حياة الحويك عطية
فجأة ارتدت الولايات المتحدة مسوح الرهبان وغطت رأسها بمنديل من العناوين الجميلة: تعزيز حقوق الإنسان، رفض اللجوء إلى التعذيب أداة لتحقيق أمن البلاد، معالجة التغيير المناخي، مواجهة أخطار ldquo;التقنيات المدمرةrdquo; والتهديدات التي تشكلها شبكة الإنترنت وشبكات الجريمة الدولية، الضارة أو الاستعمال الضار للتقنيات الحديثة، مكافحة الأوبئة، نبذ مبدأ ldquo;الحرب الاستباقيةrdquo; الذي استند إليه المحافظون الجدد في كل حروبهم، التخلي عن مصطلح ldquo;الحرب على الإرهابrdquo;، والتركيز على أن واشنطن ldquo;ليست في حالة حرب عالمية على الإرهاب أو على ldquo;الإسلامrdquo;، بل هي في حرب على شبكة محددة هي تنظيم القاعدة وrdquo;الإرهابيونrdquo; المرتبطون به فقط، وعليه تدعو إلى تعزيز الشراكة مع المسلمين، وتأكيد الالتزام الثابت بتحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط والانسحاب من العراق . الحرص على المؤسسات الدولية والعمل الجماعي الدولي، توسيع دائرة تحالفاتها والتشاور والتنسيق مع هؤلاء الحلفاء إن أرادت استخدام القوة العسكرية، الابتعاد عما يسميه منتقدو بوش ldquo;دبلوماسية رعاة البقرrdquo;، واعتبار أن النجاح يكمن في مواجهة ldquo;العالم كما هوrdquo; .
قائمة مبادئ أخلاقية وسياسية يمكن تلخيصها بثلاث:
القضايا البيئية والعلمية والأخلاقية التي تمس الحياة الإنسانية .
العلاقات الدولية بشقيها: المؤسسات الدولية ودول العالم الحليفة .
العلاقات مع العالمين الإسلامي والعربي وفي مقابل هذه الثلاثية تطرح الوثيقة ثنائية السياسة الداخلية الأمريكية: الأمن والاقتصاد بما تعبر عنه الوثيقة ب: مكافحة الإرهاب الداخلي .
تجديد أساس القوة الأمريكية: التنمية والقوة الاقتصادية والنمو الاقتصادي المتوازن والمستدام .
واذا كان الأساس في أية ستراتيجية من هذا النوع هو ما تحدده من هدف لمرحلتها، بخصوص دولتها، حيث لا تكون السياسة الخارجية إلا خادمة لمصالح البلد وبالتالي لأهدافه الداخلية، فإن مقارنة بسيطة بين مقتضيات الأمن والاقتصاد في الولايات المتحدة، ومع رؤية الديمقراطيين وأسلوبهم في إدارة السياسة، ضمن إطار طبيعة المرحلة، تجلعنا نرى وبموضوعية أن كل ما حملته هذه الوثيقة هي عملية تكيف كبيرة في الشكل، لا تحمل ضمناً أي تحول في الجوهر ولا في الأهداف .
فالهدف المركزي يتلخص في عبارة ldquo;تجديد أساس القوة الأمريكيةrdquo; هذه القوة التي اهتزت بفعل سياسات المحافظين الجدد، وفشلهم في أفغانستان والعراق . اهتزازاً طال مختلف المجالات ولكن أهم تجلياته طالت المجال الاقتصادي . وذلك بفعل أمرين أساسيين: تكاليف الحرب وتأثر المصالح الأمريكية بها، تأثر لم يكن ليتحقق لولا أعمال المقاومة الباسلة، والأزمة المالية التي شهدنا بداياتها ولا نعرف نهاياتها .
وإذا ما تنبهنا إلى أن اهتزاز الاقتصاد يطال دولة تقوم أساساً على ldquo;ايديولوجية المنفعةrdquo; وتعتمد نتيجة ذلك على تأمين مستويين: معيشة المواطنين، وضمان أوضاع المستثمرين، فإننا نفهم أية كارثة ضربت الدولة الفتية، وأية ضرورة تواجه الإدارة الحاكمة لاستعادة هذين العنصرين اللذين نسمع قرقعة حجارتهما .
ضرورة عبرت عنها الوثيقة بوضوح شديد: ldquo;التنمية والنمو . . . وإعادة تنظيم الأوضاع المالية للولايات المتحدة، عبر تعزيز رفاهية الأمريكيينrdquo; . وذلك ما لا يمكن أن يتأمن من دون تحقيق الأمن الداخلي . إضافة إلى أن هذا الأمن هو الوسيلة الأولى لابقاء الأمريكي المحمي بعزلته وراء الأطلسي، غير مبال بما توقعه بلاده وجيوشها وأجهزتها السرية وعقوباتها ومصادرتها للثروات، بأمن الآخرين واقتصاداتهم . أما الوسيلة الثانية فلا تتحقق إلا إذا شعر الأمريكي بأن أبناءه في مأمن، عنده، وراء أسوار محيطهم، أو على الأقل إذا كانوا بعيدين داخل أسوار قواعدهم .
من هنا نفهم الترابط السببي بين الدعوة إلى استعادة القوة الأمريكية، وإلى الأمن الداخلي، والدعوة إلى الانسحاب من العراق والتخلي عن الحرب على الإرهاب وعلى الإسلام .
أما البند الآخر المتعلق بالسياسة الدولية والعودة إلى التحالفات والتشاور، وإضافة روسيا والهند والصين إلى قائمة الحلفاء، ففيه براغماتية بارعة، تقرأ الخارطة الجديدة لتوزيع القوى في العالم، وتقبل فيها إدارة كلينتون بالتخلي عن الأحادية المتربعة على عرش العالم، وعن الانفراد باتخاذ القرار، مقابل عدم التخلي عن عرش الدول العظمى ومصالحها، ولأجل مواجهة القوى الأخرى الصاعدة .
مواجهة لن تتخلى فيها واشنطن عن أي من مواقفها بل إن كل ما سيتغير هو التحول إلى ldquo;القوة الناعمةrdquo; المتشكلة، بحسب كلينتون، من ldquo;مزيج من القوة والنفوذ غير المباشرين أكثر تطوراً وصعوبةrdquo; . يعطي الأولوية للدبلوماسية من دون أن يتخلى عن الخيار العسكري ولو جعله آخر حل يتم اللجوء إليه . وفي حال هذا اللجوء يكون التشاور مع ldquo;الحلفاءrdquo; (القدماء والجدد) مدخلاً لتوريطهم في دفع ثمنه .
وأخيراً يأتي البند الأول: ازدحام من القضايا الأخلاقية العلمية والثقافية والوطنية (وعلى رأس هذه الأخيرة قضية الشرق الأوسط)، يشكل ديكوراً مدروساً ملبياً لأذواق مشاهدي العرض المسرحي، وقشرة ثرية من السكر تسهل ابتلاع حبة الدواء المر الضروري لعافية المريض الأمريكي . وحبة السم الضروري لقتل من يهدد صحته .














التعليقات