قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد المزعل

كثيرة هي الدروس التي يمكن تعلمها من laquo;الملحمة التونسيةraquo;. من بينها أن الثورات قد تشتعل في أي لحظة ومن دون سابق إنذار. وقد تجري الأمور بما لا يتوقع أعتى المحللين أو أكثر عناصر المخابرات دهاء.
لكن من أهم الدروس التي تستقى من ثورة laquo;البوعزيزيraquo; اثنان. أولهما أن الأنظمة البوليسية هشة مهما كانت الصورة الشائعة عنها. ومهما كثر عناصر مخابراتها. وازدادت زنازين السجون فيها. وخنقت فيها الحريات. تلك الأدوات لزوم laquo;الشغلraquo;. ولردع ضعاف النفوس من التفكير في مواجهة الظلم.
لكن سلاحا مثل تلك الأنظمة الأشد فتكًا لا تملكه هي. بل موجود في داخل نفوس شعوبها. هو سلاح الخوف الذاتي. في تونس، لم تطل إقامة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي طويلا في بلاده بعدما كسر التوانسة حاجز الخوف. في اللحظة التي سار فيها الآلاف إلى مقر وزارة الداخلية، رمز النظام البوليسي الذي حكم تونس أكثر من عقدين، تأكد الجميع أن بن علي راحل لا محالة.
في اللحظة التي رفعت فيها فتاة لا يتعدى عمرها العشرين عاما لافتة تدعو بن علي إلى الرحيل، بدا النظام القاسي المتعجرف، عاريا قليل الحيلة بل مذعورًا يسعى بكل الوسائل إلى laquo;انقاذ ما يمكن انقاذهraquo;. في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس المخلوع عن وعود بالحريات والديمقراطية وإصلاحات كان يرفضها أربعة وعشرين عاما، عرف التونسيون أن الرجل يعيش لحظاته الأخيرة في الحكم.
تلك أنظمة هشة. لا تملك شرعية من أي نوع. أساس laquo;شرعيتهاraquo; الوحيد الخوف القائم في نفوس شعوبها. الخوف من صورة بناها النظام عبر أدوات متعددة: بوليسية، إعلامية، وشبكة مصالح ربطته بقوى دولية ومحلية.
كسرت الثورة التونسية هيبة كل الأنظمة القمعية. بددت صورة الأنظمة التي لا تقهر، كشفت عجز وهشاشة أنظمة لا تملك من الشرعية سوى ما يكتب في تقارير المخابرات التي تزيف إرادة الشعوب وتتلاعب بانتخاباتها وتصادر قراراتها، لا تملك من الشرعية سوى بعض بطانة زائفة تعتاش على مقدرات الشعوب، غارقة في وحل الفساد حتى قمة الرأس، وتظلم باسم النظام حتى أولئك الفقراء الذين لا يملكون من سبل العيش سوى عربة خضار على ناصية شارع كتلك التي كان يملكها الشهيد محمد البوعزيزي ذي الستة والعشرين عاما مفجر الثورة التونسية.
الدرس الآخر للحكومات، كثيرة هي الوعود، بالاصلاح، بالوظائف بالبنى التحتية، بمزيد من المدارس والحدائق والطرقات، قليل منها ينفذ، وتظن بعض الأنظمة أن الشعوب تنسى، وتغفر، لكن الشعوب تمهل ولا تهمل، قد تغفر، لكنها لا تنسى، وحين تغضب فلا راد لانتقامها.
منذ قامت laquo;الجمهورياتraquo; العربية خلال وبعيد سنوات الاستقلال، والشعوب تنتظر تنفيذ الوعود الوردية. تنتظر قيام المؤسسات التي وعدت بها laquo;البلاغات رقم واحدraquo; التي تذاع على الهواء عند كل انقلاب نفذه العسكر، غير أن أوضاع تلك الدول ازدادت سوءا، باتت كل دولة تتراجع على كل الصعد.
وترى تلك الشعوب بحسرة قيام نظم ديمقراطية في مناطق في العالم كانت حتى وقت قريب توصم بالتخلف والجهل، مثل بعض الجيوب الجغرافية في أفريقيا وآسيا. ولم تعد دول أمريكا اللاتينية توصف بجمهوريات الموز، بل بات ذلك الوصف ينطبق حصرا على دول عربية كثيرة رهنت ثرواتها وقرارها السيادي في يد دول خارجية أو عصابات فساد محلية.
إن على تلك laquo;الجمهورياتraquo; أن تدرس ما جرى في تونس بعناية، وتعيد النظر ثانية، وتراجع أوضاعها. وتعيد صياغة العلاقة بينها وبين الشعوب المقموعة التي تنتظر أول فرصة لتقلب الطاولة، ربما كان حتى البوح بمثل هذا الحديث من المحرمات قبل بعض الوقت، لكنه حديث لا بد منه، إن على الأنظمة أن تصلح أمورها وتستمع لما تطالب به الشعوب قبل أن يفوت الأوان.
هذان درسان يهمان كل من يعنيه الأمر في منطقتنا المنكوبة بأنظمتها، ولكن هناك في ملاحظة لا بد من سردها حين الحديث عن ثورة تونس العظيمة، كان لافتا غياب الإسلاميين عن تلك الثورة، ولم يسمع أحد صوت تلك الأحزاب الدينية إلا بعدما بلغت طائرة بن علي مطار جدة، واختفت، لحسن الحظ، لافتات laquo;الإسلام هو الحلraquo; عن تظاهرات تونس وسيدي بوزيد والقصرين وصفاقس. إن الثورة قامت على أكتاف وبتضحيات التونسيين البسطاء، قامت من دون أن يدعي أحد قيادتها. ولم يقدر أحد من laquo;النخبةraquo; أن يشتت انتباه الشباب والشابات الذين أذهلوا العالم خلال ثمانية وعشرين يوما من التضحيات باللحم الحي.
ولكن ذاك لا يعني أنه لا يوجد خوف من أن يركب الإسلاميون الموجة محاولين اختطاف الثورة. كما هي المخاوف من أن يحكم الجيش قبضته عليها، لكن الإسلاميين معروفون بقدرتهم على المناورة ونسج تحالفات مع ذوي النفوذ لضمان تمرير مصالحهم وتنفيذ أهدافهم.
الأمل أن تبقى ثورة تونس المجيدة بريئة، شعبية، طاهرة، ديمقراطية، مدنية، حضارية، تعلم العرب كيف ينتفضون لكرامتهم. وتعيد فينا جميعا الثقة وتثبت أن في مكان ما لا يزال هناك عرق ينبض فينا يتوق إلى الحرية، عاشت تونس، وعاش أبناؤها، ورحم الله الشهيد البوعزيزي.
إلى الأعلى