باريس - محمد الفحايم 
ميشيل تورنييه من أشهر الروائيين الفرنسيين الأحياء، تربى في حضن الثقافة الألمانية والموسيقى والكاثوليكية، تابع دراساته الفلسفية في السوربون و' توبنغن' ( ألمانيا)، لكنه رسب في امتحان التبريز. زاول الصحافة في صحيفتي 'لوموند' و' الفيغارو' من 1956 إلى 1968، واشتغل مترجما عن الألمانية لدى دار النشر 'بلون'.
نشر أولى رواياته عام 1967 'الجمعة أو تخوم الباسفيك' التي فازت بجائزة الأكاديمية الفرنسية عن الرواية. وفي 1970 حصل على جائزة الغونكور بالإجماع عن روايته 'ملك المغث'1، التي بيعت منها أربعة ملايين نسخة. وفي السنة التالية نشر روايته 'الجمعة أو الحياة المتوحشة'، وهي نسخة مبسطة عن روايته الأولى. أقبل التلاميذ إقبالا كبيرا على قراءتها، فأصبحت كتابا مدرسيا كلاسيكيا، ثم بيعت منها سبعة ملايين نسخة، وترجمت إلى أربعين لغة.
منذ 1972 صار ميشيل تورنييه عضوا في أكاديمية الغونكور، وفي 1975 أصدر روايته الرابعة بعنوان 'النيازك'.
عدّ كاتبا كلاسيكيا يقرأه الجمهور بطبقاته، وهو واحد من أهم الكتاب الفرنسيين الذين جددوا النثر الفرنسي ونفخوا فيه روحا جديدا.
الترجمة
* حين عرض عليكم وضع كتاب عن أسفاركم، هل ترددتم؟
* أبدا، إنه موضوع ممتاز جدا، إن البلدان الأجنبية لتلهمني كل الإلهام، وبهذه المناسبة ثمة تقليد مدرسي غريب يتجلى في إسناد مادتي التاريخ والجغرافيا للأستاذ نفسه، والحال أن ليست بينهما علاقة، فالتاريخ مظلم بشكل خاص بسبب حروبه واغتيالاته، أما الجغرافيا فهي احتفاء بجمال الطبيعة. من جهة هناك 'جول فيرن' بكتابه 'جولة حول العالم في ثمانين يوما'، ومن جهة أخرى هناك مؤلفو البحوث الرهيبة الدموية.
* أيعدّ السفر، إذا، أساسيا لإدراك جمال العالم؟
* نعم، وهاك نصيحة: إذا كان لك ابن فامنحه وطنا ثانيا، ابعثه دائما، ما استطعت سبيلا، إلى المكان ذاته. ينبغي أن تطأ قدمه انكلترا والبرتغال وأمريكا وإيطاليا، وينبغي أن يكون له ربع وأصحاب فيها. أي ذكريات طفولة على أية حال. فأنا كنت محظوظا، فعلى الرغم من أصولهما المتوسطة: أبي كان يسمى تورنييه وأمي فورنييه، فإن أبويّ ربياني في فضاء ألماني، وهو ما أغناني جدا. كان الأمر من الناحية التاريخية كارثيا بسبب النازية والحرب والهزيمة والاحتلال، أي في الجملة بسبب الرعب. ومن ناحية أخرى فإن أبي الذي كان شارك في 1914 ـ والتشويه الذي تعرض له شاهد على هذا - والذي كان يتحدث لغة غوته بطلاقة، لم يعد ينبس بكلمة ألمانية واحدة بدءا من صعود هتلر، لكننا - نحن الإخوة والأخوات - كنا نقضي عطلنا بـ 'فرايبورغ'، في ناد ٍ للطلبة الكاثوليك، ثم ذهبت، غداة الحرب، لمتابعة دروس في الفلسفة بـ 'توبنغن' حيث عملت على قدوم صديقي 'كلود لينزمان'، وتمّ هذا بفضل مهمة عسكرية، وهي الطريقة الوحيدة للبقاء هناك. مكثت فيها أربع سنوات وهذا ما صعّب عليّ الحصول على التبريز في الفلسفة.
* أكانت الدراسة فيها أقل جودة منها في فرنسا؟
* كانت جيدة، لي مأخذ كبير على التبريز، كانت لديّ فكرة معينة كونية عن الفلسفة - فأنا من القلائل في العالم الذين يملكون الأعمال الكاملة لكانط بالألمانية - لكني لم أفهم شيئا من الموضوع الذي طرح عليّ في الاختبار الكتابي، لم يكن لي أدنى حظ، إذ كان عليّ أن أكون منتميا إلى المدرسة العليا للأساتذة، أما أنا فكنت ذلك الغريب.
كان عليّ، إذا، البحث عن عمل، فقمت بترجمة آلاف الصفحات الألمانية إلى الفرنسية لفائدة دار النشر 'بلون'. ترجمت 'إريش ماريا رومارك' بخاصة، ونقلت أيضا الأرشيفات السرية لوزارة الشؤون الخارجية في برلين، التي حصل عليها الحلفاء.
* كانت أيضا ألمانيا من المواضيع الكبرى لأحاديثكم مع فرانسوا ميتران.
* كان بيننا خلاف حقيقي حول ألمانيا الشرقية. لقد زرتها ونشرت لي كتب فيها، كان السكن فيها غير صالح، وكان البؤس فيها منظما. أما بالنسبة لميتران فلم تطأها قدماه أبدا، وكان يخاف من ألمانيا موحدة، كانت ألمانيا الشرقية، إذا، تشكل له إضعافا غير منتظر للقوة الألمانية.
* ما الذكرى التي تحتفظون بها عن زياراته لكم؟
* لقد جاء أربع مرات خلال حكمه السباعي الأول من تلقاء نفسه بمعنى ما. كنت مدعوا إلى الإليزيه ذات 14 من تموز( يوليو)، فتمّ تقديمي، في حفل الكوكتيل،إلى ميتران الذي قال لي: 'يبدو أنكم تقيمون في الريف القريب، حسنا سآتي إذا ما دعوتموني'. شهران فيما بعد، رنّ هاتف سكرتارية الإليزيه: 'الرئيس يسأل إذا كان بمقدوره أن يأتي يوما للغداء'، أخطرت جارتي التي أعدت غداء بسيطا. لقد كان الأمر لا يصدق، إذ حطت طائرته الهيلوكبتر في حقل مجاور، وهناك كانت تنتظره سيارة رجال الدرك...
* تزعمون أن الأسفار تغنيكم، بيد أنها تعمل على 'التسبب لكم في ألف ميتة'. فكل سفر كان معاناة؟
* نعم، علاوة على أن من يقول اليوم السفر فإنه يعني الطائرة، فيما مضى كان المرء يستقلّ القطار أو يمتطي الباخرة، وكان له فيهما متسع للحياة، بينما في الطائرة لا يقيم تعارفا، لا يأكل، لا يسرح ناظره في المناظر. في الطائرة، بوصفها نعشا حقيقيا طائرا، فإنكم تبعثون كلما حطت في المدرج.
* في هذا الصدد، بماذا أوحى لكم تعطيل الرحلات الناجم عن واحد من هذه البراكين الإيسلندية الذي سبق لكم أن استمتعتم به خلال إحدى تطوافاتكم؟
* ( ضحك) كان لديّ انطباع بأني دلفت إلى عالم معروف، عالم أحوال الطقس الذي تجهله الطائرة اليوم، هكذا فإن الكائن الإنساني الذي يدعي أنه يعيش من دون طبيعة أو خارج الطبيعة، يتلقى صفعة بين الفينة والأخرى.
* ضاعفتم الإقامات القصيرة في أنحاء المعمورة، بمناسبة ترجمات أعمالكم أو بوصفكم عضوا في لجنة الغونكور. أيبدو التجذر صعبا؟
* صحيح، حين أقضي، في الغالب، ثمانية أيام في بلد مجهول، كنت أقول إن الأمر سيكون رائعا لو بقيت فيه. هكذا فتنت كثيرا باليابان، ما ينبغي فعله فقط هو تعلم اللغة، وأنى لي باليابانية...ماذا تريدون؟ ليس للمرء سوى حياة واحدة، هل تؤمنون بالتناسخ؟ أما أنا فلا، سيعروني الخوف من أن أبعث في كائن ضعيف.
* ما المكان الذي تودون العيش فيه؟
* في تونس لبهائها، أو أيضا في مصر للوشائج التي لي فيها. إن قريبة لأمي كانت قد تزوجت من طالب مصري أعمى يدعى طه حسين، والذي أصبح أكبر كتاب العربية في عصره. كان عليّ من السهل الحصول على كرسي في جامعة القاهرة، وكنت سأختط لي، هناك، مسيرا جامعيا فشلت في تحقيقه هنا.
* هل أنتم نادمون على هذا المسار؟
* لا، لقد يممت وجهي شطر الأدب، ومع ذلك فإن الأمر لم يكن سيره سيئا ( ضحك). لقد كنت مدللا بشكل عجيب، فابتداء من 1967، ومنذ روايتي الأولى حصلت على الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية، وبعدها بثلاث سنوات، نشرت روايتي 'ملك المغث'، فتوجت بجائزة الغونكور بالإجماع، ولكي تبلغ جائزة الغونكور شأوها، ينبغي ألا يحدث شيء يعكرها، والحال أن الرئيس ديغول قد مات في هذه اللحظة بالذات، وهذا ما كلفني عشرات الآلاف من النسخ، والحاصل أن الناس لا يشترون الغونكور لقراءته بل لإهدائه.
*وهل حلمتم بجائزة نوبل؟
*كدت أن أحصل عليها، مرّ أربعون عاما على دعوتي إلى ستوكهولم رفقة كلود سيمون، اختبرت أكاديمية السويد، خلال أسبوع، فطنتنا ووزننا ( مكانتنا) وجسّت نبضنا، ثم عدنا إلى بلدنا، وما هي إلا أيام مضت حتى بلغني نبأ نيل كلود سيمون لجائزة نوبل ـ ومع ذلك فانا لم أكن مسحورا بأعماله - وسرعان ما نفضت يدي من همّ نوبل، ولديّ أمثلة كثيرة مثل هذا. إن السعي إلى نوبل شأن مرهق ودنيء.
* أتعتقدون أن أعمالكم يمكنها أن تنشر في طبعة لابلياد، وأنتم على قيد الحياة؟
* ما الحائل دون ذلك؟ لقد حدثت في هذا الموضوع، وعندي أن هذا الأمر يكاد يكون إقبارا في الدرجة الأولى، ثم إنني لا أمحض الموضوع أي اهتمام، لقلة حظه من المقروئية ولثقله الشديد. إنني أفضل طبعة الجيب التي نحملها معنا أثناء السفر والتي ننساها في القطار، وهي طبعة مضادة للابلياد. في اعتقادي ان كتبي لا تنشر نشرا حقيقيا إلا حين تظهر في طبعة الجيب، وحين تنظرون إلى الأرقام فليست ثمة أدنى مقارنة، لا يحظى كتاب ما باهتمامي إلا إذا تجاوزت نسخه مئة ألف، أما ما دون هذا الرقم فهو صفر ( ضحك).
* أما تزال رواية 'الجمعة أو الحياة المتوحشة'، وهي رواية مبسطة من رواية 'تخوم الباسفيك'، مقررة في المدارس؟
* نعم، إنها إيراد، لقد بيع منها، منذ أربعين عاما، سبعة ملايين نسخة ونيف.إنني أعتبر نفسي كاتبا كلاسيكيا بما أنني مقرر في الصفوف، مع ذلك فأنا لا أكتب للأطفال، وإنما أكتب، ببساطة، بأقصى جهد، قدوتي في ذلك نهج الوضوح، والإيجاز،والاقتراب من الملموس. وبما أن الشائع هو عزوف الفرنسيين عن القراءة، فإنني أقول، أحيانا، مع نفسي - وهو ما يملأها خشية وفخارا- أن الكثرة الكاثرة منهم لم تقرأ سوى كتاب واحد : عنيت هذه الرواية
* هل تواصلون الذهاب دائما إلى المدارس للتحدث عن رواياتكم؟
* لقد بلغ التعب مني مبلغا كبيرا، فتوقفت عن هذا الأمر منذ ستة أشهر، بيد أني ما زلت أستمر في تلقي بريد من أقسام دراسية كاملة، فأرد عليه شفاهة عبر أسطوانة وأنا أحرص على سرد أسماء جميع التلاميذ.
* لماذا توقفتم عن المشاركة في التصويت لجائزة الغونكور؟
* ثمة عمر لكل شيء، عشت خمسة وثمانين حولا وأعاني أشد المعاناة من الذهاب إلى باريس، وفقدت الشعور بالجوع. إن 'دروان' لمطعم بهيج نختلف إليه لهذا السبب، للغذاء رفقة الأصحاب. لا أفكر في الذهاب إلى الاجتماع المقبل في متم أيار ( مايو). في هذه الحالة، إذا، سأقدم استقالتي وسأقترح اسم ( جاك لانج) ليحلّ محلي.
* جاك لانج؟
* ما المانع؟ إنه شخص في المستوى. لقد بدأ في المسرح، وله ماض ثقافي رائع، المشكل الوحيد هو عمره، فالسنّ المناسبة لولوج أكاديمية الغونكور هي أربعون سنة. والحاصل أن اقتراحي سيكون عديم النفع، سيفعلون ما يحلو لهم.
* مارأيك في السجال الذي دار حول كتابات 'فريدريك ميتران'؟2
* ألم يجن على نفسه وهو يكتب كتابا يسمّى 'الحياة السيئة'؟ إن جلد الذات ليس أمرا طيبا دائما. من جهة أخرى لا أفهم كيف يمكن للإنسان أن يكون وزيرا؟ أما أنا فمتمرد كل التمرد على أي سياسة. السلطة شيء سيىء في ذاته.
* 'التحليل النفسي مسخرة الفلسفة'، هذا ما كتبتم ذات يوم. هل تعجبكم الدراسة الأخيرة لـ 'ميشيل أونفري'3 الذي سعى فيها إلى قذف فرويد وتشويهه؟
* هذا من حقه، بيد أني لا أرى ضرورة لذلك. فرويد، بالنسبة لي، طبيب، والتحليل النفسي علاج. يخضع المرء للعلاج النفسي لأنه يعاني، لكني أعتبر عبثا من يجعل من هذا العلاج وسيلة للمعرفة، ومن التحليل النفسي غاية في حد ذاته.
* ليس الاستيطان ديدنكم؟
* لست إنسانا يكبّ على حياته الشخصية وعلى أصوله، ولهذا السبب أسميت مذكراتي بـ : 'مذكرات خارجية'، لا آبه للحياة الداخلية وستبدو لي الكتابة عن حياتي الشخصية شأنا غريبا ومقرفا.
* هل يغيظكم هذا الكم من الروايات المعاصرة؟
* إنهما مسألتان متباينتان: فثمة ذوقي الشخصي، وثمة حكمي، فحين أقرأ أبحث عن شيء يتعذر تحديده، هو القيمة الأدبية.
* هل تنوؤون بثقل الشيخوخة؟
* نعم، لا بارقة تلوح في الأفق، لن أنتحر، ولكني أدرك أنني عشت كثيرا، أكابد الشيخوخة: فأنا لم أعد أمارس شيئا، توقفت عن السفر، إنني أقنط.
* هل أنتم راضون على حياتكم؟
* وضعت، حديثا، قائمة جرد بالمعايير الهامة التي يمكن أن نمنح على أساسها نقطا للحكم على حياتنا الخاصة. إنها: المظهر، العائلة، الزمن، الأصدقاء، الحب، والمهنة. تضعون المعدل ثم تلحظون هل كنتم سعداء أم لا؟
أما بالنسبة لي فليس يوجد إلا شيء واحد رهيب هو الزمن، إذ كان لي من العمر سبع سنوات حين تقلد النازيون زمام الحكم، أما البقية: فمن الناحية الجسمية أنا في صحة جيدة ولست بشعا، بالنسبة للأصدقاء لي منهم ما يغني، لكن الحب أرضه قاحلة عندي، وفيما يخص المهنة فأنا بلغت فيها شأوا بعيدا. الحصيلة إيجابية.
عن الصفحة الثقافية لجريدة 'الإكسبرس'عدد 19 ايار (مايو) 2010.
هوامش من وضع المترجم :
1. اقتبس ميشيل تورنييه عنوان هذه الرواية من إحدى أشهر قصائد الشاعر 'غوته'، خلدها الموسيقي شوبير حين أوحت له بكتابة أغنية شعبية ( ليدة). والمغث جنس شجر يألف الماء.
2. 'الحياة السيئة': كتاب في السيرة الذاتية كتبه وزير الثقافة الفرنسي الحالي فريدريك ميتران، ظهر عام 2005، روى فيه وقائع حياته العاطفية والجنسية، واعترف فيه بعلاقاته المثلية مع أطفال في الخارج، ما جعله عرضة لحملة نقدية شعواء سواء من اليمين أو اليسار، اتهم فيها بممارسة السياحة الجنسية.
3. ميشيل أونفري: فيلسوف فرنسي ( 1955...) هاجم فرويد في كتاب جديد بعنوان 'أفول صنم، الخرافة الفرويدية'، اتهمه بمساندة الأنظمة الشمولية القمعية وبالكذب والشراهة في المال، انبرى للردّ عليه أتباع التحليل النفسي.. ووجدت فيه الصحف السيارة في فرنسا مادة دسمة للكتابة..













التعليقات