حسن البراري


لا نضيف كثيرا بقولنا إن من مصلحة إسرائيل إبقاء حزب الله وحماس على قائمة التنظيمات الإرهابية لوزارة الخارجية الأميركية، وبالفعل تحاول كل القوى المؤيدة لتل أبيب في حربها الشرسة ضد السلام في إظهار أن هذه الحركات الوطنية إنما هي بيادق بيد إيران، وهي -أي هذه التنظيمات- تقودها أيديولوجيات مغلقة لا يمكن التعامل معها بالحوار وإنما يجب تبني إستراتيجية إضعافها ومضايقتها حتى تنتهي.
الغريب في الأمر أن هناك من القادة في الشرق الأوسط -ومنهم للأسف عرب- لا يقيمون علاقات مع أي من التنظيمين لأسباب كثيرة، لكننا كمحللين لا نجد موقف هؤلاء القادة مختلفا كثيرا عن موقف الإسرائيليين الذين يضربون حصارا ظالما على الفلسطينيين وعلى حماس. المشكلة أن هؤلاء القادة لا يريدون أن يتعلموا أبجديات العمل السياسي التي تقوم على المراجعة والعمل حسب معادلات الربح والخسارة، وإلا لا يوجد تفسير مقنع لقيام أميركا بمراجعة سياساتها من هذين التنظيمين وإصرار بعض العرب على موقف مغاير تماما!
قبل قرون، طرح وليام شكسبير شخصية ماكبث في مسرحيته الشهيرة التي حملت نفس الاسم ليقدم درسا للسياسيين -خاصة الذين يعانون من خلل تراجيدي- يكلفهم منصبهم إن لم يفيقوا في التوقيت المناسب، وبالفعل جاءت نهاية ماكبث تراجيدية، فقد أخفق في فهم حدود قوته وفشل في استيعاب التغيرات، فقبل أن يُقتل تحركت الغابة وقابله من لم تلده امرأة!
في السياسة أيضا هناك حقائق قائمة على الأرض، وعدم القدرة على فهمها والتعامل معها مكلف لمن يعنيه الأمر، والحقيقة الأولى البادية للعيان هي أن كلاً من حماس وحزب الله أصبحا قوة سياسية مركزية في بلديهما، ومن هنا ربما على دول الجوار أو المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي الانتباه للتغيرات التي تحصل في كل من لبنان وفلسطين.
قبل أيام قليلة كتبت شارمين نرواني على موقع الهفونغتون بوست الأميركي مقالا تحلل فيه تقريرا أميركيا عسكريا جديدا كان وليام بيري قد تناول أجزاء منه في مجلة الفورين بوليسي في عددها الأخير. والتقرير أعده عدد من الخبراء -لصالح القيادة المركزية العسكرية- كان قد طلب منهم التفكير خارج المألوف وجاء التقرير بواقع خمس صفحات تتناول حماس وحزب الله على وجه التحديد، ويتوصل التقرير لنتيجة تفيد أن التنظيمين هما براغماتيان وانتهازيان سياسيا وبالتالي لا تنفع الرؤية الأميركية في التعامل معهما على اعتبارهما تنظيمين إرهابيين فقط، وقد قلّل التقرير من شأن الفكرة الأميركية- الإسرائيلية بأن حماس مجرد بيدق في يد إيران تستخدمه متى شاءت، فالتنظيم يعكس احتياجات لبنان أو جزء منه، ويبين التقرير أن الفكرة الإسرائيلية القائمة على اعتبار أن التنظيمين هما غير قابلين للتغير وبالتالي لا تنفع معهما إلا لغة القوة هي فكرة خاطئة لأن الاشتباك معهما يؤثر عليهما ويخلق لهما مصلحة في الاعتدال.
وربما ليس مصادفة أن يدلي ديفيد بيترايوس بشهادته أمام مجلس الشيوخ معتبرا فيها أن عدم حل الصراع العربي- الإسرائيلي إنما يقوض من قدرة أميركا على تحقيق مصالحها في المنطقة، فاستمرار الصراع يغذي المشاعر المعادية لأميركا في الشرق الأوسط خاصة أن ثمة انطباعا سائدا بأن أميركا تدعم إسرائيل ضد العرب وهو الأمر الذي يقوض مدى وعمق الشراكات الأميركية في المنطقة.
التقرير العسكري المهم الذي سربت أجزاء منه للصحف يأتي في سياق مراجعة أميركا لسياساتها في المنطقة، فهناك في أميركا من يريدون التعلم من الأخطاء السابقة والراهنة، لكن في الشرق الأوسط هناك إصرار على عدم التعلم، وكأن البنية الذهنية لـماكبث قدر لا مفر منه لصناع القرار في منطقتنا. صحيح أن التقرير لن يكون ملزما لإدارة الرئيس أوباما، لكن علينا أيضا أن نتذكر أن للعسكر رأيا هذه الأيام بدليل أن تعيين ديفيد بيترايوس مكان ماكريستال إنما يضيف بعدا سياسيا للقرار، ونحن جميعا نعرف ما هو موقف بترايوس من استمرار الصراع العربيndash; الإسرائيلي. أعتقد أنه حان الوقت الآن لقادة منطقتنا أن يستبقوا الأمر ويتعاملوا مع حماس على الأقل بدلا من حصارها كما يفعل الإسرائيليون وربما عليهم قراءة مسرحية ماكبث.