اكتشاف 450 منها خارج المجموعة الشمسية
دبي - أشرف مرحلي
تخيل نفسك تنظر إلى السماء الصافية في إحدى ليالي الصيف لتشاهد نجماً، وكوكباً يدور حوله، يكبر الأرض بكثير ويشبهها في الكثير والكثير، وعصفت بسطحه الزلازل، وغطت مياه المحيطات معظمه، وهزت سماءه العواصف واختفت أنواره خلف ستار من تراب البراكين، ولا يختلف غلافه الجوي عن غلافنا . هذا السيناريو سوف يتحول إلى حقيقة في العقد المقبل، فعلماء الفلك في طريقهم لاكتشاف كواكب تشبه الأرض، إضافة إلى تلك التي تم اكتشافها خارج المجموعة الشمسية والبالغ عددها 450 كوكباً، وهي ذات أحجام عملاقة تشبه كوكب جوبيتر .
يأمل الفلكيون أن يحالف النجاح المسبار ldquo;كيبلرrdquo; الذي أرسلته وكالة الفضاء الأمريكية ldquo;ناساrdquo; إلى الفضاء العام الماضي، في الكشف عن الكثير من هذه الكواكب، على رغم أن الأجهزة المتطورة لن تتمكن من كشف تفاصيل أسطح هذه الكواكب وجبالها وسحبها وبراكينها لبعدها عن الأرض، فالتلسكوبات التي يستخدمها العلماء تستطيع فقط الكشف عن أدلة وعلامات غير مباشرة لوجودها، ويمكن أن تساعد في تقدير كتلته ومحيط مداره، وفي بعض الأحيان، يمكن أن تعطي معلومات حول قطر هذا الكوكب .
وفي حالة الكواكب الخارجية العملاقة، يمكن أن تشمل هذه التفاصيل بعض الأرقام التقديرية حول تركيبة الغلاف الجوي ودينامية الرياح .
والقدرة على الحصول على أرقام دقيقة في مجال الجيولوجيا أو الكيمياء يعد شيئاً صعب المنال، ولكن يستطيع العلماء من خلال الأرقام البسيطة، رسم صور استنتاجية دقيقة لتلك الكواكب البعيدة، باستخدام التجارب المعملية وأجهزة الحاسب الآلي مع وجود خلفية معرفية حول الأرض وباقي كواكب المجموعة الشمسية .
واكتشف العلماء كواكب خارج نطاق مجموعتنا الشمسية، تفوق في حجمها الأرض، ولكنها قريبة الشبه بها وتتمتع بنشاط جغرافي وبمناخات قد تلائم نشوء حياة بشرية . واكتشف أول كوكب خارج نطاق المجموعة الشمسية في منتصف التسعينات .
نشأت الحياة على الأرض لأن كتلتها تناسب ذلك، فلو كانت كتلة الأرض أصغر قليلاً، ما صلحت لأن تكون كوكباً مأهولاً بالبشر .
واستخدم العلماء طريقة التذبذب للكشف عن وجود الكواكب عن طريق تأثير جاذبيتها في نجمها الذي تدور حوله، إذ تنعكس جاذبية الكواكب على النجم المضيف ، وهذا ما يسرع من حركته في اتجاهات مختلفة فيحدث تغيراً في الطيف الذي يصدره النجم .
وشكك بعض العلماء في تلك النظرية، إذ إن هذا التذبذب قد يحدث بفعل فيزيائية النجم نفسه وليس بسبب دوران الكواكب حوله .
العالم البلغاري ديميتار ساسيلوف، أستاذ الفلك في جامعة هارفارد ومدير مشروع ldquo;أصول الحياةrdquo; في الجامعة، تخصص في دراسة النجوم التي تتغير قوة سطوعها من آن لآخر .
واقترح ساسيلوف وفريق من العلماء بناء المرصد الفضائي ldquo;كيبلرrdquo; بهدف اكتشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، والذي أطلق العام الماضي .
وصمم المسبار بحيث يستطيع اكتشاف الكواكب عن طريق تتبع المناطق المعتمة في النجم، والتي تستمر عادة لساعات قليلة . ووجود البقع المعتمة على فترات فاصلة يعد دليلاً قاطعاً على وجود كوكب يدور حول هذا النجم .
وتمت تجربة المسبار بوضعه بالقرب من مجموعة كواكب ldquo;سيجناس الشماليةrdquo; أو البجعة، والتقطت كاميراته الرقمية ما يزيد على 150 ألف نجم خلال ثلاث سنوات، وبعد الانتهاء من جمع القدر الكافي من المعلومات سيوجه المسبار للبحث عن مئات الكواكب التي يقارب حجمها الأرض .
وتتركز جهود العلماء حالياً في اكتشاف كواكب تفوق كتلتها كتلة الأرض بمراحل . وفي عام ،2004 ظهرت أول وثيقة عن الكواكب الخارجية، ولأن الأمر لم يكن مألوفاً بعد، أمضى محررو الصحف قرابة العام في محاولة العثور على علماء لديهم الخبرة المرجعية الكافية للاستدلال بها .
وفي عام ،2005 تكللت جهود العلماء بالنجاح، إذ تمكن العالم يوجينيو ريفيرا ورفاقه في جامعة كاليفورنيا، باستخدام طريقة التذبذب من اكتشاف كوكب يدور حول النجم ldquo;غليز 876rdquo; ضمن مجموعة ldquo;أكواريسrdquo; أو برج الدلو، واعتبر هذا أول اكتشاف لكوكب خارجي .
والنجم ldquo;غليز 876rdquo; نجم قزم خافت أحمر اللون يبعد عن الأرض 15 سنة ضوئية فقط، ولا يرى بالعين المجردة، وتبلغ كتلته 32% من كتلة الشمس، وتقل درجة حرارة سطحه عن حرارة سطحها . وهذا العام أكد العلماء وجود أربعة كواكب خارجية تدور حوله، اثنان منها في وسط المدار ويشبهان كوكب المشتري، بينما يشبه الكوكب الأقرب منه كوكب نبتون، في حين يشبه الكوكب الخارجي كوكب أورانوس .
وهناك كوكب يعرف باسم ldquo;جي جيه 876 ديrdquo; يدور حول شمسه في يومين فقط، وتبلغ كتلته سبعة أضعاف ونصف الضعف من كتلة الأرض، ولم يتوصل العلماء إلى طريقة لاكتشاف متوسط كثافته (ناتج قسمة الكتلة على الحجم) وبالتالي يصعب معرفة مكوناته .
ويقول العلماء إنه يمكن استنتاج قطر الكوكب عن طريق تقدير البقع المظلمة التي يحدثها في نجمه، وبقياس التذبذب يمكن الحصول على الكتلة، وبالقطر والكتلة يمكن حساب متوسط الكثافة، فإذا كان هذا المتوسط مرتفعاً فذلك يعني أن هذا الكوكب صخري .
وفي العام الماضي، اكتشف العلماء كوكب ldquo;كوروت 7 بيrdquo; عالي الكثافة، يدور بالقرب من نجمه وتعادل سنته يوماً واحداً من أيام الأرض .
وبعد مرور عشرة شهور، اكتشف العلماء في مركز هارفارد للفيزياء الفضائية كوكباً خارجياً آخر أطلق عليه اسم ldquo;جي جيه 1214 بيrdquo;، وتشبه كثافته كثافة الماء وليست الصخور، وهذا يدل على أنه محاط بطوق كثيف من الغاز .
وبعد ما توصل إليه العلماء حول حقيقة هذه الكواكب، يمكن الجزم بأنه ليس هناك كوكب شبيه تماماً بالأرض .
ويركز العلماء جهودهم وأبحاثهم على اكتشاف كواكب شبيهة بالأرض تصلح لنشأة حياة بشرية على سطحها .
ويتوقع العلماء أن تكون تركيبة الكواكب الخارجية قريبة الشبه بالأرض: سيليكون وأوكسجين وماغنيسيوم وحديد وعناصر أخرى وكميات هائلة من المياه .
وهناك نوعان رئيسيان من الكواكب الخارجية التي تفوق كتلتها كتلة الأرض، حسب بعدها عن نجمها . فالكواكب البعيدة عن نجمها لابد أن تكون جرفت كميات كبيرة من الجليد الذي كان موجوداً حول النجم، ما جعل الماء في نهاية المطاف يشكل الجزء الأكبر من كتلة الكوكب، مختلفاً في ذلك عن كوكب الأرض والكواكب البرية الأخرى .
أما الكواكب التي تتكون على مقربة من نجمها فحرارتها لا تسمح بوجود جليد في نطاقها، لذا فهي جافة تماماً مثل الأرض وقريناتها من الكواكب البرية الأخرى في مجموعتنا الشمسية .
ويبدأ تشكل الكوكب الصخري بمزيج من مواد منصهرة، تدخل في مرحلة التبريد لتتخلص من حرارتها في الفضاء المحيط، وتتحول بللورات الحديد والسيليكات إلى رواسب متجمدة . وبسبب كميات الأوكسجين المتوافرة، لا تتحول كميات الحديد إلى معادن، بل يظل على حالته السائلة ليستقر في مركز الكوكب بسبب كثافته الأعلى .
وكما هو الحال مع كوكبنا الأرضي، فسوف يتخذ الكوكب شكلاً بيضاوياً، داخله قالب من الحديد مغلف بطبقة من السيليكات .
ويختلف قالب الكواكب الكبيرة عن الأرض، فعبر بلايين السنوات، وصل قالب الأرض إلى درجات كبيرة من البرودة أدت إلى تجمد الجزء الداخلي منه، بينما ظل الجزء الخارجي على حالته السائلة تتحرك بقوة في شكل تيارات حرارية، ويعتقد العلماء أن حرارة الجزء الخارجي هي السبب في توليد المجال المغناطيسي الأرضي .
وأوردت أبحاث حديثة أن الضغط الموجود داخل الكواكب الكبيرة يؤدي إلى تجمد الحديد حتى في درجات حرارة تصل إلى 10،000 كلفن (يستخدم الكلفن كوحدة لقياس درجة نشاط الجزيئات في المادة، فعند درجة (0) كلفن (الصفر المطلق) تتوقف حركة الجزيئات تماماً) .
ولا تؤثر درجات الحرارة هذه في الكواكب صغيرة الحجم، كما تتسبب درجات برودة منخفضة في تجميد قالب الكواكب البرية الأكبر من الأرض، وعليه فمن الممكن أن يكون هناك كوكب يحوي قالباً متجمداً من الحديد وبالمجال مغناطيسي .
والمجال المغناطيسي للأرض يقيها تأثيرات الرياح الشمسية الضارة والأشعة الكونية، ولكن لايمكن الجزم بأهمية هذا المجال في جعل الأرض صالحة للسكنى .
والكواكب الغنية بالمياه قد تتحول إلى شكل مختلف، ويمكن أن يحاصر الكوكب محيط ما، وهذا ما يؤدي إلى حدوث أشياء غريبة في أعماق المحيط .
مصادر إشعاع حراري
يحدو العلماء الأمل في أن تتوافر في الكواكب الخارجية الصخرية مصادر إشعاع حراري كتلك الموجودة على كوكب الأرض، أو على الأقل اليورانيوم والثوريوم، لأن هذه العناصر سبق أن وزعت بالتساوي على المجرة واندمجت في تركيبة الكواكب، ومن ثم فإن وجود كوكب يفوق في حجمه الأرض وبه كميات أكبر من الحرارة المشعة، سوف يؤدي إلى إنتاج كميات هائلة من الحرارة الداخلية التي ستترجم إلى حركة نشطة في غلافها الخارجي، وهو ما يسرع ويقوي من دورة الكاربونسيليكات .
وفي بعض النواحي يمكن أن تكون بعض هذه الكواكب الخارجية مكاناً صالحاً لحياة بشرية بدرجة أنسب من تلك الكواكب القريبة من حجم الأرض، علاوة على أن كتلتها الضخمة سوف تساعد على الحيلولة دون تسرب الماء والهواء إلى الفضاء الخارجي . ويحدث هذا بالنسبة إلى الكواكب التي تدور على مسافة قريبة جداً من نجومها، أقرب من دوران المريخ حول الشمس .
وعند عقد مقارنة بين الأرض والكواكب التي تفوقه في الحجم، نجد الأرض غير محصنة وسهلة التأثر، فالكواكب الصغيرة في نظامنا الشمسي ثابتة جيولوجياً، فكوكب الزهرة مثلاً، يبدو وكأن له القدرة على تحريك طبقاته، في حين أن المريخ يبدو راسخاً ساكناً وتوقف عن إنتاج المزيد من الانبعاثات ليعوض بها المفقود من غلافه الجوي، كما يبدو أن كوكبنا نجا بأعجوبة من أن يواجه نفس مصير هذه الكواكب بفضل الحجم الذي خلقه الله عليه .















التعليقات