محمد أبو زيد

أكد الدكتور يحيي الجمل فقيه القانون الدستوري والوزير السابق أن التعديلات الدستورية تهدف إلي تكريس هيمنة الحزب الحاكم علي الحياة السياسية وإنها تهدف إلي استمرار سلطة القهر

وأضاف الجمل في حواره مع laquo;المصري اليومraquo; أن أي تفرقة بين المستقلين والحزبيين هي تفرقة غير دستورية لأنها تقصي ٩٧% من أبناء الشعب المصري وهم غير المنتمين إلي أحزاب

واقترح الجمل أن يتم وضع ضوابط لانتخابات الرئاسة، بحيث يتم منع العابثين من الترشيح، واستنكر الجمل أن يكون كل تفكير الحزب الحاكم هو إقصاء الإخوان وأنه لا يفكر لمصر ولا لصالح مصر،

وأشار إلي أن الانتخابات في الهند تكون تحت إشراف هيئة مستقلة وليست تحت إشراف القضاء ولكنها تتم لحساب دولة الهند، أما في مصر فلا يعرف أحد من الذي تتم لصالحه الانتخابات هل هي مؤسسة الدولة أم فرداً ومجموعة بعينها، وإلي نص الحوار:

.. هل كنت تتوقع أن تأتي الإصلاحات الدستورية بهذه الصورة؟

ـ المسألة ليست مسألة توقعات وإنما تحليل للوضع القائم، فهل هناك رغبة حقيقية في إصلاح سياسي حقيقي أم لا، هذا هو السؤال الذي أطرحه دائماً علي نفسي وإجابتي عليه ليست إجابة ظنية ولكنني أرصد ما يحدث، وتقديري لكي يكون هناك إصلاح سياسي حقيقي فلابد أن تكون التعددية الحزبية حقيقية وليست شكلية،

وهذا يعني أن الرأي العام هو الذي ينشئ الأحزاب وهو الذي يحاسبها، لكن أن تنشأ الأحزاب عبر لجنة يسيطر عليها الحزب الوطني فهذا أمر غير منطقي

والتساؤل الأول: هل التعديلات المطروحة تؤدي إلي تعددية حزبية حقيقية وأن يكون الحزب الوطني وهو الحزب الحاكم ليس حزباً لأمن الدولة والمباحث العامة ومصلحة المجاري ومصلحة مياه الشرب، وغيرها من الهيئات الحكومية ليصبح حزباً حقيقياً وليس حزباً حكومياً له وجوده في الشارع، وحينما تنظر إلي هذه التعديلات لن تجد أي شيء من ذلك، فالتعديلات تكرس استمرار سلطة القهر،

وأن تظل سلطة الأمن المسيطرة علي الحياة العامة وأن تظل الأحزاب محجمة، ولا يوافق علي قيام حزب، إلا إذا كان بلا قيمة ولا هدف، وبالتالي فإن التعديلات أهملت الركن الأول من أركان الديمقراطية وهو التعددية الحزبية الحقيقية.

.. ولكن الحكومة تقول إن التعديلات الدستورية تهدف إلي تفعيل دور الأحزاب في الحياة السياسية وتفعيل مبدأ التعددية الحزبية؟

ـ نحن يحكمنا ديمقراطية القول وليست ديمقراطية الفعل، laquo;أحزاب إيه وتعددية إيهraquo; اللي بتتكلم عليها الحكومة، أنا مرة اتصل بي رئيس حزب وقال لي: أنا رئيس حزب كذا فقلت له أنا لا أعرف هذا الحزب فقال أنا كمان أستاذ في كلية التجارة وأدعوك للحديث في ندوة ينظمها الحزب عن التعديدات الدستورية، وطبعاً أنا لا أرفض أي دعوة توجه إلي للحديث عن الدستور فذهبت إلي مقر هذا الحزب والكائن بجاردن سيتي فوجدت أن الحزب وبالاشتراك مع حزب آخر لم يجمعا سوي ١٢ فرداً،

أي أن أعضاء الحزبين لا يتجاوزوا الـ ١٢ فرداً، فهذه هي الأحزاب التي توافق عليها لجنة شؤون الأحزاب، أحزاب لا يشعر بها أحد لا قبل أن تولد، ولا بعد أن يتم الإعلان عنها، لذلك أنا أري أن أي إصلاح دستوري حقيقي يجب أن يضيف فقرة إلي المادة الخامسة من الدستور والتي تتحدث عن أن النظام السياسي يقوم علي التعددية الحزبية وتضاف فقرة laquo;وأن يكون قيام الأحزاب بمجرد الإخطار ويمتنع قيام الأحزاب العسكرية والأحزاب التي تدعو لقيام دولة دينية.

.. ما تقديرك للتعديل الخاص باختيار رئيس الجمهورية؟

ـ الرئيس مبارك اقترح مبادرة في ٢٠٠٥ لتحويل طريقة اختيار رئيس الجمهورية ليكون بالانتخاب الحر المباشر بدلاً من الاستفتاء، وذلك بتعديل المادة ٧٦ من الدستور فإذا بتعديل المادة ٧٦ لا مثيل له في أي دستور في العالم فتعديل المادة يقصي ٧٥ مليون مصري ويخاطب أشخاصاً لا يزيد عددهم علي أصابع اليدين فلا يمكن لأي شخص أن يحقق الشروط الواردة بالمادة ٧٦ سوي الرئيس مبارك و٣ أو ٤ أشخاص آخرين ممن يختارهم الرئيس مبارك،

والأصل هو المواطن، وكل مواطن له الحق في انتخاب رئيس الجمهورية فمادام له الحق في الانتخاب فمن حقه أن يرشح نفسه للانتخابات وإذا كان منصب الرئيس له هيبته وخطورته ومع وجود عابثين وباحثين عن الشهرة فإنه من الممكن وضع ضوابط لمنع هؤلاء من الترشيح.

.. معني ذلك أن فكرة الضبط والمنع تستخدم لأغراض أخري؟

ـ الضوابط شيء والموانع شيء آخر، المادة ٧٦ كما كانت في التعديل الأول تضع موانع، وكما هي مقترحة الآن وحسب ما نسمعه تضع موانع أيضاً. فمثلاً حينما يأتي من يقول لك إن التفرقة بين المستقلين والحزبيين تفرقة دستورية، كيف ذلك؟ فهل رجال الأحزاب وهم علي أقصي تقدير لا يتجاوز عددهم الـ ٣% من سكان مصر فهل تحرم الـ ٩٧% وترخص للـ ٣%، هذا الكلام ليست له علاقة بالدستور ولا يتحدث به طالب في أولي حقوق، عيب أن نقول مثل هذا الكلام.

.. ما الضوابط التي تقترحها لذلك؟

ـ إذا كنا نريد أن نضع ضوابط حقيقية لانتخابات الرئاسة، نقول إن من يريد أن يرشح نفسه يدفع أمانة مالية وليكن قدرها ٥٠ ألف جنيه وأنه سوف يخسر هذا المبلغ إذا لم يحصل علي ١% من الأصوات وبذلك سنستبعد الهازلين والعابثين، ومن الممكن أن نضع ضوابط أخري، مثل من يريد أن يرشح نفسه فليأت بتزكية نقابة مهنية أو نقابة عملية أو مجلس جامعة من الجامعات وأي عابث لن يستطيع أمام هذه الضوابط أن يترشح.

.. لكن التعديلات تختصر الطريقة وتري أن الأجدر أن تكون الضوابط نابعة من ترشيح الأحزاب؟

ـ إنت تعرف وأنا أعرف وهم يعرفون أنه لا يوجد أحزاب أو نوشك أن نقول إنه لا توجد أحزاب، يعني نقدر نقول إن الوطني والتجمع والناصري والوفد أحزاب مع أن الدنيا كلها تعرف جيداً أن المسائل تغيرت، فالحزب الوطني مثلاً laquo;اتكشفraquo; في الجولة الأولي للانتخابات، ولولا التدخل في الجولة الثانية والثالثة، لم يكن ليحصل علي ما حصل عليه والناصري،

كلنا نعلم ما حدث فيه وكذلك ما حدث في الوفد والعمل، المناخ العام كله لا يسمح بحياة حزبية حقيقية، وفي النهاية نقول إن رؤساء الأحزاب يرشحون أنفسهم، يعني سنعطي الفرصة لـ ٢٤ أو ٢٥ رئيس حزب وأنا لا أعرف كم عدد الأحزاب الآن، وإذا كنت شاطر أخبرني بأسمائها، وزير الداخلية نفسه ومن غير ورقة لا يستطيع أن يحصي أسماء ١٠ أحزاب، وأقول إن التعديلات بوضعها الحالي تحرم ٧٠ مليوناً من حق الترشح فهل هذا الكلام دستوري وهل هذه المادة دستورية وهل هذا الكلام ديمقراطي؟!

في إسبانيا يوجد ٤٢ حزباً والذي يعمل علي الساحة ٣ أو ٤ والجزائر بها ١٢٠ حزباً والذي يعمل علي الساحة ٣ أو ٤ والأردن التي هي أصغر من محافظة عندنا لديها ٣٠ حزباً، فلنترك الحرية لإنشاء وتكوين الأحزاب، ثم اترك الحرية للترشح مع وضع ضوابط ميسرة للترشح وليس موانع، فليس المقصود أن أرشح الذي يضمن نجاحه وإنما المقصود أن أرشح الذي يمتلك احتمالات النجاح حتي ولو كان هذا الاحتمال ١%.

.. معني ذلك أنك تري أن حرمان المستقلين في تعديل التعديل للمادة ٧٦ هو أيضاً غير دستوري؟

ـ أكيد طبعاً، يا سيدي كم عدد المستقلين في مصر وأنا راض بحكم وزارة الداخلية في أن تقول لنا كم عدد المنتمين للأحزاب في مصر، ولو زاد هذا العدد علي ٢ مليون يبقي لهم حق، إذا لكي نقول أنك تريد أن تجري انتخابات حقيقية لا يمكن أن تقصرها علي الأحزاب فقط، لأن ذهنك منصرف إلي إقصاء تيار معين مع أنهم مواطنون مصريون،

وإذا ارتكب أحد منهم جريمة فيجب تنحيته ومنعه من الترشح أما من لم يرتكب فلا تمنعه من ممارسة حقه، وأنا لا أنتمي للتيار الديني ولست متعصباً، أنا فقط رجل مسلم وعلاقاتي بالأقباط والبابا شنودة ممتازة، وأنا أري أن جوهر الدين واحد وتفكيري الديني بالغ الحرية! ولكن لا أستطيع أن أقول إن كل التيار الإسلامي مجرمون وأعمل تنظيمات لكي أقصيهم فلماذا لا أستغل مثلهم؟ الإخوان المسلمين في الفترة الأخيرة غيروا خطابهم السياسي وتحدثوا عن تداول السلطة وسيادة القانون.

صحيح أنهم ارتكبوا خطيئة كبري بما حدث في جامعة الأزهر وهم يكفرون الآن عن هذا الأمر، ولكن لا يمكن أن يكون الهم الأول لدي الحزب الحاكم هو التفكير في إقصاء الإخوان المسلمين أو غيرهم، المفروض أن أفكر لمصر ولمصلحة مصر.

.. وما هو رأيك في حظر العمل السياسي والحزبي علي أساس ديني كما ورد في التعديلات الدستورية؟

ـ قلت إن الأحزاب تقوم بالإخطار ما عدا نوعان من الأحزاب، أولاً الأحزاب العسكرية، وثانياً الأحزاب التي تدعو إلي إقامة دولة دينية، كلمة الأحزاب الدينية كلمة عامة وواسعة فهناك أحزاب دينية في أوروبا مثل الحزب الاشتراكي المسيحي والحزب الديمقراطي المسيحي، والمادة الثانية من الدستور تقول إن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وإذا كانت الدولة تريد منع العمل السياسي علي أساس ديني فعليها أن تلغي المادة الثانية من الدستور، وأنا ضد الأحزاب الدينية.

.. الطريقة التي جاءت بها التعديلات الدستورية وهي كما العادة عن طريق الرئيس هل هي طريقة مناسبة للوضع الراهن الذي تعيشه مصر؟

ـ الدستور يقول ذلك، اقتراح التعديل الدستوري إما أن يأتي عن طريق رئيس الجمهورية أو عن طريق ١/٣ أعضاء مجلس الشعب، ويجب أن نكون واقعيين. فمركز الثقل في الحياة السياسية في مصر هو رئيس الجمهورية سواء أردنا أم لم نرد، فنحن دولة تدور حول فرد واحد والمؤسسات هشة، فنحن نعيش في نظام فردي منذ عام ٥٣ وحتي الآن، وهذا من مخلفات ثورة يوليو مع احترامي الشديد لها، ففي فترة عبدالناصر كان هناك مشروع قومي وفي عهد السادات كانت هناك حرب أخذ قرارها السادات.

.. وماذا عن الفترة الحالية؟

ـ الفترة التي نعيشها لا أعرف ما الذي تدور حوله ومن أجله، ففي بداية عهد الرئيس مبارك كانت البنية الأساسية هشة وضعيفة وهو استطاع أن يقيم بنية أساسية جيدة laquo;طرق ـ كباري ـ موانئ مطارات وغيرهاraquo;، وهذا عمل عظيم، ويحسب لمبارك أيضاً ما تتمتع به مصر من حرية صحافة الآن،

ولكن إذا كانت الطريقة laquo;بتاعةraquo; النظام تقول للصحفيين laquo;قولوا اللي تقولوه واحنا هنعل اللي نعملهraquo;، ولم يرد بذهن أي رئيس مصري منذ ٥٢ وحتي الآن إقامة نظام ديمقراطي، وأي نظام ديمقراطي له شواهد ومنها حرية قيام الأحزاب، وحرية الترشح لانتخابات الرئاسة، وتداول السلطة، فإبقاء السلطة في يد واحدة مدة طويلة مصيبة كبيرة، والذي يراقب حكامنا في أول عهدهم وحكامنا بعد ٢٠ أو ٣٠ سنة يدرك أنهم يتغيرون بصورة رهيبة في كل شيء في طريقة الكلام وفي السلوك فهم يتفرعنون بعد ذلك، والملتفون حولهم هم الذين يجعلون منهم فراعنة.

.. ما النتيجة التي تترتب علي ذلك؟

- حينما تسمع كل يوم من يقول لك أنت شعرك ناعم ومفيش أجمل منه لعشرات السنين، ثم يأتي من يقول لك laquo;أنت أقرعraquo; سوف تقول عنه إنه حمار، فالاستبداد أو حكم الفرد له نتيجتان حتميتان وهما الفساد والنفاق، وهذه مسألة لا تستطيع أن تنكرها فتجارب العالم علي مر التاريخ تؤكد أنه إذا وجد الاستبداد فلابد أن يظهر الفساد والنفاق،

فإذا أردت أن تقيم ديمقراطية حقيقية فلابد أن يكون هناك تداول حقيقي للسلطة، ووجود رئيس سابق ضمانة من ضمانات الديمقراطية، فأمريكا مثلا بها رئيس حالي وعدة رؤساء سابقون، فوجود رئيس سابق يسير في الشارع مثل باقي خلق الله، يجعله يفكر أنه سيمشي في الشارع مثل غيره، لكنه حينما يعرف أنه جالس في الحكم للأبد فسيفسد كل شيء حتي ولو دون إرادته، وقد يرد البعض بأن بعض الدساتير الأوروبية ومنها الدستور الفرنسي لا تحدد فترة الرئاسة،

وأنا أقول لك إنه لم يحدث في تاريخ فرنسا أن جلس رئيس في الحكم أكثر من فترتين، وعلي الرغم من أن هناك ضغوطا علي شيراك ليرشح نفسه لفترة ثالثة إلا أنه لن يفعل لأنه عاقل ولأن سنه لا تسمح بذلك، لأني أعتقد أنه جاوز السبعين لأني حينما أجريت معه مفاوضات المترو كان عام ١٩٧٤ وكان وزيرًا في ذلك الوقت .

.. ورد في التعديلات الدستورية أن رئيس الوزراء يقوم بمهام رئيس الجمهورية في حالة العجز المؤقت للرئيس، فهل يتعارض هذا النص مع الحق الدستوري للبرلمان في سحب الثقة من الحكومة، وكيف يسحب البرلمان الثقة من رئيس الوزراء وهو قائم بأعمال الرئيس؟

- هذا مانع مؤقت، كأن يكون الرئيس مريضا، أما في حالة المانع الدائم فرئيس مجلس الشعب هو الذي يتولي الرئاسة لحين إجراء الانتخابات، وأنا لا أري هذا التعارض الذي تتحدث عنه لان رئيس الوزراء سيكون في حالة المانع المؤقت للرئيس قائما بأعمال الرئاسة لفترة مؤقتة.

.. البعض رحب بإلغاء قانون الطوارئ واعتبره خطوة جيدة في حين أبدي آخرون تخوفهم من قانون الإرهاب بسبب عدم وجود تعريف دقيق لكلمة الإرهاب واعتبروه أنه قد يكون أكثر عصفًا بالحريات فما رأيك؟

- الناس خايفه لأن أي تعديل دستوري يكون دائمًا للأسوأ ولم نر أي تعديل للأفضل، ولا يجوز لكي ألغي الطوارئ أن أكمم أفواه الناس وألغي ضمانات الحرية الشخصية لكي أدخل قانون الإرهاب،

كما أن قانون العقوبات به نصوص لا أول لها ولا آخر والإرهاب مجرم بحكم القانون، إذن لماذا قانون إرهاب؟ وهل كتب علينا إما أن نعيش في ظل قانون الطوارئ أو في ظل قانون الإرهاب، لماذا لا نثق في الشعب وفي الناس، فالشعب ضد الإرهاب بطبيعته وعندنا في قانون العقوبات ما يكفي لمحاربة الإرهاب قانونيا وزيادة، ونحن لدينا نصوص قانونية تجرم الإرهاب.

.. البعض يري أن الدستور مجرد برواز، والاهتمام المبالغ بالتعديلات الدستورية أمر سلبي لان الصورة التي داخل البرواز وهي المجتمع صورة قاتمة والمجتمع ميت؟

- أنا ضد عبارة المجتمع ميت، بالعكس هو مجتمع حي، ولو أتيح له قدر من الحرية سيتصرف بطريقة أخري، ولكن الناس مش أبطال، الرجل العادي ليس بطلاً بالضرورة، ومن حقه أن يخاف علي رزقه وحياته، والطبيعي أن يتصرف هذا الرجل العادي بشيء من الحذر والخوف حينما يكون النظام باطشا وقاهرا، فالناس تسكت من الخوف والبطش وفي غياب القانون وفي ظل البطش، من الطبيعي أن تنزوي الناس،

ولكن الشعب المصري ليس ميتًا علي الإطلاق، وهناك واقعة طريفة تدل علي أن الخوف هو غريزة طبيعية مع الأنظمة الغاشمة، حينما قام خروشوف في أحد المؤتمرات بالاتحاد السوفيتي laquo;سابقًاraquo; بانتقاد ستالين وعهد ستالين، أرسل إليه أحد الحضور ورقة وقال له laquo;أنت كنت في منصب كبير أيام ستالين فلماذا لم تتحدثraquo; وحينما أرسل خروشوف بهذه الورقة قال laquo;لقد أرسل لي أحد الأشخاص ورقة تقول كذا وكذا فما اسم هذا الشخص ومن هو فلم يرد أحد، وحينئذ قال خروشوف laquo;أسكتنا الذي أسكتكraquo; أي أسكته الخوف والبطش.

.. وما علامات الحيوية الموجودة عند الشعب المصري إذا كان هناك حيوية أصلاً؟

- أنا أدلك علي علامات الحيوية، الشعب المصري في ظل دستور ٢٣ اختار الحزب الذي يدافع عنه ويقف ضد الملك، وهو حزب الوفد والشعب المصري، هو الذي أسقط رئيس حكومة وانتخب مرشح الوفد، فهو شعب ذكي وواع وفراز، ولا يستطيع أحد أن يضحك عليه، وأنا أكرر الفرد العادي ليس بطلاً، فالبطولة عملية محدودة وتنحصر في أشخاص عاديين.

.. وهل عدم تحرك الشعب خلال الـ ٢٥ سنة الماضية يعني أنه يعيش أكبر قهر في تاريخه؟

- ليس أكبر قهر ولكنه من عصور القهر المحكمة، التي تعرف ماذا تفعل، تعرف كيف تفسد الحياة السياسية وكيف توقع هذا الحزب بالحزب الآخر وكيف تفسد الاحزاب من داخلها كل هذه الأمور مدروسة ومنظمة.

.. تعديل المادة ٨٨ وجعل الإشراف القضائي مقصورًا علي اللجان العامة وتكوين لجنة عليا للإشراف علي الانتخابات هل سيحقق النزاهة للانتخابات القادمة ومن يضمن حياد هذه اللجنة؟

- يجب أن نسأل أنفسنا لماذا التغيير، وهل التغيير للأفضل أم للأسوأ، بالفعل حدثت مشاكل للقضاة في الانتخابات الماضية وبعض القضاة قالوا علي بعض القضاة كلامًا وحدث بعض الاهتزاز في الصورة، ولكن هل التعديل القائم سيكون للأفضل؟ أشك.

أما بالنسبة للجنة المشرفة علي الانتخابات، فهذه اللجنة موجودة في الهند ولكن الانتخابات في الهند تتم لحساب الهند ولحساب مؤسسة الدولة، وأنا أسأل: هل الانتخابات في مصر تتم لحساب الدولة اللي اسمها مصر أم تتم لحساب اتجاه معين وشخص معين، ولنر ما حدث في الانتخابات الماضية خاصة بعد الجولة الأولي والعالم كله يعرف ما حدث في الانتخابات، ولكننا نضحك علي أنفسنا، والحكومة تعلن أنها ضد الاشراف الدولي علي الانتخابات وكان الإشراف الدولي بدعة أوسبة مع أن العالم كله يعترف ويرحب بالاشراف الدولي والمسـألة ليست في تعديل المادة ٨٨ أو عدم تعديلها..

المسألة ماذا تريد؟ هل تريد انتخابات تعبر عن إرادة الشعب أم انتخابات تعبر عن إرادتك أنت؟ وأنا كنت من أنصار وجود هيئة عليا للاشراف علي الانتخابات وذلك من أجل إبعاد القضاء عما يحدث في الانتخابات من تجاوزات، والدكتور فتحي سرور كان جمع بعض الاساتذة لدراسة النظام الانتخابي وأنا قلت لهم ندرس نظام الهند، ولكن المسألة في الهند: يسقط رئيس الوزراء في الانتخابات وتسقط رئيسة الحكومة ويسقط وزراء لأن الانتخابات تتم لحساب دولة الهند، لحساب المؤسسة، لكن نحن هنا لايوجد عندنا مؤسسة.

.. وهل تري أن الهدف من التعديل أن النظام ضاق ذرعًا بالإشراف القضائي؟

- نعم ضاق ذرعًا بالاشراف القضائي هذا من ناحية ومن ناحية أخري ما حدث من بعض القضاة وعندك أحكام محكمة النقض التي تقول كل يوم إن الانتخابات في الدائرة كذا مزورة وفي الدائرة كذا مزورة.

.. وما رأيك في بعض الأصوات الحكومية التي تقول إن حكاية قاضٍ لكل صندوق بدعة انتخابية غير موجودة في أي دولة في العالم؟

ـ كل حاجة لا تعجبهم يقولون عنها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أي شيء لا يعجب الحكام يصبح بدعة، واللي يعجبهم يبقي من السلف الصالح بس بشرط ألا يكون من الإخوان المسلمين.

.. هناك من يري أن منصب نائب الرئيس لم يعد له قيمة بعد أن أصبح منصب الرئيس بالانتخاب الحر المباشر في حين يري آخرون أن عدم وجود نائب خطر حقيقي يهدد مصر، فما رأيك؟

- النص الحالي في رأيي لا يوجب تعيين نائب ولكن جري العرف علي أنه يكون هناك نائب رئيس أو أكثر، إذن لماذا يرفض الرئيس مبارك أن يعين نائباً ولماذا خالف العرف القائم، والرئيس ليس موجوداً في الحكم منذ عامين أو ثلاثة بل منذ ربع قرن،

إذن لماذا لم يفكر أن يأتي بنائب خاصة أنه كثير السفر؟! كما أنه تقدم في العمر ولكن يبدو أنه استقرأ الماضي ورأي أن النائب عادة هو الرئيس المحتمل، فمثلا السادات كان نائباً لعبدالناصر فجاء رئيساً وهو كان نائباً للسادات وجاء رئيساً، من الجائز أنه لا يجد من بين المصريين من يصلح نائباً للرئيس، وقد يري أنه لو اختار نائباً للرئيس فإنه سيكون الرئيس القادم وهو يريد أن يكون الناس أحراراً في اختيار الرئيس القادم.

.. ولماذا لا يتم انتخاب الرئيس ونائبه علي تذكرة انتخابية واحدة كما يحدث في كثير من دول العالم؟

- يعني هذا ممكن، وفرنسا مثلاً لا يوجد فيها نائب رئيس.

.. وماذا لو اختفي الرئيس فجأة في الوضع الحالي؟

- ستكون الأوضاع سيئة جداً، لأنه من المفترض أنه سيأتي رئيس مجلس الشعب إلي أن تجري الانتخابات، ماذا سيحدث بعد ذلك في هذا الفراغ.. الله أعلم.

.. هل تتوقع أن توافق الدولة علي حزب للإخوان؟

- بالتأكيد سترفض لأنه سيكون له قاعدة شعبية حقيقية وهم لا يريدون قوة شعبية حقيقية، وأنا أدعوهم إلي إنشاء حزب مدني ويدعون إلي تداول السلطة وهم يقولون ذلك بالفعل.

.. حتي ولو كان هذا الحزب ذا مرجعية دينية؟

- وماذا في ذلك الدستور نفسه مرجعيته دينية وذلك في المادة ٢ ولا يجوز أن نقول إنه لا مساس بالمادة الثانية، ثم نقول بعد ذلك ممنوع قيام أحزاب ذات مرجعية دينية ولكن يجب ألا ندعو لدولة دينية.

وإذا كانت الدولة لم توافق علي حزب الوسط مع أن أي عاقل كان يجب أن يوافق علي هذا الحزب، فهل ستوافق لحزب للإخوان وحرام أن يكون هناك حزب سياسي حقيقي، فالأحزاب عند الدولة يجب أن تكون مثل الأحزاب التي شاركت في انتخابات الرئاسة وكانت أضحوكة أمام العالم.

.. باعتبارك فقيهاً دستورياً كيف يتغلب الإخوان علي عقبة عدم الاعتراف بحزبهم إذا حدث ذلك؟

- المفروض أن تسألهم هم، ولكن بطول البال يقدرون أن يتغلبون علي ذلك، فالمرجعية عند النظام ليست الدستور وإنما القوة.

.. إلغاء المواد الاشتراكية في الدستور مع بقاء نسبة الـ٥٠% عمال وفلاحين، ألا يعد ذلك تناقضاً واضحاً؟

- هذا تناقض واضح، والنظام حريص علي بقاء نسبة الـ٥٠% laquo;عمال وفلاحينraquo; لأن التجارب تؤكد أن هذه النسبة تعمل علي تهجين المجلس وامتعاضه، مع أن بهم عناصر جيدة وقوية جداً مثل البدري فرغلي وأبوالعز الحريري.

وإذا لغيت النصوص الاشتراكية فلماذا تبقي علي هذه المادة، هذا يؤكد أنك تقتطع حلاوة علي مقاس فمك.

.. هل تعرف من هم القائمون علي التعديلات الدستورية؟

- والله لا أعرفهم، وأنا أقول منهم لله وهيبقي حسابهم عسير أمام ربنا وأمام تاريخ هذا البلد، وأنا كتبت مقالاً قلت لهم فيه فكروا في مصر ولا تفكروا في الأشخاص، ولكن للأسف الشديد هم يريدون أن يرضوا الحاكم ويرضوا النظام وتتحرق مصر في نظرهم، وإن شاء الله مصر لن تحترق وإنما الذي سيحترق هم في نار جهنم.

.. وما شرعيتهم؟

- هم بلا أي شرعية لأنهم موظفون يأتمرون بأمر من يأمرهم.