لجبال وزيرستان، وتدميرنا لشبكة اتصالات القاعدة في باكستان، اكتشفنا ان نظام المراسلين يقوم على اسس راسخة. وهو مكون من اربع درجات بفوارق واضحة فيما بين الدرجات الادارية والعملياتية، والدعم الاعلامي، والطبقة العليا او القيادة. والدرجات الثلاث الاولى لهما اتصالات ذات اتجاهين اما الدرجة العليا او الطبقة العليا اي القيادة العليا للقاعدة فان الاتصالات تتم في اتجاه واحد من اعلى الى اسفل.
وشبكة المراسلين الادارية تتعامل مع الاتصالات الخاصة بالحركة والعمل على نقل الاسر وغير ذلك من الامور الادارية، وتدفق المعلومات ونقلها من الاسر الى الممولين وبالعكس. ويدير شبكة المراسلين مجموعة مختلفة من الافغان والباكستانيين. وشبكة عمليات المراسلين تقوم بنقل تعليمات العمليات والتوجيهات. ويبذل جهد وعناية كبيرة في هذا المجال لاختيار المراسلين حيث يتم اتباع اجراءات امنية مشددة باستخدام كلمة السر ونظام غير مترابط اي ان المراسلين يجري استبدالهم على غير علم منهم بآخرين اكثر دراية كلما كان ذلك ممكنا.
وشبكة المراسلين الخاصة بالدعم الاعلامي تستخدم لاغراض الدعاية السياسية والحشد والتحفيز ومعظم الرسائل تبعث في شكل اسطوانات مدمجة، او منشورات او اشرطة فيديو.. الخ وغالبا ما تبعث الى قناة الجزيرة.
والدرجة الرابعة لشبكة المراسلين تستخدمها فقط القيادة العليا للقاعدة التي تحاول تفادي بعث الرسائل المكتوبة، الا في الحالات التي لا يمكن تفادي ذلك فيها مثل الرسائل الى خالد الشيخ محمد وابوفرج الليبي. وعادة ما يلجأ القادة الى جعل اكثر مراسليهم ممن يثقون فيهم اكثر ويعدونهم الافضل، يحفظون الرسائل عن ظهر قلب ونقلها شفويا.
ان المسألة باتت مسألة وقت قبل القاء القبض على اسامة بن لادن. فهو لم يعد يحظى بتعاطف او كرم كل العشائر الباكستانية في المناطق العشائرية في باكستان. ويمكنني الافتراض انه يتنقل جيئة وذهابا في مكان ما عبر الحدود الباكستانية ـ الافغانية. وحقيقة وجود عدد كبير من السعوديين في منطقة كونار ربما يشير الى ان مخبأ اسامة بن لادن هناك ولكننا لسنا متأكدين.
وقد قلت نصف مازحا انني آمل في الا يتم القبض عليه في باكستان على يد قوات باكستانية.