الثلاثاء: 2006.03.028
د. محمد عابد الجابري
كانت المناقشات التي أوردناها في المقال السابق تدور حول محور واحد، طرفاه: العقل والوحي. البراهمة يقولون باستغناء العقل عن النبوة، والمتكلمون الإسلاميون يثبتونهما معا. أما فلاسفة الإسلام فقد سلكوا مسلكا مغايرا ينبني على محاولة فهم ظاهرة النبوة وذلك بإيجاد مكان لها في منظوماتهم الفلسفية. ذلك ما فعله الفارابي وسار ابن سينا على دربه.
يعالج الفارابي مسألة النبوة داخل نظريته في الفيض التي حاول أن يفسر بها كيفية صدور العالم عن الله. لقد انطلق الفارابي في هذا المجال من فكرة quot;واجب الوجودquot; (يعنى الله) بوصفه موجوداً أزلياً لا شريك له (quot;لم يلد ولم يولدquot;)، مضْـفِياً عليه من صفات الكمال والتنزيه جميع الصفات التي يصفه بها المتكلمون المسلمون. ولما كان القرآن قد نص على أن الله خلق الكون بأسره (السماوات والأرض والإنسان)، وكان يخاطب الناس بما يفهمون وعلى قدر عقولهم، فقد ارتأى الفلاسفة أن القرآن َبيَّن لجمهور الناس كيفية الخلق بما يناسبهم من أنواع الخطاب من ضرب المثل والتصوير التشخيصي الخ. أما الفلاسفة أنفسهم فقد رأوا أن عليهم أن يحاولوا فهم ذلك بالطريقة التي لا تتناقض مع العقل (العلمي والفلسفي كما كان في عصرهم).
وهكذا فبما أن الله quot;خلق الإنسان على صورتهquot; (كما في التوراة، وفي القرآن: quot;وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْquot; -غافر64، وفي الحديث: quot;خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِquot;)، وبما أن أرقى ما في الإنسان هو العقل، فقد تصور الفلاسفة الله على أنه quot;عقلquot;، فنزهوه عن جميع أنحاء النقص بما في ذلك الدخول في أية علاقة مع المادة، لأن المادة محل للتغير والفساد، والله منزه عنهما. كما نزهوا الله عن الشريك، فهو واحد لا تعدد في ذاته ولا في صفاته ولا نِد له.
والمشكلة التي واجهت الفلاسفة في هذا المجال هي أنه: إزاء وحدانية الله هناك التعدد في العالم! والله موجِد العالم أو خالقه، فكيف نفهم العلاقة بين تلك الوحدانية وهذا التعدد؟ وبعبارة أخرى: كيف نفهم صدور الكثرة عن الواحد. إنها نفس المشكلة التي واجهت فلاسفة اللاهوت المسيحي (أفلوطين مثلا) في القرن الثاني والثالث الميلادي، والذين وظفوا فكرة quot;الفيضquot; لتجاوزها، فقالوا بالأقانيم الثلاثة (الله، العقل الكلي، النفس الكلية)، على اختلاف بينهم. أما بعض الفلاسفة المسلمين، وفي مقدمتهم الفارابي الذي نحا في فلسفته منحى توفيقياً بين الدين والفلسفة، فقد وسعوا من دائرة الفيض، كما فعل فلاسفة حران التي درس فيها الفارابي، فقالوا: إن الله، بما أنه عقلٌ، وهو الموصوف بالكمال، فهو لا يعقل إلا ما هو كامل، ولا كامل إلا هو، وبالتالي فهو لا يعقل إلا ذاته، وبالتالي فهو عقل وعاقل ومعقول.
وفكرة الفيض اقتضت أنه بما يعقل ذاته يفيض عنه عقل ثانٍ مثله (كما يرى الإنسان نفسه في المرآة)، وهذا العقل الثاني يعقل ذاته ويعقل مصدره الذي فاض عنه، فيفيض عنه عقلان، أحدهما من كونه عَقَل مصدره (العقل الأول)، والآخر من كونه عَقَل ذاته. ويستمر فيض العقول بهذا الشكل كحل لمشكلة صدور الكثرة عن الواحد إلى العقل العاشر. والسبب في وقوفهم عند العقل العاشر هو أن الناس قد اعتقدوا منذ القدم أن الأرض مركز الكون يحيط بها عدد كبير من النجوم الثابتة وسبعة كواكب سيارة. تبنى فلاسفة الفيض النظام الفلكي البطليموسي، وجعلوا لكل فلك محركاً يقوده في مداره (يدبره) وسموا هذا المحرك عقلا، وأضافوا إلى الأفلاك السبعة فلكين آخرين يحيطان بالكون كله، هما الفلك المحيط بالسماء كلها (كرة السماء)، وفلك النجوم الثابتة. وهذان الفلكان يدبرهما عقلان هما الواسطة بين مدبرات الكواكب السبعة وبين العقل الأول (الله) فصارت العقول الفائضة عن العقل الأول تسعة، وبإدخال هذا الأخير في الحساب، بوصفه عقلا، يكون عددها عشرة: يحرك الأعلى منها الأدنى.
هذا وقد طابق ابن سينا وبعض متفلسفة المتصوفة بين تلك العقول العشرة وبين الملائكة وأصنافها، كما وردت في القرآن أو في بعض الأحاديث. ففي القرآن الكريم quot;الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (النساء 172) والملائكة الحافظون والكاتبون، quot;وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَquot; (الانفطار 10-11) والملائكة quot;السفرةquot; (عبس 15) وquot;الروحquot; (جبريل): quot;quot;تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (القدر 4) الخ.
هذا على صعيد الوجود، أما على صعيد المعرفة فالعقل الأول (الله) لا تخفى عنه خافية، فعلمه علم محيط بكل شيء. وهكذا فإذا استطاع الواحد من الناس الارتفاع بمستوى عقله عن طريق النظر والتجريد (الفلسفة) إلى أعلى درجة فإنه يستطيع الاتصال بالعقل الأول بتوسط العاشر المدبر لما تحت فلك القمر، أي للأرض وما عليها وما حولها الخ (ويسمى أيضا العقل الفعال، وواهب الصور للمواد، ومرتبته مرتبة الملك جبريل في الخطاب الديني). ومن هذا الاتصال عبر العقل العاشر يتلقى الإنسان المعرفة الحقيقية، بالله والطبيعة والإنسان، إما على شكل معرفة نظرية برهانية، وهذا هو الفيلسوف. وإما على شكل مثالات وصور بيانية، وهذا هو النبي، الشخص من البشر الذي يوحى إليه. والفرق بين الفيلسوف والنبي في نظر الفارابي هو أن الفيلسوف يرقى إلى مرتبة quot;الاتصالquot; بواسطة المعرفة الواسعة والنظر الدقيق المبني على التجريد والاستدلال، بينما يبلغها النبي بفضل ما أوتي من quot;خيال قوي نافذquot;.
وإذا كان مفهوماً أن الفيلسوف يصل إلى هذه المرتبة بالاكتساب، أي بطول الدراسة والتأمل والانشغال بالعلم.. الخ، فإن صاحب المخيلة القوية يصل إلى ما يصل إليه بالطريقة التالية: فإذا حدث أن تحررت القوة المتخيلة في الإنسان من تأثير زميلاتها الأخرى (الحسية والشهوانية والغضبية والنزوعية والعاقلة)، وانفردت بنفسها كما يحدث أثناء النوم، فإنه قد يحدث لها أن تنشغل بما تجده عندها من صور المحسوسات محفوظة فيها، فتفعل فيها فعلها بأن تركب بعضها إلى بعض وتفصل بعضها عن بعض، وقد تحاكي بعضها متأثرة في ذلك بـquot;مزاجquot; الشخص، فتكون عن هذه الأنواع من المحاكاة الأحلام والمنامات. وقد تكتسي المحاكاة في بعض الأحيان طابع الفعل إذا كان المزاج يدفعها إلى ذلك، فيقوم النائم ماشياً، أو يأتي بأفعال يقوم بها في اليقظة عادة (والمرجع في كل ذلك هو علم النفس الأرسطي).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد تحصل القوة المتخيلة على بعض ما يُفيضه العقلُ الفعال على القوة الناطقة، وهو quot;بمنزلة الضياء من البصرquot;، فيتشكل ما تقبله منه في صورة منامات ورؤى صادقة، إن كان من الجزئيات. أما إن كان من الكليات فيتشكل في صورة كهانات على الأشياء الإلهية. ومن هنا ما ينسب إلى الكاهن من القدرة على التنبؤ بما سيحدث. وذلك كله قد يحدث في النوم وقد يحدث في اليقظة، quot;إلا أن التي تكون في اليقظة قليلة وفي الأقل من الناسquot;.
أما إذا كانت القوة المتخيلة في إنسان ما قوية كاملة جداً، وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، أو يجعلها في خدمة القوة الناطقة، وكانت حالها هذه في وقت اليقظة مثل حالها في وقت النوم... فحينئذ يمكن لهذا الإنسان أن يتلقى في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات، كما يتلقى محاكيات المعقولات المفارقة (للمادة) وسائر الموجودات الشريفة (العقول، الملائكة) ويراها، فيكون له بما قبِله من المعقولات نبوة بالأشياء الإلهية. quot;فهذا أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة وأكمل المراتب التي يبلغها إنسان بقوته المتخيلةquot;، إنها مرتبة النبوة حسب الفارابي وابن سينا ومن سار على دربهما كالفلاسفة الإسماعيليين. وواضح أن مضمون هذه النظرية هو إثبات النبوات ضدا على منكريها.














التعليقات