قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أطفال laquo;الأوركيدraquo; وأخلاق laquo;الهندباءraquo;..جرائمنا وعبقريتنا تختزن في جيناتنا

الكويت - شاهر عبيد


يحمل معظم البشر جينات تجعلهم قادرين على التحمل والمقاومة كهندباء laquo;الداندليونraquo; البرية أي قادرين على البقاء والتجذر في أي مكان تقريبا إلا أن هناك عددا قليلا من الناس يشبهون نبتة الأوركيد المعروفة بهشاشتها وتقلبها مع قدرتها على التفتح والازهار إذا ما وضعت في دفيئة مناسبة، هذا ما تطالعنا به نظرية مثيرة جديدة في علم الوراثة حيث تؤكد أن الجينات عينها التي تعطينا القدرة على التحمل هي ذاتها التي تسبب مشاكل في السلوك المدمر للذات أوالمعادي للمجتمع أيضا مشكلة بذلك أساس القدرة البشرية الهائلة على التكيف والتطور.وهكذا ففي بيئة سيئة وتربية غيرمناسبة قد يشب الأطفال الضعفاء وهم يعانون من الاكتئاب والإدمان على المخدرات أوالانتهاء في السجن.ولكن مع البيئة والأبوة الصالحتين فإن الأطفال يمكن أن يكبروا ويكونوا أكثرأفراد المجتمع ابداعا ونجاحا وأشدهم سعادة.

في عام 2004 بدأت ماريان بيكرمانز- كراننبرغ ،وهي استاذة دراسات الأسرة والطفل في جامعة ليدن، بمشروع دراسي فحملت كاميرا تلفزيونية وراحت تدور على منازل عائلات لديها أطفال ما بين 1 إلى 3 سنوات من العمر ممن يعانون من مظاهر السلوك العدواني وعدم التعاون وما يسميه علماء النفس laquo;السلوك الخارجيraquo;، حيث تراهم دائما متذمرين ويصرخون أوانهم يضربون غيرهم بكل بساطة ويرمون بالأشياء في نوبات غضبهم ولا يترددون في رفض أكثر الطلبات معقولية. وهذه ربما كانت سلوكيات عادية لدى الأطفال الصغار إلا أن الأبحاث أظهرت أن الصغار الذين يتصفون بمثل هذه المعدلات العالية من ردود الأفعال من المرجح أنهم معرضون للإصابة بأعراض الإجهاد النفسي، والفشل في الدراسة، ويتحولون الى رجال معادين لمجتمعهم، وهي عدوانية غير مألوفة جدا من البالغين الأسوياء.

في بداية عملها بهذه الدراسة قامت ماريان وزملاؤها باختبار 2.408 أطفال عن طريق استبيان موجه للوالدين وكانت تركز على نسبة 25 في المئة من الذين يعتبرهم أباؤهم الأعلى تصنيفا في ممارسة السلوك الخارجي.

وأكدت الملاحظات المختبرية هذه التصنيفات الأبوية.كان هدف ماريان تغييرسلوك الاطفال.

وفي أجرأ عملية تدخل من جانب مختبرها فقد زارت هذه الباحثة أو أحد زملائها 120 عائلة ست مرات على مدى ثمانية أشهر حيث قامت بتصويرالأم والطفل في اثناء النشاطات اليومية بما في ذلك في نشاطهما الإيجابي والمتعاون ومن ثم أعدوا فيلما في لحظات تعليمية لعرضها على الأمهات.وكانت لديها مجموعة مماثلة من الأطفال ذوي السلوك الخارجي الذين لم تتدخل في شؤونهم تلك.

ونجحت التجربة فسعد الباحثون بها وتعلمت الامهات لدى مشاهدة أشرطة الفيديو أن يلاحظن الأشياء التي غابت عنهن في السابق أو أن يستجبن بشكل مختلف تجاه علامات كان رد فعلهن عليها سلبيا على سبيل المثال كان عدد قليل جدا من الأمهات يوافقن على مضض على قراءة الكتب المصورة على مسامع أطفالهن العصبيين قائلات ان الأطفال لن يبقوا مكتوفي الأيدي لكن ماريان قالت ان الأمهات عندما شاهدن عرض الشريط مرة ثانية أدركن كم كان الأمر مدهشا للأطفال وبالنسبة لهن أيضا أكثرية الأمهات بدأن بالقراءة لأطفالهن بشكل منتظم وهو ما أدى الى ما تصفه ماريان بأنه وقت رائع جدا ومحبب.

وبعد عام من تجربة التدخل انخفض مستوى التصرفات السيئة لدى الأطفال الصغار من ذوي السلوك الخارجي بمقدار 16 في المئة في حين تحسنت أوضاع الأطفال الذين لم يتم التدخل في شؤونهم بنحو10 في المئة فقط (كما هومتوقع وذلك بسبب ما يكتسبه الطفل في ضبط النفس مع التقدم بالعمر) كذلك أصبحت استجابة الأمهات لأولادهم إيجابية أكثر وبناءة، الواقع ان هناك القليل من البرامج التي تغير سلوكات الوالدين والطفل بنجاح، لكن قياس فعالية التدخل في هذه التجربة لم يكن الهدف الوحيد او الرئيس منها لدى مختبر لايدن وفريق العمل.

فقد كان الفريق أيضا بصدد اختبار فرضية جذرية جديدة حول كيفية تشكيل الجينات للسلوك وهي فرضية مسؤولة عن مراجعة وجهة نظرنا وفهمنا ليس للمرض العقلي ولا الخلل السلوكي فقط ولكن أيضا حول تطورالبشرية.

الأهمية الخاصة ذاتها لدى الفريق هو إيجاد تفسير جديد لواحد من أهم الأفكار المؤثرة في الآونة الأخيرة في مجال البحوث النفسية ودراسة الشخصية وهي أن متغيرات سلوكية معينة من الجينات الرئيسة (وهي في معظمها إما تؤثر على نمو الدماغ أو في تجهيز الدماغ لرسائله الكيميائية) هي التي تجعل الناس أكثر عرضة لحالة نفسية معينة، أو لاضطرابات في الشخصية.هذه الفرضية التي عزز من قوتها خلال السنوات الـ15 الماضية العديد من الدراسات هي حالة تسمى غالبا نموذج laquo;الاستعداد للإجهادraquo; أو laquo;الضعف الجينيraquo; (بمعنى إمكانية التعرض) وقد حان الوقت لإشغال الطب النفسي وعلم السلوك بهذا الأمر وخلال ذلك الوقت، حدد الباحثون عدة متغيرات جينية فردية يمكن أن تزيد من القابلية للاكتئاب أو القلق أو العجز عن الانتباه أو اضطراب فرط الحركة أو التأثر بالمخاطر المتزايدة أو معاداة المجتمع أو أعراض العنف السلوكي وغيرها من المشاكل، وذلك إذا - وفقط إذا - كان الشخص الحامل لهذا الجين قد عانى من مشكلة ما في مرحلة الطفولة أو صدمة أو انه واجه محاولة اختبار لشخصيته في وقت لاحق من حياته.

هذه الفرضية في مجال الضعف البشري كما يمكننا أن نسميها غيرت بالفعل مفهومنا للكثير من المشكلات النفسية والسلوكية. فهي تجعل هذه المشكلات بمثابة نتائج ليس للطبيعة أو التربية بل لعقدة laquo;التفاعلات بين الجينات والبيئيةraquo;.

الحقيقة ان جيناتك ليست هي التي تقودك بالضرورة الى هذه الاضطرابات ولكن إذا كان لديك نسخا laquo; رديئةraquo; من جينات معينة وكانت ظروفك سيئة في الحياة فأنت أكثر عرضة لها بالتأكيد.

في الآونة الأخيرة ظهرت فرضية بديلة من هذا الفهم لتقلبه رأسا على عقب هذه القرضية الجديدة تشير إلى أن من الخطأ أن نفهم هذه الجينات ذات المخاطر على انها معنية ومسؤولة بالدرجة الأولى.صحيح ان هذا التفكيرالجديد يذهب الى ان الجينات السيئة يمكن ان تخلق اختلالا وظيفيا في ظروف مناسبة ولكنها يمكن أيضا أن تعزز الوظيفة في سياقات مواتية أخرى.ان الحساسيات الوراثية للتجربة السلبية التي حددتها فرضية الهشاشة يتضح في النتيجة انها ليست سوى الجانب السلبي لظاهرة أكبر منها وهي الحساسية الجينية الكبيرة تجاه كل التجارب الأخرى.

والدليل على هذا الرأي آخذ في التعاظم.وفي واقع الأمر، أكثره كان موجودا منذ سنوات ولكن التركيز على الاختلال الوظيفي في مجال علم الوراثة السلوكية أدى الى تغاضي معظم الباحثين عنه وهذه الرؤية المظلمة من السهل ان تفسر حسب جاي بلسكي، وهو عالم في مجال تطور سلوك الطفل بجامعة لندن.وهو قال لي مؤخرا؟ ان أكثرية العمل في مجال علم الوراثة السلوكية تم على أكتاف باحثين في الطب النفسي الذين يركزون على حالة الضعف في الشخصيةraquo;.

وأضاف انهم لا يرون الجانب العلوي لأنهم لايبحثون عنه الأمر ببساطة كمن يسقط ورقة من فئة الدولار تحت طاولة فهو يبحث عنها تحت الطاولة ويلتقطها، ولكنه يتجاهل ورقة الخمسة دولارات التي بين قدميك.

على الرغم من ان هذه الفرضية ليست جديدة في الطب النفسي البيولوجية الحديث لكن يمكن العثور عليها في الأدب الشعبي كما أشارت عالمة النفس التطويري بروس إليس في جامعة أريزونا وجورج توماس بويس من جامعة كولومبيا البريطانية لتطوير طب الأطفال في العام الماضي، وذلك في مجلة اتجاهات راهنة في علم النفس.كذلك أشار السويديان إليس وبويس في مقال لهما بعنوان laquo; حساسية التنوع للسياق حيث تحدثا عن الأطفال laquo;الهندباءraquo;(الأقوياء) الذين يمثلون لدينا ما هو طبيعي أو laquo;صحيraquo; ولديهم جينات مرنة وتناسب أي مكان تقريبا.

وأشارا الى أن هناك أيضا الأطفال laquo;الأوركيدraquo; وهم الذين يذبلون إذا أهملوا أو أسيئت معاملتهم ولكنهم ينتعشون في أجواء ملائمة في حال توفرت لهم فيها الرعاية.

للوهلة الأولى هذه الفكرة التي سأسميها فرضية الأوركيد هنا قد تبدو تعديلا بسيطا على فرضية الهشاشة أو الضعف، وهي لاتضيف سوى أن البيئة والتجربة يمكن أن توجه الشخص للأعلى بدلا من أسفل.

ومع ذلك فإنها في الواقع طريقة جديدة تماما في التفكير حول الجينات والسلوك البشري.الخطرهنا يصبح احتمالا، أو الضعف يصبح مرونة واستجابة وبذلك فهي واحدة من هذه الأفكار البسيطة ذات المضامين الكبيرة والواسعة المتغيرات الجينية عموما التي كانت تعتبر مصائب (فيقال: مسكين جيم إن لديه جينات سيئة) أصبحت تفهم الآن بدلا من ذلك على أنها رهانات تطورية عالية مع وجود المخاطر العالية والاحتمالات المشجعة العوائد: وذلك أشبه برهانات تساعد على توفير فرصة متنوعة للبقاء، تبعا لما يختاره الآباء والأمهات للاستثمار في أطفالهم.

في إطار هذا الفهم يمكن لوجود كلا النوعين من الأطفال (الأقوياء أو الضعفاء) تكوين عائلة ناجحة (وكذلك بالنسبة للحيوانات) في أي وقت وأي مكان.ان التنوع السلوكي الذي يوفره هذان النمطان المختلفان من المزاج يقدم لنا بالضبط ما يحتاجه أحد الأنواع الذكية والقوية حين تريد أن تتكاثر وتهيمن في بيئة معينة. إن تعدد الأفراد الأقوياء في مجتمع معين يوفر استقرارا ثابتا.في الوقت ذاته، فإن الاضطراب بين الضعفاء قد يوجد في بعض البيئات ولكنهم سيجدونها بيئات مناسبة لنموهم. وحتى حين يعيش هؤلاء الضعفاء حياة مضطربة في بداية حياتهم فإن بعض الاستجابات الرفيعة تجاه الأضداد لهم يمكن ان تكون إشكالية في كل مكان- وهو ما يتمظهر بشكل سعي الى الابتكار، وعدم استقرارالتركيز ونمو الإحساس بالخطر أوالعدوانية- فإن هذا قد يثبت انه مفيد في بعض الأحوال الصعبة وأمام التحديات كالحرب والصراع الاجتماعي بمختلف أشكاله. ويكون الأفراد الأقوياء الى جانب الضعفاء المتأرجحين شكلا مرنا من التكيف الذي لا يمكن لأي طرف منهما خلقه بمفرده ولكنهما معا يخلقان طريقا لتحقيق إنجازات فردية وجماعية.

وفرضية الأوركيد هذه تجيب على تساؤل تطوري أساسي لايمكن لنظرية الضعفاء أن تقدمها.والتساؤل هو إذا كانت تفرعات وراثية معينة خلقت خللا وظيفيا ومشكلة فكيف أمكن للضعفاء البقاء حسب نظرية الاصطفاء الطبيعي؟ إن الجينات سيئة التكيف كان يجب ان تعزل.ومع هذا فإن نحو ربع الكائنات الحية لديهم تفرعات جينية هي الأفضل توثيقا للاكتئاب في حين يملك خمسهم التفرع الجيني الذي درسته بيكرمانس كراننبرغ وهوالجين المرتبط بالسلوكات الخارجة واللااجتماعية والعنيفة، بالإضافة الى عرض ضعف الانتباه المفرط laquo;ADHDraquo; والقلق والاكتئاب ولا تستطيع نظرية الهشاشة تفسير ذلك بينما يمكن لنظرية الأوركيد تفسيرها وهذا مفهوم تحويلي بل مذهل يتعلق بالضعف والقوة لدى البشر.

ومنذ أكثرمن عشر سنوات قال المؤيدون لنظرية الهشاشة ان هناك تفرعات جينية معينة مسؤولة عن بعض أبشع مشكلات البشرية: كاليأس الاغتراب والقسوة بشكليها البسيط والعنيف. وتتقبل نظرية الأوركيد هذا الفهم لكنها تضيف إليه ان تلك الجينات المربكة ذاتها تلعب دورا محوريا في نجاح الأنواع الحية نجاحا مذهلا.

نظرية الأوركيد وتسمى أحيانا نظرية المطاوعة أو نظرية الحساسية أيضا أو فرضية القابلية التفاضلية حديثة جدا ولايمكن اختبارها بشكل مطلق.والكثير من الباحثين، ومن بينهم الذين يعملون في مجال علم السلوك لايعرفون سوى القليل عنها.

والحال، فإن العديدين يبدون قلقهم من تطبيق جينات معينة على سلوكات محددة، لكن تزايد الشواهد الداعمة لها يدفع الباحثين والأطباء خاصة الى إبداء الأمل والاستبشار بها خيرا، لهذا فإن عددا متزايدا من علماء المجتمع وعلماء النفس وخبراء تطور الطفل وعلماء الجينات وغيرهم أخذوا يعتقدون فيما عبرت عنه كارلين ليونز روث، عالمة نفس تطور الطفل بمدرسة هارفرد الطبية، حين قالت : لقد آن الآوان للنظر بجدية في هذه الفرضية.

بدأ فريق جامعة ليدن في اختبار هذه النظرية بعد الحصول على معلومات وافية تقريبا وتساءلوا: هل ان الأطفال الأكثر معاناة من بيئات رديئة يمكنهم ان يستفيدوا جدا من بيئات جيدة؟ وللتوصل الى إجابة ما عملت بيكرمانس وزميلها في الكلية، فان اغزندورن في بدراسة التكوين الجيني للأطفال الذين شملتهم الدراسة.

وركزا بخاصة على تفرع جيني أو أحد أشكال سلسلة جينية تسمى laquo;جينة التهديدraquo; وهي مرتبطة بعرض نقص الانتباه المفرط والسلوك الخارج.

لقد أراد هذان الباحثان أن يتأكدا ما إذا كان الأطفال الحاملين لموروثات التهديد الحساسة لعرض نقص فرط النشاط والسلوكات الخارجة (وهي متفرعة من جينة إنتاج الدوبامين المعروفة باسم DRD4) يمكن أن تستجيب بنفس القدر للبيئات الإيجابية والسلبية على السواء.

وكان الطفل الثالث من كل ثلاثة في مجموعة الدراسة لديه هذه الجينة، بينما الطفلان الآخران لديهما نسخة من الجينات التي تعتبر laquo;جينة حاميةraquo; أي أنها تجعل الطفلين أقل تعرضا للبيئات السيئة، أما أفراد المجموعة غير المدروسة (وسموها مجموعة السيطرة) فكان لديهم التوزع ذاته.

في الواقع إن كلا من نظرية الهشاشة وفرضية الأوركيد تقولان ان الأطفال الحاملين لجينات مهددة لابد أن يكون أداؤهم أسوأ من أداء أطفال حاملين لموروثات السيطرة.

وبالفعل هذا ما حدث وان بشكل بسيط، فقد انخفضت معدلات مظاهر السلوك الخارج لدى الأطفال laquo;المحميينraquo; وراثيا بنسية 11 في المئة على مدى 18 شهرا بينما انخفضت لدى حاملي جينة التهديد بمقدار 7 في المئة فقط. وكانت النتائج في كلا الحالين متواضعة ماجعل الباحثين يتوقعان أنها ستتحسن مع التقدم بالعمر. ولكن رغم ان الفارق بين المجموعتين كبير إحصائيا لكنه كان غير ملحوظ بطريقة أخرى ربما.

ولا شك في أن التجربة الحقيقية وقعت بين الأطفال الخاضعين للتدخل (خلال التجربة). وكان السؤال هو: كيف سيكون رد فعل الأطفال الحاملين للمورثة المهددة؟ وفقا لنظرية الهشاشة من الضروري انهم سيتحسنون بأقل من الآخرين حاملي جينة التهديد.

والتقدم الذي حدث نتيجة التدخل باستخدام الكاميرا في بيئتهم لا يؤثر على هشاشتهم العامة.وكما اتضح فقد تحسن حاملو الجينة المهددة حيث تراجعت معدلات سلوكهم الخارج بنسبة 27 في المئة في حين تراجعت لدى الأطفال المحميين من جينة التهديد بنسبة 12 في المئة فقط (إذ تحسن وضعهم قليلا عند النسبة 11في المئة بسبب الموروثات المتفرعة في مجموعة السيطرة).وبعبارة أخرى كان التأثير العلوي في التجربة أكبر بكثير من التأثير السفلي في مجموعة السيطرة. واستنتج الباحثون بفريق ليدن من ذلك ان الموروثات المهددة يمكنها فعلا ليس إحداث تهديد، بل وتسمح به أيضا.

السؤال هو هل يمكن إعادة إمكانية الاحتمال كما شاهدا؟ طبيب الأطفال دبليو توماس بويس الذي عمل باحثا في مجال نمو الأطفال المضطربين على مدى ثلاثة عقود زمنية قال إن فرضية الأوركيد تعيد بعمق صياغة طريقة تفكيرنا حول نقاط ضعف الإنسان.وهو يضيف اننا نلاحظ ان الأطفال الذين يعانون أوضاعا هشة عند وضعهم في بيئة مناسبة فإنهم يعملون بصورة أفضل من السابق، بل يحققون نتائج ممتازة وربما تفوق نتائج أقرانهم المحميين من الجينات المهددة. وتساءل بويس:هل هناك حقا نقاط ضعف ثابتة وتخلو من هذا الجانب التعويضي الآخر؟

قمت شخصيا بالبحث في هذا الأمر وطرحت على نفسي أسئلة عديدة من ضمنها مدى علاقة ذلك بمزاجي الشخصي وتركيبتي الوراثية. وفي العديد من المرات خلال السنوات الماضية قمت بمقايسة موروثاتي الخاصة- وتحديدا الجينة الناقلة للسيراتونين وهي تدعى أيضا موروثة Sert، أوHTTLPR. وهذه الموروثة تساعد على تنظيم تصنيع السيراتونين وهي مادة كيميائية مهمة للحالة النفسية وغيرها من المورثات. وتبين لي ان النسختين الأقصر والأقل فعالية من أشكال هذه المورثة الثلاثة- وتعرفان بالاسم الجينة القصيرة.. القصيرة.. والجينة القصيرة الطويلة (S/S amp; S/L ) تضخمان جدا من خطر إصابتك بالاكتئاب الحاد في حال مواجهتك لأية مشاكل. أما النسخة الجينية الثالثة وهي الطويلة.. الطويلة فهي جينة موفرة للحماية.

في نهاية الأمر تراجعت عن مقايسة جينة السيراتونين لدي إذ من الذي يتمنى ان يعرف مخاطر التعرض للاكتئاب؟ ونظرا لما لدي من أطفال وتاريخ شخصي اعتقدت أنني أحمل الموروثة القصيرة - الطويلة وهي التي تجعلني معرضا لاكتئاب خفيف على أقل تقدير وإذا سمحت بقياسها فلربما أحصل على أخبار مشجعة بأنني أحمل المورثة الطويلة - الطويلة.ولكن هذا ما لم أتمكن من التأكد منه.

إلا أنني حين تأملت في فرضية الأوركيد وبدأت أفكر في إطار المرونة وليس الخطورة قررت أنه كان علي ان اكتشف بواطن الأمور لهذا اتصلت بباحث أعرفه في نيويورك يجري تجارب بحثية على الاكتئاب ومن ذلك المورثة الناقلة للسيراتونين. وفي اليوم التالي تركت لي شركة laquo;فيديكسraquo; طردا بريديا على شرفة منزلي الأمامية يحتوي على فنجان لأخذ العينات.بصقت في الفنجان وفحصت ذاك البصاق ثم كررت العملية. وبعد هذا أغلقت العينة جيدا وأعدتها الى الشرفة حيث حملها مندوب الشركة وعاد بها.

في الواقع إن أفضل النتائج المتعلقة بفرضية الأوركيد ربما كانت هي التي حصل عليها ستيفن سومي وهو باحث في مجال ريسوس قرود المكاكي في ريف ميريلاند بالمعهد القومي لمختبرات الصحة المقارنة. وعلى مدى 41 عاما بدأها بجامعة وسكنسن ثم بمختبر ميريلاند بعد 1983 كان سومي يعمل في هذا المعهد الذي بني خصيصا لأبحاثه. هناك أخذ يدرس جذور الحالة النفسية والسلوك في laquo;ريسوس المكاكيraquo; وهي قردة تتشارك مع البشر بنحو 95 في المئة من الـlaquo;DNAraquo; وهي نسبة لا يفوقها سوى ما لدى قرود laquo;aperaquo; فقط. ووجد سومي ان laquo;ريسوس المكاكيraquo; مختلف عن البشر بطرق جلية وأساسية. لكن شبهها الكبير بالإنسان فيما يتعلق بالعلاقة الاجتماعية والجينية المهمة يكشف النقاب عن الكثير من جذور السلوك الآدمي كما أنه ساعد على تطوير فرضية الأوركيد.

تعلم سومي عمله هذا كطالب وشاب تحت وصاية هاري هارلو قبل ان يخلفه. وكان هارلو أحدى أبرز شخصيات القرن العشرين في مجال البحث السلوكي. وعندما بدأ عمله في الثلاثينيات الماضية كان يطغى على دراسة نمو الطفل نهج ميكانيكي صارم في علم السلوك. وكان زعيم هذه الحركة في الولايات المتحدة جون واطسن يعتبر ان الحب الأمومي laquo;أداة خطيرةraquo; على الأطفال وكان ينصح الأمهات بأن يتركن أطفالهن يبكون لوحدهم وألا يحملنهم من أجل مدهم بالسعادة أو الراحة ويحثهن على ألا يقبلن أطفالهن إلا لماما وعلى الجبين فقط لكن الأمهات لم يتقيدن بتلك النصائح.

بدأ هارلو أبحاثه في علم السلوك بسلسلة من التجارب العادية ولكن القاسية أحيانا على القردة. وكانت أهم تجربة قام بها هي التي أظهر خلالها ان صغار laquo;المكاكيraquo;، التي تربت وحيدة أو مع أقرانها من ذات العمر تفضل وجود أم لا طعام لديها ولكنها تمثل بديلا غامضا يكسوه وبر على أم تقدم لها الوجبات بشكل سهل. وقد بين ان هذه الكائنات الصغيرة تريد أن تتعلق بشيء ما وأن حرمانها من هذا الارتباط فيزيولوجيا وعاطفيا واجتماعيا قد يخلق لديها اختلالا وظيفيا كبير. وفي عقد الخمسينيات الماضي شكل هذا البحث شاهدا للنظرية التي سترى النور حول ارتباط الطفل: وهي نظرية ماتزال تطغى من خلال تأكيدها على العلاقات الغنية والحميمية بين الصغير وأمه الى جانب التجارب السعيدة في الطفولة على نظرية النمو عند الطفل الحالية.

ومنذ ان تولى سومي وهو في سن 28 عاما هذا العمل البحثي في المختبر بدلا من هارلو قام بجهود كبيرة للتوسع بالبحث وتعميق الأسئلة التي افترضها هارلو. واليوم أصبح يتوافر الكثير من الأدوات التي تعين سومي ليس في فحص أمزجة قروده فقط بل وفحص المحددات الفيزيولوجية والوراثية في سلوكاتها. والمختبر الذي يعمل فيه يتيح له إمكانية التركيز على التفاعل الحاصل بين الطفل وأمه كما تتيح ذلك في البيئات الاجتماعية والعائلية التي تشكل سلوك القرود واستجاباتها. ويقول سومي ان الحياة في مستعمرة يقطنها قردة laquo;المكاكيraquo; معقدة للغاية. وعلى القرود أن تتعلم التعرف على النظام الاجتماعي المتميز بالدقة ونظام الأبوي. والتي تبدي قدرة على القيام بهذا تفعل خيرا، أما التي تفشل بذلك فإنها فاشلة.

قردة laquo;المكاكيraquo; تصل مرحلة النضج في غضون أربع الى خمس سنوات وتعيش في البراري حوالي عشرين سنة. وحياتها تشبه ظروف حياتنا الى حد بعيد. ويماثل الصغير منها بعمر4 سنوات شابا مراهقا في السادسة عشرة. وأنثى laquo;المكاكيraquo; تلد كل سنة اعتبارا من سن الرابعة وعلى الرغم من التزاوج طوال السنة فإن فترة خصوبة الأنثى لا تتجاوز الشهرين. ونظرا لكونها تعيش في جماعات فإن مجموعة الإناث في القطيع تضع عادة عددا من الصغار المتقاربين بالعمر.

في الشهر الأول يبقى الصغير متعلقا بأمه ولا يبتعد عنها وبعد هذا بأسبوعين تقريبا يبدأ الصغير بالتعرف على بيئته المحيطة بأمه مباشرة ثم أبعد فأبعد. وبعد هذا يتطور الابتعاد عن الأم تدريجيا في مداه ومدته الزمنية خلال الشهور الستة أو السبعة الأولى دون ان يتجرأ الصغير على الابتعاد عن الأم أكثر مما يمكنها أن تراه وتسمعه. وإذا شعر الصغير بأنه مهدد فإنه يبادر فورا بالعودة الى الأم، فتدرك هي أن وليدها في خطر محدق به فتقربه منها تماما.

حين يصبح صغير laquo;المكاكيraquo; في سن ثمانية أشهر يكون هذا هو أوان تزاوج أمه. وهذا يلهيها عنه فتسمح له باللعب مع أقرانه أكثر ومع زوار عرضيين في المكان من أماكن أخرى. وهذه جميعها توفر للصغير الحماية وقت الضرورة.

وتبقى الأنثى عادة بعد بلوغها سن النضوج مع هذه المجموعة طوال العمر. أما الذكر فيغادر المكان وذلك في أغلب الأحيان نتيجة ضغوط يتلقاها من الإناث حين يصبح قويا، أي حين يكون عمره ما بين 4-5 سنوات بما يوازي عمر16- 20 سنة لدى الإنسان. في بداية خروجه يلتحق الذكر عادة بمجموعة من الذكور التي تعيش بمفردها. وبعد سنة أو نحوها يترك هذه المجموعة ويبدأ بشق طريقه داخل أسرة جديدة أو مجموعة جديدة. وإذا نجح في الاندماج بالبيئة الجديدة فإنه سيصبح أحد أفراد المجموعة وجاهزا ليكون أبا ورفيقا ومدافعا عن الإناث هناك ولكن نصف عدد الذكور لا أكثر عادة يصل الى هذه المرحلة. وهي في الواقع تتعرض بسبب حياة التشرد التي يحيوها الى الكثير من الاعتداءات من مجموعات أخرى وأفراد آخرين إذا ما حاول الذكر الخارج أن يتعدى حدوده، وقد يتحول الى فريسة سهلة إذا فقد حماية المجموعة التي تحميه. إن حياة التنقل متعبة بل ومهلكة للذكور الصغار.

ما فعله سومي هو أنه حدد نموذجين من هذه القردة كانت قد واجهت مشاكل حقيقية في حياتها تلك أحد النموذجين يصفه سومي بـlaquo;المكاكي المكتئبraquo; أو laquo;العصابيraquo; وعددها يشكل نسبة 20 بالمئة في كل جيل وهذه القرود تتريث عادة في أيام الصغر قبل مفارقة الأمهات وهي تكون يقظة في مرحلة النضوج وتفضل الانعزال وتبدو قلقة. وهي تقيم روابط وتحالفات قليلة جدا بخلاف غيرها من القردة. المجموعة الثانية من هذه الذكور عادة هي التي يدعوها سومي باسم laquo;الأقوياءraquo; فهي قردة شرسة وعدوانية إجمالا وهي تشكل ما بين 5- 10 في المئة في كل جيل. ويقول الباحث سومي ان قرود laquo;المكاكيraquo; عدوانية عموما حتى في صغرها.وهي تمارس ألعابا خشنة. ولا أحد من أفراد الجماعة يصاب بأذى يذكر إلا بسبب هذه الفئة القاسية. وهي تقوم بأشياء غبية لا يعرفها القردة الآخرون. وهي تتحدى مرة بعد أخرى سلطة القردة الأقوى كما أنها تحشر نفسها بين الأم وصغارها ولا تحسن تنظيم عدوانيتها أوتفهم الأشياء التي يجب تقديمها. والنزاعات بينها لا تني تنشب دوما كذلك فإن هذه الطائفة من الذكور القوية فاشلة في الاختبارات التي تجرى لمعرفة مدى قدرة القرود على الانضباط الذاتي. وعلى سبيل المثال في اختبار سماه سومي laquo;ساعة كوكتيلraquo; ويستخدمه من حين الى آخر، تتمادى هذه الذكور في تناول مشروب كحولي لمدة ساعة كاملة وأكثرية القردة تناولت المشروبات الكحولية ما بين ثلاث الى أربع مرات ثم تتوقف أما الذكور القوية كما يقول سومي فإنها تواصل الشرب حتى تسقط أرضا.

أفراد laquo;المكاكيraquo; المدمنة على المخدرات والقوية تواجه مصائر مختلفة. فالمدمنة تنضج في وقت متأخر لكنها تعيش حياة جيدة. والإناث منها تصبح أمات متقلبات المزاج لكن لا أحد يعلم كيف سيغدو صغارها الإناث لأن هذا يتوقف على البيئة التي تتربى فيها فإن عاشت الصغيرات في بيئة آمنة فإنها ستكبر بشكل طبيعي وإلا فإنها ستصبح متقلبات كأمهاتها أما الذكور فتمكث مدة أطول بالقرب من الأسرة قد تصل الى ثماني سنوات. وهو يسمح لها بهذا لأنها لا تحدث أعمال شغب. وهذه المدة الطويلة تتيح للذكور التعرف بشكل أفضل على العادات والأعراف الاجتماعية والدبلوماسية، لذلك فإنها حين تترك الجماعة تكون أكثر نجاحا في البيئات الجديدة من الأفراد التي غادرت في سن أصغر وهذه لا تتزاوج وتنجب بكثرة كما يفعل الأفراد الأكثر منها ثقة بالنفس. ولا تبرز أيضا في وسطها الجديد كما ان وضعها هذا يجعلها معرضة للخطر أثناء التقاتل. ولكنها أقل ميلا للمعارضة وبالتالي تعيش بشكل روتيني.

المشكلة التي يواجهها الأفراد الأقوياء أكبر من ذلك فهي سواء في صغرها أم حين تكبر قلما تكون علاقات حميمة وريثما تصل الى عمر السنتين أو الثلاث سنوات فإن الإناث في الجماعة تطردها بعيدا بالقوة العددية إذا اقتضى الأمر. وبعد ذلك يلفظها الذكور الآخرى كما في المستعمرات الأخرى ولهذا فإن أكثريتها تموت نتيجة الشعور بالعزلة قبل أن تبلغ سن النضج وقليل منها يتزاوج.

ولقد أدرك سومي في وقت مبكر ان كلا من هذه الأنماط من قرود laquo;المكاكيraquo; هو سليل نمط معين من الأمهات. فذكور laquo;المكاكيraquo; القوية هي نتاج أمات قاسيات وميالة للنقد الجارح وهي أمات تمنع صغارها من الاختلاط. والقردة القلقة هي نتاج أمات قلقة ومنعزلة وشاردة الفكر، كما بدا بوضوح بالغ. والسؤال هنا هو إلى أي حد تؤثر الجينات في هذه الأنماط الفردية والى أي حد هي مستمدة من أسلوب تربية laquo;المكاكيraquo;؟

للإجابة عن هذا السؤال عمد سومي الى التمييز بين هذه المتغيرات فقد أخذ الصغار العصبية التي ولدت لأمات عصبيات -أي الصغار التي كانت تتصف بأنها متقلبة المزاج بمعايير الطفولة- وأعطاها الى أمات عرفت بحسن التربية. وتبين له ان هذه الصغار كبرت وهي أقرب الى الأفراد الطبيعية وفي الوقت ذاته فعل باحث يدعى داريو مايستر بيري بجامعة شيكاغو عكس هذا فوضع الأفراد المسالمة والناجحة في عهدة أمات سيئات الخلق. وكانت النتيجة أن القردة هنا كبرت كأفراد عصبية. وبذلك ثبت بالدليل القاطع ان الجينات تلعب دورا مهما لكنه ليس أهم من دور البيئة إنما يضاهيه.

مع توفر أدوات دراسة الجينات لأول مرة في أواخر التسعينيات بادر سومي إلى استخدامها لكي يدرس مباشرة تأثير التوازن بين الجينات والبيئة على نمو laquo;المكاكيraquo; وقد أفاد كثيرا في العام 1997 حين بدأ العمل في مشروع مع كلاوس بيتر ليش، عالم النفس في جامعة فورسبرغ. وكان ليش في السنة التي سبقتها نشر معلومات أعلن فيها لأول مرة ان المورثة الناقلة للسيراتونين تحتوي على ثلاثة أشكال من المتغيرات laquo;قصيرة.. قصيرة، قصيرة طويلة، طويلة.. طويلة كما ذكرنا سابقاraquo; وان المورثتين القصيرتين تزيدان من مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق وسواها من مشكلات. وحين طلب من ليش تصنيف قردة سومي جينيا لم يتردد بذلك. وتبين له ان تلك الكائنات لديها ثلاثة متغيرات، ولكنه وجد ان النوع ذا المتغير قصيرة.. قصيرة هو نوع نادر.

شرع سومي وليش مع زميل لهما من المعهد الصحي الدولي يدعى جي دي هيغلي بتحديد نمط من الدراسات التي أصبحت تعرف الآن باسم

laquo;gene-by-environmentraquo; في بداية التجربة أخذوا سائلا من نقي العظام من 132 من laquo;المكاكيraquo; وأخضعوها للتحليل للعثور على أيضات laquo;metabolitesraquo; السيراتونين التي تدعى laquo;5-HIAAKraquo; والتي تعتبر مؤشرا موثوقا يدل على كمية السيراتونين التي ينتجها الجهاز العصبي. وقد بينت دراسات ليش ان الانواع المكتئبة من أصحاب الجينات القصيرة- الطويلة للمورثة الناقلة للسيراتونين لديه مستويات متدنية من الأيضات laquo;5-HIAAKraquo; وهو ما يعكس ضعفا في تصنيع السيراتونين وأراد هو وسومي التأكد من أن هذه النتائج صحيحة بالنسبة للمكاكي. فإذا كانت صحيحة فإن ذلك سيوفر بيانات اقوى تدعم النتائج التي توصل إليها ليش في أبحاثه كما ان ذلك من شأنه أن يؤكد قيمة تلك المورثات كنماذج وراثية وسلوكية لتطبيقها على دراسة السلوك البشري.

بعد أن فرغ الباحثون الثلاثة من تصنيف مستويات الـlaquo;5-HIAAKraquo; لدى laquo;المكاكيraquo; في مجموعات حسب أنماطها الجينية (قصيرة طويلة أو طويلة طويلة لكن ليس قصيرة.. قصيرة لأن هذه نادرة الاستخدام) شرعا في ترتيب النتائج وفقا لكون صغار laquo;المكاكيraquo; قد نشأت في كنف أماتها أم كيتامى بين عدد من الأقران وحين قامت زميلتهم أليسون بينيت برسم خريطة بيانية تظهر النتائج على صحيفة تظهر مستويات الأيضات المذكورة تبين لهم ان جميع صغار المكاكي التي تربت مع أماتها بصرف النظر عن طبيعة الجينات التي تحملها لديها معدل طبيعي من إنتاج السيراتونين. وكانت مستويات الأيضات لدى laquo;المكاكيraquo; التي تربت مع أقرانها متفاوتة جدا في أنماطها الجينية. فالقرود ذات النمط الجيني قصيرة.. قصيرة في تلك المجموعة أنتجت السيراتونين بكفاءة متدنية جدا (وهو عامل خطورة للتسبب بالاكتئاب والقلق) في حين ان القردة من النمط الوراثي طويلة.. طويلة انتجت السيراتونين بقوة وما ان رأى سومي هذه النتائج حتى أدرك انه أخيرا أصبح يمتلك بينة على التفاعل السلوكي بين المورثات والبيئة لدى القردة.

نشر سومي وليش نتائج تجاربهما في العام 2002 بمجلة الطب النفسي الجزيئي، وهي مجلة علمية جديدة تعنى بعلم السلوك الوراثي. وشكلت هذه الورقة البحثية جزءا من فيض من الدراسات المتعلقة بالجينات والبيئة حول المزاج واضطرابات السلوك. وفي تلك السنة ذاتها كان في كلية كنغز بلندن عالما نفس هما أفشالوم كاسبي وتيري موفيتي اللذان نشرا أول دراستين مطولتين لابد أنهما ذات أهمية خاصة. الدراسة الأولى منهما نشرت في مجلة laquo;ساينسraquo; حيث بينت ان إحدى أشكال السلسلة الجينية القصيرة التابعة للجينة المولدة للناقل العصبي (المعروف باسم مورثةMAOA) هي التي تزيد بقوة من فرصة ظهور السلوك المعادي للمجتمع لدى الكبار من بني البشر الذين عانوا من سوء المعاملة في طفولتهم. أما الدراسة الثانية في عام 2003 ونشرت في مجلة laquo;ساينسraquo; أيضا فأظهرت ان الناس الذين لديهم جينات ناقلة للسيراتونين من النمط قصيرة - قصيرة أو قصيرة - طويلة، وفي حال تعرضوا للإجهاد فإنهم معرضون للاكتئاب غير العادي.

هاتان الدراستان وغيرهما العشرات وجهت انتقادات لتوطيد فرضية الهشاشة خلال السنوات القليلة الماضية. ولكن رغم ذلك فإن العديد منها يتضمن أيضا معلومات تدعم نظرية الأوركيد ولكنها مرت مرور الكرام أو لم ينتبه لها أحد حين وضعت. وعلى سبيل المثال فإن دراستي كاسبي وموفيتي المنشورتين في مجلة laquo;ساينسraquo; تتضمنان معلومات أولية وربما تبينان أنه بالنسبة للأفراد من البشر الذين لم يتعرضوا للإجهاد الشديد أو المتكرر فإن أشكال المورثات المدروسة رفعت من القدرة على مقاومة الاعتداء أو الاكتئاب. كذلك فإن المعطيات التي تضمنتها ورقة سومي وليش حول الطب النفسي الجزيئي، وهي التي أظهرت ان قردة laquo;المكاكيraquo; التي ترعرعت مع أقران تحمل مورثة ناقلة السيراتونين الخطرة يبدو انها ضعيفة في إنتاج السيروتونين كما بينت ان laquo;المكاكيraquo; التي تربت مع أماتها ولديها هذه المورثة ذاتها كانت تنتج السيراتونين بقوة أكبر وبنسبة 10 في المئة أكثر من المكاكي التي تربت في كنف أمات وتحمل جينات حامية.

عن/ مجلة أتلانتك