صبحي حديدي
في تحفته الأشهر موبي ديك ، يذكّرنا الروائي الأمريكي هرمان ملفيل بفلسفة عتيقة تضرب بجذورها في الركائز العقائدية التي قام عليها أحد أبرز المعاني الرمزية لنشوء الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنها صهيون الجديدة أو كنعان الثانية . وهو يقول، علي لسان آخاب: نحن الأمريكيين إسرائيل زماننا، ونحن حَمَلة تابوت العهد الذي وهبنا إياه الله، ميراثاً للمستقبل وسلطاناً واسعاً علي وثنية السياسة. نحن الروّاد والطليعة، ننطلق في عراء الله، نشقّ درباً جديداً إلي العالم الجديد الذي هو ملكوتنا ...
تلك كانت صيغة ميتافيزيقية ـ أدبية، لا تخلو مع ذلك من روح تبشيرية إمبريالية، تكمل النظرية الشعبية الأعمّ التي سادت منذ القرن الثامن عشر في مختلف المنظمات المسيحية ـ الأصولية الأمريكية، والبروتستانتية الإنجيلية بصفة خاصة، والتي تقول بعودة يسوع إلي عالمنا هذا لتخليصه من الشرور، حين تكتمل جملة شروط :
قــــيام دولة إسرائـــيل؛ نجاح إسرائيل في احتلال كامل أرض التوراة، أي معظم المشرق؛ إعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلي أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصي؛ وأخيراً، إصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إمّا الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلي المسيحية، الأمر الذي سيمهّد لعودة المسيح المخلّص!
وفي أزمنتنا هذه لا تتوقف الأصولية المسيحية عند التبشير التوراتي الأقرب إلي الهستيريا، بل تتعداه إلي تشكيل الميليشيات الدينية والسياسية المسلحة، التي تضم اليوم أكثر من خمسة ملايين منتسب. وهي كذلك تنتظم في سلسلة تحالفات عريضة، وتلتقي مثلاً حول مناهضة الصيغة الفيديرالية للحكم في الولايات المتحدة، وتدعو إلي (بل استخدمت وتستخدم) العنف كوسيلة كفاحية ضدّ الطغيان الفيديرالي. أسماؤها تدلّ عليها: التحالف المسيحي ، الأمم الآرية ، الوطنيون المسيحيون ، الهوية المسيحية ، رابطة البندقية الوطنية ... وأما خطوطها الإيديولوجية فيمكن أن تبدأ من افتراض وجود مؤامرة دولية عليا لتقويض الحلم الأمريكي، ولا بدّ أن تمرّ بالتنظير التبشيري للقيامة الثانية ومجيء المخلّص، ومعظمها ينتهي إلي التغنيّ بالمسيحيّ الأبيض بوصفه المسيحيّ الوحيد.
وشخصياً، توقفت في مناسبات سابقة عند المنظمة الأبرز والشخصية الأخطر في هذه المجموعات، أي التحالف المسيحي الذي يقوده الواعظ ماريون غوردون (بات) روبرتسون، مرشح الحزب الجمهوري للإنتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 1988. والمنظمة تضمّ ما يزيد علي المليون من الأعضاء المنتسبين، وتقدّر لائحة البريد الذي توزعه بنحو 1.8 مليون عنوان، كما تدير إمبراطورية هائلة متخصصة بالتبشير الديني المتلفز، بينها الشبكة المعروفة CBN، و قناة الأسرة ، والعديد من الإذاعات، وجامعة معلنة واحدة علي الأقل هي جامعة ريجنت.
فوق هذا، يلتفّ حول المنظمة عدد كبير من الساسة، من عيار نائب الرئيس ديك تشيني والسناتور (اليهودي) النافذ أرلين سبكتر، فضلاً عن كبار ممثلي المحافظين الجدد من امثال إرفنغ كريستول. وفي المستوي العملي، يسيطر التحالف المسيحي علي ممثلي الحزب الجمهوري في أكثر من اثنتي عشرة ولاية، بما في ذلك تكساس وفلوريدا.
وآخر مناسبة أتاحت لي الحديث عن روبرتسون كانت في مثل هذه الأيام السنة الماضية، حين دعا علناً إلي اغتيال الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، الأمر الذي أخجل حياء صحيفة الـ واشنطن بوست الأمريكية ذاتها، فاضطرّت إلي التنصّل من الحماقات التي يرتكبها بين الحين والآخر. وأمّا مناسبة اليوم فهي أنّ بين يديّ روبرتسون ذريعة جديدة للمطالبة مجدداً باغتيال شافيز، ألا وهي موقفه من العدوان الإسرائيلي البربري علي لبنان، وهو للحقّ موقف فريد ونسيج وحده علي مستوي زعماء الكون. وما يضع الذريعة في سياق عملي هو حقيقة أنّ روبرتسون موجود في إسرائيل هذه الأيام، وجاء خصيصاً ليصلّي مع رئيس وزراء الدولة العبرية إيهود أولمرت، في مكتب الأخير، من أجل انتصار إسرائيل.
وللتدليل علي طبيعة تلك الصلاة ، هنا فقرة ممّا فاض من مشاعره الروحية: أنا هنا لكي أقول إنني أحبّ إسرائيل. أنا هنا لكي أقول إنّ المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يقفون مع إسرائيل في كفاحها. ومن أجلنا جميعاً، لا ينبغي لإسرائيل أن تخسر هذا الكفاح. أعتقد أنّ شعب إسرائيل يعرف أصدقاءه، ويعرف أنّ أصدقاء إسرائيل هم المسيحيون الإنجيليون . اللافت، لاستكمال السياقات التي تصنع الإنحطاط الأخلاقي لهذا المبشّر الأفاق، أنه أقام الصلاة مع أولمرت، ثمّ أدلي بهذه الأقوال، مباشرة بعد تصويت الحكومة الإسرائيلية علي توسيع الحرب البرّية!
وأيضاً: بثّ روبرتسون، علي الهواء مباشرة ومن بلدة المطلة، حلقة جديدة من برنامجه الشهير The 700 Club، حيث شاءت دراما تلفزة الواقع أن يسقط صاروخ كاتيوشا علي مبعدة قليلة من مسرح البثّ. ولكي يكون التناغم تاماً مع سيّد البيت الأبيض جورج بوش، قال زعيم التحالف المسيحي إنّ كفاح إسرائيل الراهن ضدّ حزب الله هو جزء لا يتجزأ من كفاح أعرض ضدّ الإسلامو ـ فاشية حسب تعبيره. وأخيراً، لكي يزاود حتي علي أعتي صقور الدولة العبرية، اعتبر روبرتسون أنّ مرض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون هو عقاب إلهي، بسبب قرار الأخير الإنسحاب من غزّة!
أيّ فارق، حقاً، بين آخاب موبي ديك سنة 1894، وروبرتسون التحالف المسيحي سنة 2006؟
- آخر تحديث :














التعليقات