رشيد الخيون


بعد أن شغلت فتاوى وبيانات آية الله علي السيستاني، من داره المتواضعة بالنجف، الإعلام العالمي عشية سقوط دولة البعث، وما لحقها من أحداث مفرحة محزنة في آن واحد، عادت الدار ساكنةً، ولم تتخط الوفود عتبتها، مثلما كانت بالأمس، لا إهمالاً لمقام المرجع، ولا استغناءً، بل لضيق صاحب الدار ممَنْ نالوا تأييده، واستغلوا رسمه في الداعية الانتخابية، ودفع بترشيحهم إلى تولي مهام الدولة.

أخبرني أحد المخلصين له، أنه عندما لام مستخدمي صوره ردوا عليه بالقول: سيدنا صورك بركة لنا! ولما طلب منه أحدهم التصوير معه للذكرى اعتذر له بالسهل الممتنع: laquo;صورتكم في القلبraquo;! وكان جواب مكتبه على استفتاء laquo;جمع من المواطنينraquo; حول إباحة استخدام رسمه بالقول: laquo;إن سماحة السيد لا يرضى بذلك أبداً، والمرجو من محبيه الكف عن مثل تلك الممارساتraquo; (موقع السيد السيستاني).

لا نغالي ولا نقلل من شأن آية الله السيستاني، فمنزلته محفوظة، إذا قلنا إن بيانه الأخير في الشأن العراقي، والصادر في 22 رجب 1427هـ، جاء ينضح حزناً وإحباطاً، وأومأ إلى مواقع الخلل في اللعبة السياسية في ما بين السطور. ولعل السؤال الذي يراود الكثيرين: لماذا لا يعلنها ويتبرأ ممَنْ وضعه في هذا الموقف؟ بيد أن العارف في تقاليد المرجعيات يعرف أنها لا تسمح بمراجعة الذات علناً، لما في ذلك من سلبية على منزلتها في نفوس الأتباع، وهم مجرد مقلدين. وإلا فالانتخابات الأولى جاءت منقوصة، حدت الطائفية بجموع الناخبين إلى صناديق الانتخابات. ولا ندري أين خبا صوت مَنْ اعتبرها نهاية للعنف والفساد الإداري! وورط المرجعية في الإصرار عليها!

جاء في البيان: laquo;بقلبِ يعتصر حزناً وألماً أتابع أنباء ما يتعرض له أبناء الشعب العراقي المظلوم يوميّاً من مآسٍ واعتداءات: ترويعاً وتهجيراً، خطفاً وقتلاً وتمثيلاً، ممّا تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها وفظاعتها، ومدى مجافاتها لكل القيم الإنسانية والدينية والوطنية. ولقد كنت ـ ومنذ الأيّام الأولى للاحتلال ـ حريصاً على أن يتجاوز العراقيّون هذه الحقبة العصيبة من تاريخهم من دون الوقوع في شرك الفتنة الطائفية والعرقيةraquo;.

قُدمت المرجعية، بعد التاسع من أبريل 2003، بدافع الاستفادة من تدخلها في الشأن السياسي، على أنها تمتلك عصا موسى فالقة البحر ومفجرة الحجر ماءً. ويمكن أن تُوهم هذه السحرية المقلدين البسطاء، أما قادة الأحزاب والكيانات فهمهم الوصول إلى المآرب. وخلاف ذلك نسمع أن المرجع الأعلى يعيش حالة إحباط، إلى حد الاكتئاب والندم، بسبب مَنْ دفع بهم إلى الصفوف الأمامية، فملايين الشيعة ما كانوا يجمعون عليهم لولا ظله. أغلق آية الله باب داره بوجه مَنْ كان يطلب المشورة ويستعد للتنفيذ، ويعلو صوته بالقول: نحن نأتمر بأمر المرجعية! بعدها ظهر مَنْ يقول: مثلما يفتي السيستاني نحن نفتي أيضاً! حتى أخذت دار المرجعية ترد مَنْ يريد استخدامها لافتة دعاية بالقول: السيد نائم، أو السيد مريض، وغيرها من الأعذار.

رُفعت فتاوى السيد السيستاني لدعم انتخاب هذا وزعامة ذاك، بينما لا أحد تقيدَ بفتاواه الناهية عن استغلال المناصب، وتعيين ذوي القربى بلا وجهة حق، وما يخص تحريم الاستيلاء على أموال الدولة، لأن كل دوائر الدولة وقصورها تحولت إلى قصور وملحقات حماية. كان السيستاني واعياً لخطورة إسقاط النظام عن طريق الحرب، ومعلوم أن صداماً لم يترك زرعاً ولاضرعاً دون إفساد! وفي وقتها تفهم الفتوى أنها ذود عن أعتى قسوة شهدها العصر الحديث. جاء في رده على سؤال جريدة ألمانية: laquo;لم يكن المنشود تغيير النظام الاستبدادي عن طريق الغزو والاحتلال بما استتبع ذلك من مآسٍ كثيرة، ومنها انهيار مقومات الدولة العراقية، وانعدام الأمن والاستقرار، وتفاقم الجرائم، وتلف الكثير من الممتلكات العامة حرقاً ونهباً وتدميراً وغير ذلكraquo;.

نزل آية الله السيستاني النجف عام 1951، وأصبحت داره والعراق بلاده، وهو المفتي في أحد تعريفات الوطن: laquo;المكان الذي اتّخذه الإنسان مقرّاً، وسكناً دائمياً لنفسه، بحيث يريد أن يبقى فيه بقية عمرهraquo;. ولمؤهلاته كان ثالث الثلاثة المرشحين للمرجعية خلفاً للإمام أبي القاسم الخوئي (ت 1992)، وقد تفرد بها بعد وفاة المجتهدين: آية الله نصر الله المستنبط، الذي قُتل مسموماً (1985)، ووفاة آية الله أبي الأعلى السبزواري (أساطين المرجعية العليا). كان تكليفه بالصلاة في مسجد الخضراء بالنجف من قبل الخوئي، وهو على فراش المرض، إشارة إلى مرجعيته، وقد قبل بعد تمنع في محاولة للنأي عن تلك المهمة، وفي ذلك الظرف العصيب، وهو أول الستة الذين شيعوا جنازة الخوئي، وتولى الصلاة عليه تحت جنح الظلام.

كانت يومها المنازلة الكبرى مع السلطة التي أرادت laquo;تغيير مسار المرجعية الدينية في النجف الأشرفraquo; (موقع السيد السيستاني)، حيث أُغلق مسجد الخضراء، الذي كان يُلقي الخوئي ثم السيستاني من على منبره درس الخارج، وهو أعلى مراحل الدراسة في الحوزة الدينية. ويعني الراوي بتغيير مسار المرجعية هو نقلها عنوة إلى مرجع آخر لم يحظ باعتراف المراجع والمتقدمين في الحوزة من العلماء. وبعد البعث، وجد آية الله نفسه، وسط ظرف العراق الخطير والدقيق، أمام مسؤولية عظمى، جعلت اسمه يتداول على ألسنة المكتوين بنار المأساة، فلسان حالهم يقول: إن السيد يتحمل عدم أَهْلِيَّة وأداء ممَنْ وقفوا ببابه طالبي تبريكات!

على أية حال، بعد يأس العراقيين، من الكيانات والأحزاب والأمريكان، هل يرون بفتوى آية الله السيستاني سفينة نجاة، يذعن لها أمراء الحرب، وسط كثرة مصادر الإفتاء، وتعدد المراجع من ذوي الأحزاب؟ آية الله كاظم الحائري يفتي من إيران، وهو فقيه حزب الدعوة يوم كان الحزب يؤمن بولاية الفقيه (الشامي، المرجعية الدينية من الذات...)، وما له في التيار الصدري من مقلدين، وآية الله محمد اليعقوبي له حزب الفضيلة، وصاحب قرار في البصرة والجنوب. وغيرهما من الحجج والآيات. ملخص الإجابة: إن حركت مرجعية النجف الأتباع بفتوى انتخاب ودعم كيان فإنها لا تستطيع حمايتهم بدفاتر فتاوى من الذبح اليومي والفساد الإداري المستشري، والسبب أن فتوى القتل والخراب بيد أمراء الحرب، من الزعامات الشيعية والسُنّية، وهؤلاء لا يترددون في إسكات صوت المرجعية نفسها، وهي قد لا تمتلك غير فيض الشكوى!