قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


علي سعد الموسى


تدور أسئلة كبرى حول التقرير الأخير لمنظمة - مراسلون بلا حدود - ذاك الذي وضع دول العالم العربي في أرقام متأخرة للغاية في مجال الرأي وحريات التعبير. صحيح أن السؤال الجوهري: ما هي المعايير التي استندت عليها المنظمة كي تخرج إلينا بهذا الترتيب التراتبي الرقمي وعلى أي مسطرة دقيقة يتقدم فيها ترتيب - المئة - مثلاً على الرقم الذي يليه. أولاً، لا يدهشني على الإطلاق أرقام العرب في الترتيب العولمي لحريات التعبير تلك التي وضعت دولاً عربية كثيرة، بل الأغلب منها في ترتيب من رقم ثلاثي. ترتيب العالم العربي في الرأي وحريات التعبير لا يختلف كثيراً عن ترتيبهم في مساطر أخرى مثل الجامعات ومراكز البحث العلمي، بل حتى في تصنيف كرة القدم وبالتالي يصعب أن نتخيلهم فكرياً وحضارياً في موقع متقدم مثل حريات التعبير فيما هم يحتلون بثبات الثلث الأخير من قوائم التصنيف العولمي حتى في الآفاق الجانبية الثانوية.

ثانياً، وهو الأهم، فالحريات بأنواعها نضج اجتماعي وثقافة شمولية ومن الخطأ الفادح أن نرمي باللوم كاملاً على المؤسسات السياسية وحدها في قمع حريات التعبير. العالم العربي بالتحديد، وربما وحده، خضع خلال نصف القرن الأخير لطوائف الهيمنة الاجتماعية وسلطنة المدارس المختلفة التي تلغي فيها كل مدرسة بنات المدرسة الأخرى في جريمة ثقافية بشعة منظمة. مَن من الإسلاميين كان يستطيع الجهر بأفكاره أيام سطوة المدارس القومية والناصرية والبعثية.

وبالضبط فهؤلاء لا يستطيعون اليوم ممارسة صوتهم الثقافي في زمن المد الإسلاموي المعاصر. في العالم العربي لا توجد قوانين صارمة تكفل للجميع المشاركة عبر الرؤى المختلفة وبدلاً من هذه القوانين تبرز سلطة إقصاء المدرسة للمدرسة. ثم إن الفارق بين حريات التعبير وبين التعدي على الحريات الشخصية يبدو رفيعاً هلامياً في ظل غيبة القوانين. ما يحصل في ثقافتنا العربية هو تصفية حسابات تصل لتصفية الأجساد أكثر من كونها مناورات حول الرأي والرأي الأخير. خذوا أمثلة فرج فودة ونصر حامد أبوزيد كمثال على الوضع في الدولة العربية التي نالت أفضل مركز عربي في تقرير المنظمة الأخير.

ومع أنني سأترك الحكم على حالتيهما لأوراق التاريخ، فسأشدد على أنهما ذهبا إلى مصائر مختلفة تحت الضغط الاجتماعي وتحت سطوة المدرسة التي تتحكم مرحلياً بالمشهد الثقافي ولم يكن لها خلاف معلن مع النظام السياسي. لكن خطأ المظلة السياسية أنها لم توازن بين أطراف المشهد ولم تحم حرية التعبير من التجاوز أو التجاوز عليها وكل هذا يثبت أن معادلة حرية التعبير شراكة شمولية عامة!!